محمد النصراوي
تحت وطأة كماشة الضغوطات واقتصاد يلهث لاستعادة أنفاسه، تجد الدولة العراقية نفسها اليوم في لحظة معايرة وجودية، حيث تتقاطع ضرورات “البقاء السيادي” مع أنين “الواقع المعيشي” في مشهد يختصر أزمة البنيوية العراقية برمتها.
ما يشهده القطاع التجاري والمنافذ الحدودية ليس مجرد إجراءات إدارية إعتيادية، بل هو تحول قسري تفرضه المتطلبات الاقتصادية العالمية والضغوط الصارمة القادمة من “الخزانة الأمريكية” التي وضعت النظام المالي العراقي تحت مجهر التدقيق لقطع شرايين تمويل الأنشطة الإقليمية المرفوضة دولياً عبر تهريب الدولار وغسيل الأموال؛ هنا تبدو الحكومة العراقية في وضع “المُكره البطل”؛ فهي من جهة تسعى لدرء خطر العقوبات التي قد تعزل العراق مالياً عن العالم -لا سيما بعد حظر عدد من المصارف العراقية من التعامل بالدولار خلال العامين الأخيرين- ومن جهة أخرى تجد في هذه الضغوط فرصة تاريخية، وإن كانت مؤلمة، لفك الارتباط التاريخي بالاقتصاد الريعي الأحادي.
إن التحول نحو نظام “أسيكودا” العالمي لأتمتة العمليات الجمركية، والذي بدأت ثماره تظهر بزيادة ملحوظة في الإيرادات غير النفطية، يمثل المحاولة الأكثر جدية لضبط فوضى الفواتير الوهمية التي استنزفت المليارات طوال عقدين، حيث تشير التقارير الرسمية إلى أن أتمتة ميناء “أم قصر” وحده ساهمت في مضاعفة الإيرادات الجمركية في فترات قياسية، مما يعزز قدرة الخزينة على مواجهة تقلبات أسعار النفط في موازنة انفجارية ناهزت 198 تريليون دينار عراقي.
مع ذلك، فإن هذا “الإصلاح الرقمي” البارد يصطدم بجدار من الحقائق الاجتماعية المرة؛ فالدولة التي تعصر نظامها الضريبي والجمركي لضبط حركة المال، تبدو وكأنها تمارس “الجراحة بدون تخدير” على جسد منهك أصلاً، فالانتقال المفاجئ من العفوية في التقدير الجمركي إلى الصرامة الرقمية، دون توفير فترات انتقالية أو حوافز تجارية، يخلق حالة من الشلل والارباك في سلاسل التوريد، وهو ما انعكس فوراً على شكل موجات غلاء اجتاحت الأسواق المحلية، ليتحمل المواطن البسيط -الذي تآكلت قوته الشرائية مع تغيير سعر الصرف- الفاتورة النهائية لـ “نزاهة الدولة” المفترضة.
تكمن المفارقة في أن الحكومة تفرض رسوماً جمركية عالية تحت ذريعة حماية “المنتج الوطني”، في حين أن القاعدة الصناعية والزراعية العراقية لا تزال تعاني من تهالك بنيوي يجعلها عاجزة عن سد الفجوة التي يخلفها انحسار الاستيراد، مما يحول الضريبة من أداة تنموية إلى عقوبة مالية جماعية.
وما يثير النقد المشروع، هو تلك الازدواجية القاتلة في تطبيق القانون؛ فبينما تُحكم القبضة على المنافذ الرسمية والاتحادية، تظل هناك ثغرات ومنافذ غير رسمية أو غير مسيطر عليها تسرب البضائع والعملة بعيداً عن أعين الرقابة، مما يخلق منافسة غير عادلة تضرب التاجر الملتزم في مقتل وتفرغ السياسة الجمالية من عدلِها الأخلاقي.
إن الحكومة اليوم، وهي تحاول بناء “دولة المؤسسات” تحت الضغط الأمريكي والمحلي، تبدو وكأنها تهتم بالأرقام في جداول وزارة المالية أكثر من اهتمامها بالبشر الذين يقفون خلف هذه الأرقام؛ فالمواطن الذي يُطالب بالالتزام الضريبي يبحث في المقابل عن خدمات توازي هذا الالتزام، وعن عدالة اجتماعية تضمن ألا تذهب أمواله لسد عجز تسببت فيه الترهلات الإدارية أو المحاصصة الحزبية.
نحن أمام مشهد مأساوي، حيث تضطر الدولة للعمل بحرص مفرط على المال العام خوفاً من “المقصلة الدولية”، لكنها في طريقها لتأمين هذا المال، تخاطر بخسارة العقد الاجتماعي مع شارع لم يعد يؤمن بالشعارات الإصلاحية التي لا تترجم إلى خبز وكرامة.
النجاح الحقيقي لهذا المسار لن يقاس بحجم المبالغ المكدسة في البنك المركزي، بل بقدرة السلطة على “أنسنة” هذه الإجراءات، وضمان أن تكون الضريبة ثمناً للسيادة والرفاه، لا ضريبة على مجرد البقاء على قيد الحياة في بلد يطفو على بحار من النفط بينما يغرق مواطنه في ديون “الإصلاح القسري”.