هل تؤثر الحرب الأمريكية الإيرانية على العلاقات الشيعية الكردية في العراق؟
بينما تتلقى عاصمة إقليم كردستان أربيل قصفاً إيرانياً يومياً يستهدف وجودها الأمني والسياسي، ويلقي بتداعيات ثقيلة على كل مفاصل الحياة في كردستان، تتعرض مناطق الجنوب والوسط ذات الغالبية الشيعية لضربات أمريكية وإسرائيلية تطال ما فيها من حضور فصائلي مسلح وبنى مرتبطة بالنفوذ الإيراني. وهكذا يجد العراق نفسه في الموقع الأكثر مرارةً، لا طرفاً في الحرب بل ملعباً لها، تُشعل فيه كل قوة ما يخدم حساباتها دون أن تعبأ كثيراً بما تتركه من ندوب في نسيجه الاجتماعي والسياسي.
تضع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، العراقَ أمام واحدة من أكثر اختباراته الداخلية حساسيةً وتعقيداً، إذ تكشف هذه الحرب، بما تحمله من تداعيات متشعبة، عن هشاشة التوازنات القائمة بين مكونات المشهد السياسي العراقي، ولا سيما في ما يخص العلاقة التاريخية المتأرجحة بين الشيعة والكرد، التي طالما تقاطعت فيها المصالح وتضاربت في آنٍ معاً.
منذ ساعاتها الأولى، لم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين دول؛ إذ اتسمت باغتيال قادة الجمهورية الإسلامية، فأشعلت رداً إيرانياً واسعاً طال دولاً متعددة في وقت واحد، وأوجد حالةً من القلق الدولي امتدت من ممرات الطاقة إلى شرايين الملاحة التجارية البحرية الاقليمية. وفي خضم هذا المشهد المتوتر، وجد العراق نفسه ساحةً لتقاطع الضغوط الإقليمية والدولية، عاجزاً عن الفصل بين ما يجري على حدوده وما يغلي في داخله.
على الرغم من كل محاولات حكومتي بغداد واربيل، النأي بالبلاد عن الصراع الكارثي الدائر في المنطقة، مع احتفاظهما بعلاقات جيدة بطرفي الصراع، الا ان تلك المحاولات لا يمكن أن تنجح في ظل ضغوط امريكا من جهة وايران من جهة ثانية، ومعها يصعب أن يقف العراق متفرجاً على هذه الحرب من بعيد، هو مضطر أن يعيش بعض فصولها على أرضه، ولنشهد بذلك وجهين متناقضين للعراق في آنٍ واحد، كما لو أن ثمة عراقَين أو ثلاثةً تتجاور في رقعة جغرافية واحدة.
بينما تتلقى عاصمة إقليم كردستان أربيل قصفاً إيرانياً يومياً يستهدف وجودها الأمني والسياسي، ويلقي بتداعيات ثقيلة على كل مفاصل الحياة في كردستان، تتعرض مناطق الجنوب والوسط ذات الغالبية الشيعية لضربات أمريكية وإسرائيلية تطال ما فيها من حضور فصائلي مسلح وبنى مرتبطة بالنفوذ الإيراني. وهكذا يجد العراق نفسه في الموقع الأكثر مرارةً، لا طرفاً في الحرب بل ملعباً لها، تُشعل فيه كل قوة ما يخدم حساباتها دون أن تعبأ كثيراً بما تتركه من ندوب في نسيجه الاجتماعي والسياسي.
حكومة أربيل الكردية، تخضع لضغوط أمريكية، للسماح بتحرك الأحزاب الكردية الايرانية التي تتواجد على أراض كردستان منذ سنوات. وحكومة بغداد الشيعية، تخضع ايضا لضغوط من أجل منع فصائل “المقاومة الشيعية” من المشاركة في الحرب. بينما تتعرض تلك الفصائل المسلحة لضغوط ايرانية من أجل انخراطها بشكل اوسع في الحرب.
يزيد من ضغط هذا الواقع أن العراق يعيش هذه المحنة في لحظة سياسية داخلية بالغة الحساسية، إذ تنشغل أطرافه السياسية بحسم مسألة شائكة لم تُحسم بعد، وهي تسمية رئيس الوزراء الجديد ورئيس الجمهورية. فالبلد الذي يحتاج في هذه اللحظة إلى قيادة متماسكة وقرار سيادي واضح، يجد نفسه في خضم فراغ مؤسسي يُضاعف هشاشته أمام الضغوط الخارجية، ويجعله أكثر عرضةً للاستثمار والتوظيف من قِبَل الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة.
وتكمن إحدى أعقد معضلات هذه المرحلة في طبيعة الموقف الشيعي العراقي، الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن بُعده الوجداني والمذهبي. فشيعة العراق يُبدون تعاطفاً عميقاً مع إيران، لا تحكمه حسابات السياسة وحدها، بل تتجذر فيه روابط تاريخية ودينية راسخة تتخطى حدود الدول والحكومات. ومطالبتهم بالتخلي عن هذا التعاطف أو تجاهله أمر غير منطقي ويصطدم بما هو أعمق من أي قرار سياسي، تماماً كما تعاطف الأكراد في العراق وإيران وتركيا مع أكراد سوريا إبان معاركه الأخيرة مع فصائل الجيش السوري التي سعت للسيطرة على المناطق الكردية، دون أن يلتفتوا كثيراً إلى الحدود الجغرافية أو المصالح الحكومية الرسمية.
غير أن المشهد الكردي يسير اليوم في اتجاه مغاير ومثير للقلق في آنٍ معاً. فقد جاءت المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأمريكي مع زعيمَي إقليم كردستان العراق لتُشكّل تطوراً استراتيجياً لافتاً، إذ رافقها تشجيع “أمريكي- اسرائيلي” صريح للقوى السياسية الكردية الإيرانية على التوجه إلى الأراضي الكردستانية والعمل منها. ولا يبدو هذا التحرك مجرد تواصل دبلوماسي عابر، بل يُرجَّح أن يكون جزءاً من مخطط أشمل يستهدف إشعال انتفاضة داخل إيران، تقودها مكوناتها المتعددة من أكراد وأذريين وعرب وبلوش وجماعات إثنية أخرى، في محاولة لتوظيف التنوع الإثني والمذهبي الإيراني ورقة ضغط في يد القوى الغربية.
وهنا تتضح الحقيقة الجوهرية في ما يخص العلاقة الشيعية الكردية داخل العراق؛ إذ يجد الطرفان نفسيهما اليوم أمام معادلة بالغة التعقيد. فبينما ينحو الشيعة منحىً عاطفياً ووجدانياً نحو إيران خاصة ان الهدف هو تدمير القدرات العسكرية والاقتصادية لنظام حكم شيعي بغض النظر عن أخطاء ذلك النظام في العراق، قد يجد الكرد أنفسهم في موقع يتقاطع فيه مصيرهم مع المصالح الأمريكية، وربما يستهويهم الدور الذي ترسمه واشنطن لهم على رقعة الشطرنج الإقليمية.
وهذا التباين في المواقف، في ظل غياب قيادة وطنية عراقية جامعة قادرة على إدارة هذه التوترات بحكمة وحنكة، لا يمثّل مجرد خلاف سياسي قابل للتسوية، بل قد يُعيد رسم خريطة الثقة والتحالف بين المكونين داخل المشهد العراقي برمّته، في لحظة تاريخية لا تحتمل كثيراً من الهوامش أو المناورات.
خلاصة القول، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية لن تمر على العلاقة الشيعية الكردية في العراق مرور الكرام. فهي تضع كلا الطرفين أمام خيارات عسيرة بين الولاء المذهبي والقومي من جهة، والمصلحة السياسية من جهة أخرى، في وقت يفتقر فيه البلد إلى سلطة تنفيذية مكتملة قادرة على صون تماسكه وتوجيه بوصلته. وقد تُفضي هذه المعطيات مجتمعةً إلى إعادة ترتيب الأولويات وتعريف التحالفات من جديد، في منطقة لم تتوقف يوماً عن إنتاج المفاجآت.