“الحيرة العراقية” الانسداد السياسي وضيق الخيارات.. أزمة عرضية أم حالة بنيوية؟
لم يكن ترشيح المالكي، سوى نقلة من انسداد الى آخر، كان مشكلة أكثر مما هو حل، فالسوداني حين أدرك أن القوى الأكثر قوة ونفوذاً لن تسمح بتجديد ولايته، قام بنقل المشكلة إلى ساحة الإطار، ليتنازل عن الترشيح لصالح المالكي حصراً، مما نقل المشكلة من ساحة القوى الشيعية إلى مشكلة إقليمية ودولية، تداعت لها دول الإقليم قلقا، وصولا الى رفض ترامب الصريح، وهنا ظهر مرة أخرى وبوضوح أن نموذج الحكم المتمثل بترحيل المشاكل، وتعطيل القرار بدل حسمه هو النمط السائد.
لا يبدو الانسداد السياسي الذي يمر به العراق اليوم كأزمة عارضة، فالمتتبع سيلمس بسهولة أن الانسداد بنيويٌ منذ العام 2003، جدل دائم عقب كل انتخابات، وانسداد بشأن المرشحين للمناصب الثلاثة العليا، لدرجة يمكن الظن أن هذه الحالة نمط أصيل لإدارة الدولة.
منذ سنوات تتكرر دورات التعطيل ذاتها، انتخابات لا تسفر عن نتائج بمسارات واضحة، وتحالفات هشة تقوم على منطق منع الخسارة لا تحقيق المكاسب، لتنتج حكومات تدير البلاد كتسويات مؤقتة لا كمشاريع دولة، حتى تتآكلت فكرة الدولة، وتحولت البلاد الى ساحة للتنافس بين القوى السياسية وشبه الدولتية، وتكوّن ما أسماه جويل مجدال (المجتمعات الشبيهة بالشبكة) التي تدار فيها الدولة عبر بنى فرعية، تطوع الدولة، ولا تطوعها الدولة، في منظومة معقدة من المصالح والشبكات البينية.
على هذا، يمكن القول إن أزمة تشكيل الحكومة الحاضرة ليست ازمة جديدة، ولكن مع التغيرات الدولية العاصفة في المنطقة، ومع وجود دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، فإنها قد تكون الأخيرة، إذ قد تعصف نتائجها بالنظام السياسي ككل.
معالم من الخلل
في الوقت الذي يتفق الباحثون على أهمية موقع العراق الذي يؤهله ان يكون وسيطا سياسيا فاعلا، سواء بحكم موقعة الجغرافي، او تعدده الاثني، فإن الوقائع تشير الى تعقيد أعمق بموجب الخلل أو الحيرة البنيوية، فالواقع يؤشر أن العراق لا يتحرك بين المحاور، بل يدار على هوامشها، كورقة أكثر من كونه لاعباً؛ مع إيران مثلا، لا يبدو أن العراق لا يزال شريكا أو في علاقة تحالف مستقرة، وبدأت علاقة البلدين تفرض كُلفاً على الطرفين أكثر مما تعود بفوائد تحت مظلة استراتيجية واضحة.
في الوقت ذاته، فإن العلاقة بين العراق الولايات المتحدة -الراعي الرسمي لعراق ما بعد 2003 كما يفترض- لم تتحول إلى علاقات استراتيجية، لم تدر القوى السياسية النافذة العلاقة بحكمة، ولم تطور وضع العراق إلى حليف استراتيجي، وبالكاد كان العراق يتكئ على الأطر الأمنية بمحاور انتقائية لاستدامة العلاقة مع الولايات المتحدة.
ولم يختلف الحال مع العلاقات العراقية التركية، التي ظلّت رهينة تفاهمات متقلبة حول المياه، وشراكات اقتصادية يختل فيها الميزان التجاري لصالح تركيا، مع خلافات أمنية لم يكن العراق ممسكاً بأوراقها القوية، والأتراك بذاتهم لم يدركوا طبيعة الداخل العراقي، اليوم يرى الأتراك أن تحسن العلاقة مع تولي السوداني مرتبط بشخصه، في حين ان توازنات العراق هي التي حكمت التحسن، ورغبة الاطار التنسيقي بذلك، لا رغبة السوداني بذاته، والإطار التنسيقي لم يتحرك لتبديد هذا الفهم.
والحال أسوأ فيما يخص العلاقات العراقية الخليجية. خلاصة القول، كان العراق طاولة للتوازن الخارجي، دون أن يكون عنصراً فعالا فيها.
بين الرئاسات الثلاث.. أزمة المعنى وهزال البنية السياسية
بدا فيه التصويت على مرشح حزب تقدم لرئاسة البرلمان -هيبت الحلبوسي- بشرى لسرعة حسم الموقعين التاليين وفق السياقات الدستورية، لكن عدم اتفاق الكرد على مرشحهم لرئاسة الجمهورية من جهة، واختيار مرشح جدلي من الإطار التنسيقي من جهة، قادا الوضع إلى مربع الانسداد، انسداد وحيرة بنيوية.
إن الاختلاف بشأن من سيشغل المنصبين لم يكن اختلافاً على الأسماء، بل على دلالة المنصب ذاته، فرئيس الجمهورية يفترض أن يكون منصباً رمزياً للتوازن المؤسسي، لكنه تحول الى ساحة لاختبار النفوذ، والجدل بشأن الاتفاقات المؤسسة بعد العام 2003، فالبارزاني أراد ان يتحول الاتفاق الضمني بشأن المنصب من كونه حصة الاتحاد الوطني الكردستاني، إلى استحقاق انتخابي، ليعمق انعدام الثقة السياسية بين الأطراف، وليثير سؤالا حساسا بشأن شاغلي المنصبين التاليين دستوريا، ليس بكون المرشحين هم الأنسب، بل بمدى القدرة على التحكم بعدم تحولهما الى تهديد بالنسبة للآخرين، ولم تعد المناصب بهذه الكيفية وظائف دستورية، بل أدوات للتحصين السياسي.
حتى ترشيح المالكي، كان نقلة من انسداد الى انسداد آخر، كان مشكلة أكثر مما هو حل، فالسوداني حين أدرك أن موقفه محرج داخل الإطار، وأن القوى الأكثر قوة ونفوذاً في التحالف لن تسمح بتجديد ولايته مع تزايد عدد القوى الشيعية، وطموح الفصائل، قام بنقل المشكلة إلى ساحة الإطار، ليتنازل عن الترشيح لصالح نوري المالكي حصراً، مما نقل المشكلة من ساحة الإطار التنسيقي بمفرده، إلى مشكلة إقليمية ودولية، تداعت لها دول الإقليم قلقا، وصولا الى رفض ترامب الصريح لهذا الترشيح، وهنا ظهر مرة أخرى، وبوضوح أن نموذج الحكم المتمثل بترحيل المشاكل، وتعطيل القرار بدل حسمه وبدل انتاج السياسات هو النمط السائد.
المالكي: حل بمشاكل كثيرة
على الرغم من تاريخه وتعلقه الشديد بالولاية الثالثة، لم يكن نوري المالكي مطروحاً بشكل جدي أول الأمر كمرشح لمجلس الوزراء، فالرجل كان مريضا من الأساس، وأجرى عملية كبرى قبيل الانتخابات، ولكن بوادر الانسداد التي لاحت مع رفض أغلب قوى الإطار لإعادة ترشيح محمد شياع السوداني قاد الأخير إلى الالتفاف على الرافضين وتقديم المالكي.
من ناحية، المالكي متصلب جداً، ويعيش في التاريخ، وعلى الرغم من أن التاريخ ضروري مثلاً لفهم ما ينبغي أن نفعله مع سوريا الجديدة*، إلا أنه من غير المنطقي الوقوف عند التاريخ وحسب، فالحاضر يتطلب تكيفاً يتماهى مع الظروف الجديدة، في الوقت ذاته، وبالنسبة لمواقفه الإقليمية، ربما لن يكون من الجيد أن نتعامل مع المالكي اليوم كما كان عليه الحال نهاية ولايته الثانية في 2014، فالوضع الإقليمي تغير، والرجل استفاد من التجربة اقتصاديا وسياسيا، كما أن توتره من سوريا قابل لأن يتم احتوائه بضمانات تركية أمريكية، وصولا إلى المفصل الأهم: قدرته على الاصطدام بالفصائل -وهو ما تريده الولايات المتحدة- سواء المتصلبة منها أم تلك التي تريد الانفتاح على الولايات المتحدة، ولعل هذه الفصائل أكثر قلقا من غيرها بسبب المالكي.
هكذا، يبدو ترشيح المالكي جزء من هذه الحيرة البنيوية، الأزمة المستمرة، فالرجل يمكن أن يكون حلاً لبعض المشاكل، ولكنه سيسبب مشاكل أخرى تحتاج إلى حلول أكبر منه.
عودة ترامب والحيرة العراقية
في هذا السياق، يكتسب وجود دونالد ترامب في رئاسة الولايات المتحدة دلالة تتجاوز شخصه أو سياساته التفصيلية، فترامب لا يصنع الأزمة العراقية، ولا يمكن تحميله مسؤولية انسدادها، لكنه يشكل عامل كشف يعرّي هشاشة البنى السياسية في الدول التي تعيش أصلاً على هامش الاستقرار، نمط حكم ترامب القائم على الصفقات السريعة، والنفور من الالتزامات طويلة الأمد، والاستخفاف بالأطر المؤسسية التقليدية، يضع الدول الهشة أمام اختبارات لا ترحم.
بالنسبة للعراق، يعني وجود ترامب في البيت الأبيض ارتفاعاً حاداً في مستوى اللايقين، وزيادة في تعقيدات الحيرة البنيوية، فأي تصعيد أمريكي مع إيران -وهو احتمال وارد في ظل خطاب ترامب وسوابق إدارته- قد ينعكس مباشرة على الداخل العراقي، سواء عبر إعادة تنشيط ساحات الصراع غير المباشر، أو عبر استخدام العراق كساحة ضغط متبادل؛ لا يُسأل العراق في مثل هذا السيناريو عمّا يريد، بل عمّا يمكن تحمّله، هذا إذا تم اخذ القرار العراقي بالحسبان.
في الوقت نفسه، يفتح ترامب الباب أمام إعادة تعريف مفاجئة للوجود الأمريكي في العراق، فهذا الوجود الذي لم يستقر يوماً على صيغة سياسية واضحة، قد يتحول إلى عبئ تفاوضي أو ورقة مساومة داخل الحسابات الأمريكية الأوسع، الانسحاب أو إعادة التموضع، أو حتى الإبقاء على وجود محدود دون رؤية استراتيجية، كلها احتمالات قائمة، وكلها تُنتج فراغاً سياسياً في العراق، وجدلاً حول الخيارات المتاحة أو المواقف التي ينبغي أن تُتخذ.
ولا تقل الضغوط الاقتصادية خطورة عن ذلك، فترامب ينظر إلى سوق النفط من زاوية داخلية أمريكية بالدرجة الأولى، ولا يتردد في استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي للتأثير على الأسعار والإنتاج، وبالنسبة لدولة ريعية مثل العراق؛ فإن استقرارها المالي يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط، وأي هزة في هذا المجال تتحول سريعاً إلى أزمة داخلية، سياسية واجتماعية في آن واحد.
وتكمن خطورة هذه الاحتمالات في أنها تتقاطع مع لحظة عراقية شديدة الهشاشة، فالعراق يدخل هذه المرحلة دون حكومة مستقرة، ودون قرار سياسي موحد، ودون مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات، عودة ترامب، بهذا المعنى لا تخلق الأزمة، لكنها تضعها تحت ضغط أعلى، وتكشف بشكل أكبر، أزمةَ النظام السياسي الذي يعيش أصلاً على إدارة اللاقرار، وفي عالم تحكمه الصفقات، تصبح الدول التي لا تملك موقفاً واضحاً أولى ضحايا الضباب.
مع هذا التعقيد، لن يكون أمام الحيرة العراقية وقت للاسترخاء، كما حدث في الدورات السابقة، هناك ضرورة لحل جراحي عاجل، يتطلب تنازلات، تنقذ النظام السياسي على الأقل في المرحلة الحاضرة تمهيداً لحلٍّ طويل الأمد، وإلّا فإن الفوضى، وحرب أهلية جديدة ستكون واقفة على حافة الحيرة.
*عاش المالكي في سوريا إبان السخط الطائفي منذ صعود حافظ الأسد للحكم، وشهد مجزرة الطلبة في مدرسة المدفعية بحلب، واحداث حماة، وتفجيرات الازبكية، واغتيالات النخب العلوية، لهذا فهو يشعر بالقلق الشديد من الحكم السوري الجديد