آراء: الخيارات القاتلة… هكذا سيورط ترامب أكراد العراق في الحرب ضدّ إيران !

الخيارات القاتلة… هكذا سيورط ترامب أكراد العراق في الحرب ضدّ إيران !

تأمل واشنطن في انخراط الكرد بالحرب ليصبح اقليم كردستان منفذا لإيصال الدعم للأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة وتسهيل حركتها، بما يمكنها من تنفيذ عمليات عسكرية في عمق إيران قبل ان تتحرك بشكل موسع داخل المدن الكردية الايرانية من خلال التواصل مع خلاياها السرية لتسيطر على الأرض وتساهم في دعم أية احتجاجات للسكان

شاهين علي

في ضوء اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وعقب مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأولى غاراتها، يبرز سؤال جوهري حول مدى إمكانية مشاركة القوى السياسية في إقليم كردستان العراق، عبر أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، في هذه الحرب لصالح واشنطن وإسرائيل ضد طهران، بكل ما يمكن أن يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الاقليم.

بعد أن فشلت الضربات الجوية الكثيفة في تحقيق التغيير من داخل النظام الذي أرادته الولايات المتحدة، أو في دفع الشعوب الايرانية للانتفاض ضد السلطات القائمة واسقاطها، برزت أهمية الإقليم الكردي في المواجهة المتسعة كونه يمثل موطئاً استراتيجياً حساساً، نظرا لموقعه الجغرافي وحدوده الطويلة مع إيران، فضلاً عن علاقاته السياسية والأمنية والاستخباراتية مع واشنطن وتل أبيب التي تفوق تلك التي تربطه بالجانب الإيراني، فضلا عن وجود معارضة كردية مسلحة للنظام الايراني مستعدة للانخراط في الحرب.

احتمال الإنخراط الكردي في هذه الحرب الكبيرة، تحت الضغط الأمريكي، يتناغم مع الطموحات الاقتصادية والمصالح الشخصية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى اتخاذ خطوات دولية وإقليمية تعزّز مكانة بلاده وقوتها -الى جانب دعم صورته الشخصية- لا سيما على الصعيد الاقتصادي والمالي والسياسي والأمني حتى لو كلفه ذلك التضحية بدول وشعوب أخرى.

لقد دأبت الولايات المتحدة على دعم الأحزاب الكردية في كردستان العراق لسنوات في مجالات الأمن والاستخبارات، وذلك من خلال الدعم اللوجستي والتسليحي الذي قدمته لقوات البيشمركة الكردية على مدى سنوات، مما عزز من قوتها، لا سيما في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي بين عامي 2014 و 2017.

إضافةً إلى الدعم الاستخباراتي رفيع المستوى الذي تقدمه واشنطن لجهاز “باراستن/ الحماية” -جهاز مخابراتي ينشط في محافظتي أربيل ودهوك- التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، وجهاز “زانياري/ المعلومات” -ينشط في محافظتي السليمانية وحلبجة- التابع للاتحاد الوطني الكردستاني، فضلاً عن دعم تشكيلات عسكرية قتالية رفيعة المستوى، مثل جهاز مكافحة الإرهاب وقوات الكوماندوز الكردية.

كل هذا الدعم، يرفع من مستوى التوقعات، نظريا وعمليا، حول إمكانية نجاح ضغوط واشنطن على قادة كردستان للمشاركة في هذه الحرب وتقديم الدعم لها ضدّ ايران.

مشاركة مباشرة أم جزئية؟

السؤال الأهم: في حال حدثت المشاركة الكردية، فهل ستكون “مباشرة” أم “غير مباشرة”؟ وإلى أي مدى ستنجح القوى السياسية الكردية، ولا سيما الحزبان الرئيسيان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، في تجنب اغضاب ايران والإبقاء على نوع من العلاقة تمنع ردود الفعل القوية المتوقعة من جانبها؟.

لعلّ الإجابة الأكثر منطقية وواقعية على هذا السؤال هي أن كردستان ستشارك في هذه الحرب، ولكن بشكل “غير مباشر وفي الظل”، لا علانية. علاوة على ذلك، ستأخذ كردستان في الحسبان أنها لا تزال جزءاً من الدولة العراقية الاتحادية، ولا ترغب في فتح جبهة خارجية مع إيران، وأخرى داخلية مع العراق، نظرًا لوجود أحزاب شيعية وفصائل مسلحة تناصر إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تمتلكُ مساحةً واسعةً من النفوذ والسلطة في الحكومة العراقية ولها تأثير في صنع القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق.

ومن المرجح أن تكون المشاركة محدودة، وفي الدرجة الأولى من خلال الدعم المُخابراتي والاستخباراتي والأمني للمعارضة الكردية الإيرانية والمتمركزة في كردستان العراق. وثانيًا من خلال الدعم اللوجستي بدلاً من المواجهة المباشرة والتدخل العسكري العلني.

ومما يعزز هذه الإجابة أكثر هو أن الضغوط الأمريكية على كردستان للمشاركة في هذه الحرب، قوية ومستمرة،، وهي أكبر وأوسع مقارنةً بالضغوط والتحذيرات الإيرانية المتكررة بعدم التورط في المشاركة تجنبا للعواقب.

اتصال ترامب مع بارزاني وطالباني

في أيام الحرب الأولى، كشفت سائل الإعلام المحلية والغربية عن اجراء مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيمي الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، بافل طالباني، ناقشوا خلالها التطورات الجارية.

إلا أن هذا الخبر لم يُؤكّده أو ينفه أي من الحزبين إلّا بعد مرور ثلاثة أيام. ففي الثالث من مارس/آذار الماضي، أصدر المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني بيانًا رسميًا يؤكد فيه المكالمة الهاتفية بين ترامب وطالباني، دون الكشف عن مضمونها أو أسباب إجرائها في هذا التوقيت الحساس، نظرًا لتصاعد حدة الصراع.

في المقابل، التزم الحزب الديمقراطي الكردستاني الصمت حيال الأمر، ولم يتطرق إلى مضمون الاتصال، وليس غربياً تفسير هذا الصمت بربطه بطلب ترامب مشاركتهم في الحرب كما تناقلت وكالات دولية. خصوصاً مع اعلان الرئيس الأميركي بشكل صريح تأييده شنّ الأكراد هجوماً على إيران.

من المعروف عن ترامب أنه لا يتحدث إلا مع “الرؤوس الكبيرة” من كبار الشخصيات، كرؤساء الدول. وإذا أراد توجيه أو إيصال رسالة مباشرة أو غير مباشرة إلى جهات معينة أو صغيرة في مناطق جغرافية محددة، كإقليم كردستان العراق، فإنه يفعل ذلك عبر السفير الأمريكي أو القنصل أو مبعوثه الخاص. مع ذلك قام ترامب بالاتصال هاتفيا مع زعيمي الحزبين الكرديين، مسعود وبافل. وهذه الخطوة لا تفسر الا على كونها ضغط أقصى لدفع الإقليم الكردي للمشاركة في الحرب الدائرة ضد إيران.

ما يعزز هذا التوجه هو الرد الإيراني، الذي جاء على الفور، من خلال قصفها “تلة رعاية/مقر الأمم المتحدة” الذي كان سابقًا مركزًا للتنسيق المشتركة بين القوات الأمريكية والكردية في محافظة السليمانية، وكذلك قصف مناطق حساسة في جبل كورك قرب أربيل، تزامنت مع سلسلة تصريحات من مسؤولين ايرانيين كبار حذرت من خطورة انخراط الكرد في الحرب، بينهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الذي حذر من ان «الجماعات الانفصالية المسلحة يجب ألا تظن أن الظروف مواتية للتحرك»، مؤكداً أن السلطات الإيرانية «لن تتسامح مع أي نشاط مسلح».

وجاء القصف الإيراني للسليمانية التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني، على الرغم من العلاقة القوية التي تربطه مع إيران، كما لديه علاقة جيدة مع الأحزاب والفصائل الشيعية في البلاد. ومع ذلك، نفذت هذه الفصائل وطهران عدة عمليات قصف، سواء بالصواريخ أو عبر الطائرات المسيرة، في السليمانية، واستهدفت مقرات أمنية لأحزاب المعارضة الكردية الإيرانية، في “زركويز” ومناطق أخرى.

السيناريوهات المتوقعة لمشاركة كردستان

السيناريو الأول: إذا نظرنا إلى مدى الوجود الأمريكي، سواءً عبر القواعد العسكرية أو النفوذ السياسي والأمني والاستخباراتي في العراق، وخاصةً في كردستان، ومنها ضمن ما يُسمى “التحالف الدولي” الذي يمتلك تعاوناً وثيقاً مع قوات البيشمركة الكردية، فسنجد أن مشاركة الأكراد في هذه الحرب لصالح أمريكا ستتم عبر عدة عناصر. أبرزها قيام واشنطن باستخدام قواعدها العسكرية في الاقليم ومطارات كردستان لضرب إيران.

السيناريو الثاني: تحويل كردستان إلى ما يُشبه “مركزاً” استخباراتياً أمريكياً/اسرائيلياً، وذلك بتشكيل فرق متخصصة لزرع وتدريب جواسيس على الجانب الإيراني، والاستفادة من خبرات جهازي الاستخبارات الكرديين “باراستن” و”زانياري”.

ويتحقق ذلك بشكل خاص باستغلال الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في القرى الكردية الإيرانية والمناطق الريفية المتاخمة لكردستان، فضلا عن وجود الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، وبالتالي يكون الإقليم الكردي بمثابة نقطة هامة للمراقبة، بالإضافة إلى الاستفادة منه لجمع المعلومات عن الجانب الإيراني.

السيناريو الثالث: وهو الذي تركز عليه واشنطن، لأنه الاهم بالنسبة لها، يتمثل في استخدام كردستان كمنفذ لإيصال المساعدات المالية والعسكرية والبشرية للأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، وتسهيل حركتها وتنقلها لاسيما وأن الجزء الأكبر منها متمركز في العديد من مناطق إقليم كردستان العراق، وخاصة المناطق الحدودية والجبلية، ويسهل على تلك الجماعات تنفيذ عمليات عسكرية متقطعة في عمق إيران قبل ان تتحرك بشكل موسع من خلال التواصل مع خلاياها السرية المزروعة أمنيًا واستخباراتيًا داخل ايران لتسيطر على الأرض، وتتمكن بنحو أكبر من تقديم المعلومات عن المواقع والمنشآت الإيرانية وأماكن القيادات الأمنية والعسكرية والسياسية.

تهديدات إيران تجاه كردستان

منذ تصاعد الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران في السنوات الأخيرة، تنظر طهران إلى كردستان العراق بتوجّس، لعدة أسباب: أبرزها الوجود الأمريكي المكثّف والقوي في الاقليم من خلال قاعدتها العسكرية الكبيرة ومطارها في أربيل، ووجود العديد من الشركات الأمنية والاستثمارية الأمريكية. ويتجلى ذلك في قيام واشنطن مؤخرًا بنقل جميع معداتها المتطورة وكوادرها المتخصصة من مناطق عراقية أخرى إلى أربيل.

وتعدّ إيران هذا الأمر بإستمرار تهديدًا مباشرًا لها ولأمنها، مما يجعل أربيل هدفًا حيويًا للجانب الإيراني في الحرب الدائرة مع أمريكا واسرائيل، حيث تستهدف يوميًا مناطق ومواقع عديدة تتواجد فيها مصالح أمريكية. وقد تكرر هذا السيناريو خلال السنوات الماضية، عندما استهدفت صواريخ إيرانية مواقع في أربيل بذريعة وجود مصالح أو تحركات أمريكية مناهضة لها هناك.

وفي حال تيّقنت طهران بأن كردستان أصبحت مركزًا حيويًا لصالح الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تستهدف جميع المصالح والمنشآت الحيوية والتجارية، إلى جانب المواقع الأمريكية.

وربما تفتح ايران جبهة داخلية ضد إقليم كردستان عبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق، والتي قصفت بالفعل مناطق في أربيل والسليمانية بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية الصنع وعراقية محلية الصنع في الأيام الأخيرة، ووسعت دائرة الاستهداف في السادس من آذار مارس بتوجيه ضربات لمنشآت تجارية وسياحية.

كما ستلجأ إيران أيضًا إلى ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية ومالية وأمنية على كردستان عبر حلفائها داخل العراق، نظرًا لنفوذها داخل الحكومة العراقية من خلال حلفائها الشيعة. هذا بالإضافة إلى الانتشار الواسع لمقاتليها على طول حدودها مع العراق من جانب إقليم كردستان، بما في ذلك مواقع إطلاق المدفعية والصواريخ، كما هو الحال الآن.

موقف أمريكا إذا رفض الكرد الانخراط في الحرب

إذا رفضت أربيل المشاركة لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الدائرة، بسبب مخاوفهم من تداعياتها على الاقليم ولعدم ثقتهم بالولايات المتحدة وأي وعود شفهية تقدمها كانشاء مظلة حماية أمنية مثلا، فان العلاقة الأمريكية الكردية ستدخل مرحلة حرجة، لكن عموما الموقف الأمريكي لن يختلف عما فعلته سابقا مع الأكراد في المنطقة عموما.

قد تتمثل أبرز خطوات واشنطن ضد الأكراد في خفض وربما انهاء الدعم الأمني والسياسي والاستخباراتي والمالي المقدم لهم، وتركهم فريسة سهلة للأطماع التركية والإيرانية والعراقية. وهذا سيناريو تكرر مؤخرا من خلال المسار السياسي الجديد الذي تبنته واشنطن ضد الأكراد في سوريا، بعد أن “تخلّت” عنهم لصالح حكومة أحمد الشرع، حيثُ فضلّت واشنطن فصائل ذات تاريخ تكفيري، كان قادتها مدرجين على قوائم الإرهاب، على حساب قوات سوريا الديمقراطية التي أثبتت فعاليتها في الحرب ضدّ داعش، وفقدت عشرة آلاف مقاتل وعدد اكبر من الجرحى خلال الحرب.

كما لا يزال سيناريو عام 2017 مع الأكراد في العراق حاضراً في أذهانهم، حين تخلّت الولايات المتحدة عنهم في محافظة كركوك وعدة مناطق متنازع عليها بين بغداد وأربيل، عقب استفتاء الاستقلال الذي أجرته حكومة إقليم كردستان آنذاك.

في حينها، وقفت واشنطن متفرجةً بينما كانت دبابات ومدرّعات الحكومة الاتحادية تنتزع المناطق من سيطرة البيشمركة التي كانت ومازالت تدعمها واشنطن بميزانية ثابتة لتطوير قدراتها العسكرية والأمنية.

لا يُحسد الكرد في العراق على موقفهم، إذ يبدو أنهم أمام خيارين أحلاهما مُر: إما الوقوف مع الولايات المتحدة، أو اعتبارهم مع إيران حتى وإن لم يصطفوا معها، وفي الخيارين خسارات كبيرة.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33459}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">