بعد عقود من الحكم، هل يمكن لموت خامنئي أن يغير نظام الجمهورية الإسلامية؟
وفاة علي خامنئي يفتح فصلًا جديدًا في إيران. النظام على مفترق طرق، الاحتجاجات مستمرة، والنخبة تبحث عن التوازن، في وقت يبقى المستقبل السياسي للبلاد غامضًا.
وفاة علي خامنئي يفتح فصلًا جديدًا في إيران. النظام على مفترق طرق، الاحتجاجات مستمرة، والنخبة تبحث عن التوازن، في وقت يبقى المستقبل السياسي للبلاد غامضًا.

بعد أسابيع من التهديد والوعيد المتكرر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجولات من المفاوضات المتقطعة بين الجانبين، بدأت الولايات المتحدة الامريكية حربها ضد ايران من خلال شن سلسلة هجمات عنيفة استهدفت مراكز قيادية وعسكرية وأمنية حساسة في العاصمة الإيرانية طهران، أبرزها كان البيت الرئاسي الذي كان يتواجد فيه المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة البلاد.
بصفته المرشد الأعلى للثورة الاسلامية منذ العام 1989 حتى مقتله في 28 شباط فبراير 2026، كان آية الله علي خامنئي السلطة العليا في إيران، حيث مارس سلطة دستورية على مؤسساتها السياسية والعسكرية والقضائية والإعلامية تتجاوز بكثير سلطة المسؤولين المنتخبين مثل الرئيس أو البرلمان، فقد سيطر على هيئات رئيسية مثل الحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور، ووضع السياسات العامة للجمهورية الإسلامية، ووجه العلاقات الخارجية والأمن القومي، وشكل الحياة الداخلية من خلال نظام ثيوقراطي قمع المعارضات بشدة، بجميع اشكالها، ومركز عملية صنع القرار في مكتبه.

كيف وصلنا الى هنا:
تعود جذور الاضطرابات الحالية في إيران إلى أواخر ديسمبر 2025، عندما اندلعت احتجاجات واسعة نتيجة مجموعة من المظالم السياسية والاقتصادية، بما في ذلك التضخم المرتفع، البطالة، والقمع المستمر للحريات المدنية. وما بدأ كاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية سرعان ما تطور إلى حركات ضد النظام بأكمله، حيث تحدّى المواطنون، وخاصة النساء والشباب، السياسات الاستبدادية للحكومة الإيرانية وسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي. وعلى الرغم من القمع الشديد من الدولة، بما في ذلك الاعتقالات، الرقابة، والتفريق العنيف للمظاهرات، استمرت الاحتجاجات بشكل متقطع في المدن الكبرى، مما مهد الطريق للتوترات المتصاعدة، مع ردود الفعل الجماهيرية بعد وفاة خامنئي.
رغم قمع الأجهزة الأمنية في البلاد، بقيادة خامنئي، للمظاهرات إلى حد كبير، استمرت اضطرابات متفرقة، تمثلت في احتجاجات طلابية في حرم الجامعات الكبرى، وتجمعات حاشدة في جنازات القتلى، حيث عبّروا عن رموز المقاومة بالرقص والغناء والبكاء على أحبائهم، في فعلٍ من أفعال المقاومة والتحدي.

ولاية الفقيه:
على الرغم من أن علي خامنئي كان الشخصية الأكثر تأثيراً في هرم السلطة الإيرانية، فإن غيابه لا يعني انهيار النظام، لأن الجمهورية الإسلامية لم تُبنَ حول فرد، بل حول فكر عقائدي ومنظومة مؤسساتية صلبة ومتشابكة صُممت مع ضمان الاستمرارية.
بالتأكيد أن مقتل علي خامنئي يشكل حدثاً مفصلياً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لكنه ليس بالضرورة لحظة انهيارها، بل ممكن ان تكون لحظة لإعادة تشكيل النظام بقالب جديد وبمضمون ليس بجديد.
ومع ذلك، فإن اختفاء الشخصية الأكثر نفوذاً في النظام لا يعني بالضرورة اهتزازه الفوري. فالجمهورية الإسلامية لم تُبنَ كحكم فردي صرف، بل كمنظومة متكاملة من المؤسسات الدينية والعسكرية والأمنية التي تتداخل صلاحياتها وتتكامل لضمان البقاء. فالحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة، وأجهزة الاستخبارات، جميعها تشكل شبكة أمان للنظام، تجعل من الصعب أن يتحول غياب المرشد إلى لحظة انهيار تلقائي. لقد صُمم النظام أصلاً ليكون قادراً على إعادة إنتاج نفسه في لحظات الخطر.
مع أن مقتل خامنئي يشكل صدمة سياسية ورمزية عظيمة، لكن هيكل الحكم في إيران مصمم ليعمل حتى في حال غياب أي شخص أو قائد، مهما كانت اهميته او منصبه. الجمهورية الإسلامية ليست مجرد كباقي الدول الدكتاتورية التي تسقط مع سقوط القائد على غرار العراق، مصر، ليبيا، ومؤخرا سوريا، لأن النظام الإيراني لا يرتكز على كاريزما المرشد فحسب، بل على منظومة مؤسسات مترابطة تتكون من الحرس الثوري، مجلس صيانة الدستور، مجلس خبراء القيادة، والأجهزة الأمنية، وهي شبكات ولاء أيديولوجية تضمن استمرار عمل الدولة حتى في لحظات الفراغ القيادي.
أبرز مثال على هذا هو التجربة التاريخية بعد وفاة الخميني عام 1989 تظهر أن النظام قادر على إعادة إنتاج قيادة جديدة داخلياً، طالما استمرت المؤسسات في العمل ضمن أطرها القانونية والدستورية.
باختصار، ان تداخل المؤسسات وولاءها الأيديولوجي المتبادل يجعلها أكثر قدرة على احتواء الصدمات.
نظام الأسد انهار بسرعة نسبياً عندما فقد دعمه الخارجي وتآكلت هياكله الداخلية، إذ كانت السلطة مركّزة بشكل كبير على شخص بشار وعائلته دون وجود بنى وطنية عميقة قادرة على الاحتفاظ بالسيطرة بعد تآكل الولاءات، فانهارت الدولة عملياً بمجرد انفجار الاحتجاجات وتصاعد العنف.
في حالة إيران، الوضع مختلف: المؤسسات الأساسية للنظام، خاصة الجهاز العسكري والأمني، ليست مرتبطة بوجود فرد بعينه، بل هي شبكات من الولاءات والهيئات التي تضمن بقاء النظام حتى في حال غياب الزعيم. على غرار السيناريو السوري، حيث أدى سقوط شخص محوري إلى انهيار سريع للنظام، غير قابل للتطبيق مباشرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
الفارق الجوهري بين الحالة الإيرانية وتجارب أخرى في المنطقة، مثل سوريا، يكمن في أن النظام الإيراني لم يُختزل بالكامل في شخص واحد، بل تَرسّخ عبر أربعة عقود في مؤسسات دينية وعسكرية وأمنية متشابكة، صُممت لتقاوم الصدمات. صحيح أن خامنئي كان الحلقة الأهم في موازنة مراكز القوى، وأن غيابه قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية صامتة بين الأجنحة، إلا أن ذلك يندرج ضمن إعادة توزيع النفوذ لا ضمن تفكك الدولة.
سقوط خامنئي لا يعني سقوط الجمهورية الإسلامية، لكنه قد يكون بداية مرحلة مختلفة من عمرها، مرحلة يُعاد فيها تعريف ميزان القوة داخلها، لا نهايتها، على الأقل ليس الان.

ماذا سيحدث بعد ذلك؟
الاختبار الحقيقي لن يكون في الأيام الأولى بعد الاغتيال، بل في الأشهر التي تلي اختيار خليفة جديد، وفي قدرة النظام على إدارة تحديات متزامنة، ضبط الداخل، الحفاظ على تماسك النخبة، وإعادة تموضعه إقليمياً بعد ضربة غير مسبوقة، قبل ان تسود الفوضى الشارع الايراني. فإذا نجحت المؤسسات في إنتاج قيادة مقبولة داخلياً وقادرة على فرض الانضباط، فإن النظام سيخرج من الأزمة أكثر عسكرة وأشد انغلاقاً، مما سيترك شارعا يائسا ومنهكا بعد سراب التغيير. أما إذا تحوّل التنافس الداخلي إلى انقسام علني، أو تزامن مع انفجار اجتماعي واسع وظهور معارضة قوية وموحدة، فحينها فقط يمكن الحديث عن تصدعات حقيقية.
انقسام النخبة الحاكمة:
السيناريو الأكثر خطورة على استمرارية النظام الإيراني لا يكمن في الضغط الخارجي أو الغضب الشعبي بحد ذاته، بل في احتمال حدوث انقسام داخل النخبة الحاكمة. فالجمهورية الإسلامية قامت منذ تأسيسها على توازن دقيق بين المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، وشبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بها. طالما ظل هذا التوازن قائماً، يبقى النظام قادراً على امتصاص الصدمات. أما إذا تحوّل التنافس على خلافة المرشد أو إعادة توزيع النفوذ إلى صراع مفتوح بين هذه المراكز، فإن الشرخ الداخلي قد يصبح أكثر خطورة من أي تهديد خارجي. فالأنظمة العقائدية الصلبة لا تنهار عندما تُهاجَم من الخارج، بل عندما تفقد نخبها القدرة على التوافق، ويتحوّل الصراع من إدارة خلافات داخل النظام إلى تنازع على شرعيته نفسها.
التهديد البنيوي الحقيقي لاستمرارية النظام الإيراني لا يكمن في الضغوط الخارجية ولا حتى في الاحتجاجات الشعبية المتقطعة، بل في احتمال انقسام النخبة الحاكمة نفسها. فالجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 لم تُدار عبر مركز أحادي صِرف، بل عبر شبكة معقدة من التوازنات بين المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، ومراكز النفوذ الاقتصادية المرتبطة بها. هذا التوازن لم يكن قائماً على الانسجام الكامل، بل على إدارة دقيقة للصراعات داخل الإطار الأيديولوجي للنظام. في ظل وجود مرشد قوي، كان بالإمكان احتواء الخلافات وإعادة توزيع الامتيازات بما يمنع تحولها إلى صدام علني. لكن في مرحلة ما بعد خامنئي، قد يصبح السؤال حول من يملك الكلمة الأخيرة أكثر حساسية. فإذا تحوّل التنافس على النفوذ إلى صراع مفتوح بين الأجنحة، أو إذا شعرت مؤسسة كالحرس الثوري بأن مصالحها مهددة من قبل جناح ديني أو سياسي آخر، فإن الخلل لن يكون مؤقتاً بل هيكلياً. فالأنظمة العقائدية الصلبة لا تنهار عادة بفعل ضغط الشارع فقط، بل عندما تفقد نخبها القدرة على إدارة خلافاتها داخل قواعد اللعبة نفسها، ويتحوّل التنافس من صراع داخل النظام إلى صراع على طبيعة النظام ذاته.
ضعف المعارضة:
في المقابل، يلعب غياب معارضة سياسية موحّدة ومنظمة دوراً محورياً في خلق توازن جديد. فالمعارضة الإيرانية، رغم حضورها الإعلامي والرمزي، تعاني من تشتت أيديولوجي وجغرافي واضح، بين قوى إصلاحية من داخل النظام، وجماعات معارضة في المنفى، وحركات شبابية غير مؤطرة تنظيمياً. هذا التشتت يحرم أي حراك داخلي من القيادة المركزية القادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي بديل.
كما أن غياب برنامج انتقالي واضح أو قيادة تحظى بشرعية وطنية أو بتأييد جماهيري واسع النطاق، يجعل قطاعات من المجتمع مترددة في القفز إلى المجهول. في مثل هذه الظروف، حتى لو حدث انقسام داخل النخبة، فإن غياب قوة معارضة قادرة على استثمار اللحظة يتيح للنظام فرصة إعادة ترتيب صفوفه بدلاً من الانهيار، وكذلك يقلل من فرص دعم الغرب لنظام سياسي جديد. أي لا يقوم توازن الجمهورية الإسلامية على تماسكها الداخلي فقط، بل أيضاً على ضعف الطرف المقابل، فاستقرارها النسبي هو نتاج معادلة مزدوجة: نخبة قادرة على احتواء خلافاتها، ومعارضة عاجزة عن توحيد نفسها حول بديل مقنع.
أسئلة صعبة:
في المحصلة، يظل مستقبل الجمهورية الإسلامية معقداً ومفتوحاً على أكثر من احتمال. الغضب الشعبي الواسع والإحباط العميق يخلقان ظروفاً تبدو مناسبة للتغيير، لكنه يظل محدود التأثير في ظل غياب قيادة معارضة موحدة وقادرة على تحويل هذا السخط إلى حركة سياسية منسقة. الانقسامات بين الفصائل الداخلية والخارجية، والافتقار إلى برنامج سياسي واضح، تعني أن أي محاولة لإحداث تحول جذري ستواجه صعوبات كبيرة، سواء داخلياً أو في تحصيل دعم خارجي.
حتى القوى الغربية، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي لديها مصالح استراتيجية مرتبطة بالاستقرار الإقليمي والقدرة على السيطرة على التهديدات الإيرانية، تجد نفسها مقيدة بمحدودية الخيارات: بدون بديل داخلي قادر على إدارة السلطة، فإن أي تدخل مباشر أو تشجيع خارجي لتغيير النظام قد يؤدي إلى فراغ سياسي وفوضى أكبر. بهذا المعنى، يظل مستقبل النظام الإيراني معلقاً بين رغبة شعبية حقيقية في التغيير وقيود موضوعية على قدرة المعارضة والغرب على تحويل هذه الرغبة إلى واقع ملموس، مما يجعل أي توقع بانهيار وشيك مجرد فرضية تحتاج إلى تحولات بنيوية أكثر عمقاً من مجرد وفاة المرشد الأعلى.

على الرغم من قمع الأجهزة الأمنية في البلاد، بقيادة خامنئي، للمظاهرات إلى حد كبير، إلا أن الاحتجاجات المتفرقة استمرت ولو بشكل متقطع، تمثلت في احتجاجات طلابية في حرم الجامعات الكبيرة، وتجمعات حاشدة في جنازات القتلى، حيث أظهروا رموز المقاومة بالرقص والغناء بينما هم يبكون على أحبائهم، تعبيرًا عن المقاومة والتحدي.
وعقب إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي نبأ اغتيال خامنئي، بعد منتصف الليل بقليل بالتوقيت المحلي، خرج الناس إلى الشوارع في مدن عديدة، منها طهران وشيراز وسنندج، احتفالًا بالرقص والغناء تحت سماء الليل المضاءة بوميض الصواريخ.
في حين تحاول النخبة الحاكمة في إيران البحث عن حلول لإعادة توازن السلطة وتفادي أي فراغ سياسي قد يؤدي إلى تفكك النظام. بينما تبقى معظم المعارضة ضعيفة ومنقسمة، غير قادرة على تقديم موقف موحد أو قيادة حقيقية لاستغلال الغضب الشعبي وتحويله إلى حراك سياسي مستدام، ما يجعل قدرة أي جهة خارجية على دعم تغيير النظام محدودة، ويترك مستقبل التحولات السياسية في البلاد مفتوحًا وغير محسوم.


