على مدار أكثر من عقدين، شهد العراق طفرة في الكيانات النقابية وتعددت مسمياتها، حتى بات من الصعب إحصاء الأجسام التي تدّعي تمثيل مختلف القطاعات المهنية والعمالية. بيد أن هذا التوسع الكمي ظلّ عاجزاً عن التحوّل إلى قوة ضغط حقيقية، فالمشهد النقابي اليوم يعج بالهياكل لكنه يفتقر إلى الفاعلية، ويحضر في الشكل بينما يغيب في الجوهر الوظيفي.
لا تكمن المعضلة في ضعف البنية النقابية فحسب، إنما في مسار إعادة تعريفها بعد عام 2003، إذ أعيد تشكيل المجال العام العراقي وفق توازنات سياسية واقتصادية لم تترك للنقابات هامشاً حقيقياً للاستقلال، أو شروطاً للاشتباك المشروع مع الدولة والسوق. وبدلاً من أن تكون النقابة أداة تنظيم مهني وحراك اجتماعي، دُجِّنَت تدريجياً، خلال مرحلة التأسيس، ضمن منظومة السلطة بوصفها كياناً إدارياً قابلاً للاحتواء، لا طرفاً تفاوضياً نداً ومستقلاً.
في هذا المناخ، تحولت الكثرة النقابية من مؤشر حيوية إلى دلالة تفكك، حيث لم يعد الاحتكام للقوانين أو صناديق الاقتراع كافياً لمنح الشرعية، ما دامت العلاقة مع الدولة محكومة بترتيبات انتقائية وغير موثّقة، يطغى فيها منطق الأشخاص على المؤسسات.
تضخم عددي وهشاشة بنيوية
تكشف البيانات المتاحة عن وجود 34 نقابة في العراق، تتوزع بين 20 نقابة “مستقلة” -من حيث المبدأ- و14 أخرى منضوية تحت مظلة الاتحاد العام لنقابات العمال. هذا الرقم الذي قد يوحي بتنوع مهني واتّساع في التمثيل يصطدم بواقع بنيوي مأزوم؛ إذ لا تمتلك سوى 15 نقابة منها إطاراً قانونياً واضحاً ومعلناً، معظم هذه الأطر موروث من حقبة ما قبل عام 2003، باستثناء نقابة الأكاديميين المؤسسة عام 2017.
هذا الفراغ التشريعي ليس مجرد خلل إداري، لكنه ثغرة تسمح بالالتباس في الصفة والاختصاص، وتجعل النقابات التي لا تستند إلى قانون راسخ عرضة للتطويع والتفسير وفق موازين القوى السائدة. والأخطر من غياب القوانين هو “التعايش” مع هذا الخلل، حيث تحولت الهشاشة القانونية في ظل إدارة الدولة بمنطق “الأمر الواقع” من استثناء مؤقت إلى قاعدة غير مكتوبة، تمارس عبرها النقابات أدواراً شكلية دون أساس شرعي متين.
ضمن هذا المشهد، تبرز ست نقابات هي الأقوى نفوذاً والأعلى صوتاً، وهي نقابات المحامين، والمعلمين، والمهندسين، والصحفيين، والأطباء، والصيادلة. وهي رغم امتلاكها موارد بشرية ومالية تؤهلها لتكون قوة ضغط وتفاوض حقيقية، إلّا أن هذه القدرة نادراً ما تُوظّف بشكل مستقل، إذ غالباً ما يتم تحييدها أو إعادة توجيهها لتناغم التوازنات السياسية القائمة.
يشكّل احتواء هذه النقابات، تحديداً من قبل السلطة، خطراً جوهرياً؛ لأنها الجهات التي تمثّل الشرائح ذات التأثير الأكبر في المجتمع والأكثر قدرة على إحداث تغييرات جذرية فيه، فهي تحتك مباشرةً مع قطاعات القانون وسلطاته والتعليم والإعمار والصحة و”السلطة الرابعة”. ومع كل ما سبق لا عجب أن جميع تلك القطاعات اليوم متلكئة أو ضعيفة أو منهارة.
تراجع عام.. وحالة عراقية خاصة
قبل تفكيك التموضع السياسي للنقابات العراقية، لا بد من وضع الظاهرة ضمن سياقها الأوسع، حيث لا يمكن قراءة تراجع النقابات العراقية بمعزل عن السياق العالمي الذي شهد، منذ أواخر القرن العشرين، انحساراً لمركزية العمل النقابي. فإرهاصات انهيار المعسكر الاشتراكي بعد تفكّك الاتحاد السوفييتي، وصعود النيوليبرالية التي أدت إلى دحض مفهوم “دولة الرفاه”، وإضعاف الأساس الفكري الذي استندت إليه النقابات لعقود، هو ما حوّلها في كثير من دول العالم إلى قوى دفاعية تحاول حماية مكتسباتها التاريخية لا أكثر.
هذا التراجع العالمي لا يبرر وحده “الموت السريري” النقابي في العراق؛ فبينما واجهت نقابات العالم تحولات اقتصادية قاسية مع الحفاظ على حد أدنى من وظيفتها التمثيلية والقدرة على الاعتراض، فإن التجربة العراقية لم تدخل طور الانحدار بعد مرحلة قوة، لكنها وُلدت -أو أُعيد إنتاجها- ضمن سياق سياسي صادَرَ دورَها منذ اللحظة الأولى. لقد جرى تجاوز الوظيفة التاريخية للنقابة بوصفها أداة للدفاع عن المصالح المهنية في مواجهة الدولة والسوق مبكراً، ليحل محلها وظيفة أخرى تتناسب مع منطق “الدولة الريعية”.
في العراق، أُدرجت النقابات ضمن منظومة إدارة المجتمع على أساس الاحتواء والريع لا التفاوض الاجتماعي. ومع الوقت، تآكلت الفلسفة الأصلية للعمل النقابي، وحلّ محلها تصور نفعي يربط وجود النقابة بالاستقرار السياسي لا بالتغيير الاجتماعي. وضمن هذا المنطق، يصبح الحديث عن “إحياء” الدور النقابي أو “إصلاحه” عبر تغيير الوجوه أو تعديل الأنظمة الداخلية حديثاً قاصراً، فالمعضلة تخطت مستوى التنظيم إلى غياب البيئة التي تسمح للنقابة بأن تكون “طرفاً” أصيلاً في الصراع الاجتماعي لا مجرد “أداة” لإدارته، وهذا الغياب البنيوي هو ما يفسر بقاء النقابات كأجسام شكلية خارج مسار التحول التاريخي والاجتماعي الحقيقي للعراق.
الاصطفاف بديل عن التمثيل
إذا كان الخلل القانوني يفسّر هشاشة الشكل، فإن الخلل السياسي يفسّر شلل الوظيفة، حيث تعمل النقابات العراقية ضمن بيئة أعادت رسم حدود الفعل العام على أساس النفوذ لا التنظيم الذاتي. في هذه البيئة، تحولت النقابات إلى مساحات للاستثمار السياسي والضبط، وأصبحت تخضع لتأثيرات تتناسب طردياً مع حجم قاعدتها الاجتماعية؛ فكلما اتسعت النقابة، زاد السعي لاحتوائها عبر شبكات العلاقات والتفاهمات الضمنية، مما جعل الاستقلال خياراً باهظ الكلفة، والتماهي مع السلطة مساراً آمناً للمصالح، وفي هذه المرحلة بالتحديد نجحت السلطة في احتواء النقابات احتواء شبه كامل.
وهنا تبرز مفارقة النقابات “الست الكبرى”، فهي الأكثر امتلاكاً لأدوات القوة، لكنها الأقل استخداماً لها كورقة تفاوضية في مواجهة الدولة، إما تجنباً للصدام أو حفاظاً على امتيازات قياداتها. ويرافق هذا التعطيل المتعمّد خللٌ أعمق في طبيعة التمثيل، حيث باتت النقابات تمثّل شرائح محدودة نجحت في السيطرة على القرار الداخلي، بينما تحولت عضوية القواعد الواسعة إلى مجرد رقم إداري يسدد الاشتراكات وينتظر الخدمات، دون مشاركة حقيقية في رسم السياسات أو محاسبة القيادات.
هذا الواقع يتكرّس مع غياب التداول القيادي، إذ تحولت المناصب النقابية إلى ولايات شبه مؤبدة ودورات غير تنافسية، فرّغت الانتخابات من جوهرها الديمقراطي وحولتها إلى إجراء شكلي يرافقه رضوخ غريب وصمت شبه جماعي من قبل القواعد وتقبل للمخرجات المرسومة مسبقاً كما هي. ومع انسداد أفق التغيير الداخلي، برز نمط من القيادات المندمجة في شبكات السلطة أكثر من اندماجها في هموم المهنة، لتفقد النقابة شرط وجودها الجوهري، ألا وهو “الاستقلال”.
لقد انزاح دور النقابة من ساحة للصراع المهني المنظم إلى قناة تفاوض خلفية مع القوى السياسية، بعيداً عن تطلعات القواعد. فلم تعد المشكلة في نقص الكفاءات، لكن في تحويل النقابة من فضاء تمثيلي إلى موقع إداري داخل منظومة السلطة، يُقاس نجاحه بمدى الانسجام معها لا بالدفاع عن المنتسبين. وهو انغماس يتعمق أكثر عند فحص ملف الأموال والتمويل، الذي يمثل حلقة الوصل المادية بين النقابة والسلطة.
التطويع بالتمويل
يُعد التمويل الجانب الأكثر ضبابية في العمل النقابي، إذ لا تقتصر المشكلة على شحّ البيانات، بل تمتد إلى هذا الغموض الذي بات جزءاً أصيلاً من تكتيكات الإدارة. فباستثناء شعار “التمويل الذاتي” المرفوع، نادراً ما تفصح النقابات عن موازناتها أو أوجه إنفاقها، في ظل غياب شبه تام للتقارير السنوية والتدقيق المستقل. وتشارك الدولة في تكريس هذا الفراغ عبر حجب تفاصيل الدعم اللوجستي والمالي الذي تمنحه لهذه الكيانات، مما يمنع تشكّل علاقة مؤسسية شفافة.
عملياً، تتغذى النقابات من مسارين: الأول هو اشتراكات الأعضاء، وهو مصدر يمنح استقلالاً نظرياً تآكل بفعل ضعف الرقابة واغتراب القواعد عن القرار. أما المسار الثاني فهو “الارتباط المالي بالدولة”، الذي يتخذ أشكالاً عدة تُحوّل التمويل من وسيلة دعم إلى أداة تدجين، كالمنح المباشرة مثلاً، حيث تبرز هنا “المنحة التشجيعية” المخصصة للصحفيين والفنانين والأدباء، والتي قفزت من 27 مليار دينار عام 2023 إلى 32 مليار دينار عام 2024.
إن هذه الأرقام ليست مجرد خبر مالي، لكنها أصبحت “أثراً سياسياً” يحوّل النقابة إلى قناة لتوزيع العطايا الحكومية، مما يفرض التزاماً ضمنياً بالتهدئة والمهادنة مع هذه الحكومة.
بالإضافة إلى المنح، يبرز دور الامتيازات غير المباشرة، فبالنسبة للنقابات المهنية الكبرى التي ترفع لواء التمويل الذاتي، يظهر أثر الدولة مثلاً عبر منح الأراضي لمشاريع السكن، أو الإعانات المقطوعة لترميم المقرات، أو التدخلات التشريعية لتعديل قوانين التقاعد، وغيرها من أشكال الدعم الانتقائي بحسب حجم ومستوى العلاقة مع النقيب.
كما يظهر نوع آخر من الدعم الحكومي، يتمثل بالدعم القطاعي للكيانات “شبه النقابية”، كاتحادات وجمعيات العمال والفلاحين، وجمعية الهلال الأحمر، واللجنة الأولمبية، فتخضع هذه الجهات لنمط من الرعاية عبر وزارات قطاعية، حيث تندمج الموارد التشغيلية والخدمات اللوجستية للدولة في بنية الاتحادات، مما ينتج علاقة اعتماد متبادلة يصعب معها فرز المستقل عن السلطوي.
هذه المسارات المتقاطعة تخلق شبكة مصالح تجعل “الاستقلال المالي” وهماً مرتبطاً بسقف العلاقة مع السلطة. وفي ظل هذا الارتباط، يتراجع الفعل النقابي، حيث تضطر القيادات إلى إدارة المطالب المهنية ضمن “سقوف منخفضة”، لتوازن بين ضرورة التعبير عن القواعد وبين خشية قطع حبال الوصل المادية مع الحكومة. وبذلك، يتحول التمويل إلى آلية ضبط غير مرئية تُعيد رسم حدود الحركة النقابية، وتدفعها لأداء دور احتوائي يسبق دورها المطلبي، ويُمهد لعلاقة “مرنة” تفتقر إلى الوثائق الرسمية والضمانات القانونية.
علاقة بلا وثائق
إلى جانب الإشكالات القانونية والمالية، تواجه النقابات العراقية أزمة أكثر صمتاً وأشد أثراً، تتمثل في غياب الشفافية كممارسة مؤسسية. فالغالبية العظمى من هذه الكيانات لا تفصح بانتظام عن تفاصيل عملها، ولا تنشر بيانات دقيقة عن قواعدها البشرية أو نشاطاتها أو كيفية إدارة مواردها، حتى صار هذا الغموض سمةً طبيعية ومستقرة في الأداء النقابي.
في المقابل، لا توجد في الدولة جهة رسمية تعلن بمنهجية طبيعة ارتباطها بهذه الكيانات، إذ تُدار العلاقة غالباً عبر مراسلات داخلية وتفاهمات غير منشورة بين الوزارات والنقابات، مما يخرج هذه العلاقة من فضاء “الوثيقة العامة” إلى “الترتيبات الخاصة”. هذا النمط غير الموثّق ينتج وضعاً انتقائياً، فالدولة لا تمنح الامتيازات وفق قواعد معلنة، بل تمنحها بناء على تقديرات ظرفية تتأثر بثقل القيادة النقابية وموقعها داخل توازنات القوى، مما يفرغ فكرة “الشراكة المؤسسية” من محتواها لصالح علاقات مرنة ومتبدلة، وهذا الأمر يولّد فقداناً لثقة القواعد بنقاباتهم، وهي الركيزة الحقيقية والأخيرة لشرعية تلك النقابات.
فاعلية محدودة ووظيفة احتوائية
عند الانتقال من التنظيم الهيكلي إلى مستوى الأداء الميداني تبرز الفجوة الأعمق في التجربة النقابية العراقية، فنادراً ما تتحول هذه الكيانات إلى قوى فاعلة في إدارة الصراع المهني. إذ إن الحضور النقابي في الأزمات يقتصر غالباً على بيانات عائمة ومواقف إعلامية تتجنب التصعيد.
ومع وصول النقابات لمرحلة الاستقرار، باتت تُستدعى عند احتدام التوتر لـ”تطويق” أي حراك، وإعادة ضبط إيقاعه لا لقيادته وتوجيهه. فهي تتدخل في اللحظة التي يوشك فيها الغضب على التحول إلى أزمة، فتعمل كإسفنجة لامتصاص الاحتقان عبر الوعود أو الوساطات، لتنسحب بعدها إلى موقعها المعتاد، دون تراكم حقيقي للنفوذ لصالح القواعد. ويتجلى هذا الخلل بوضوح في القطاعات العمالية الكبيرة، حيث يظل الصوت النقابي ضعيفاً ومجزأً رغم ضخامة القاعدة البشرية، ما يكشف عن اختلال في توزيع أدوات التأثير التي لا ترتبط بالوزن العددي بقدر ارتباطها بمدى القرب من دوائر القرار.
هذا القرب أدى إلى تآكل سقف توقعات الأعضاء، وتكريس منطق “الاكتفاء بالحد الأدنى”، لتصبح النقابة في نهاية المطاف مجرد آلية تنظيم اجتماعي تخفف حدة الصدام بين المجتمع والدولة. وبمرور الوقت، أعاد هذا الواقع تعريف “النجاح النقابي”، فبدلاً من أن يُقاس بقدرة النقابة على تحسين شروط العمل وانتزاع الحقوق، أصبح يُقاس بقدرتها على “حفظ الاستقرار” داخل قطاعها. وهذا المعيار العملي حوّل العمل النقابي إلى “مفهوم إداري” يتقاطع مع مصالح السلطة، لتفقد النقابة موقعها كأداة للتغيير وتستقر في دور الوسيط المهادن والأكثر قابلية للتكيّف.
نموذج مكتمل العطب
في المحصلة، لا تبدو أزمة النقابات في العراق خللاً تنظيمياً عابراً أو نتيجة نقص في الخبرة والموارد، بقدر ما تبدو انعكاساً لمسار سياسي أعاد تعريف هذه الكيانات منذ ما بعد عام 2003، بوصفها أدوات لإدارة المجال الاجتماعي لا أطرافاً فاعلة في الصراع داخله.
فالنقابة، ضمن هذا السياق، أُعيد تصميم دورها ليبقى محصوراً ضمن سقوف يمكن ضبطها والتنبؤ بها، بما ينسجم مع منطق الدولة الريعية القائمة على الاحتواء لا التفاوض الاجتماعي. وبهذا المعنى، لا يُقاس حضور النقابات بقدرتها على انتزاع الحقوق أو فرض شروط العمل، بل بمدى نجاحها في تفكيك المطالب قبل أن تتحول إلى قوة ضغط مستقلة ضد السلطة.
ومن هنا، يغدو الحديث عن إصلاح العمل النقابي أو إحيائه عبر تغيير القيادات أو تعديل الأنظمة الداخلية حديثاً ناقصاً ما لم يُطرح السؤال الأعمق: هل تسمح البنية السياسية والاقتصادية الراهنة بوجود نقابات تؤدي وظيفة الصراع الاجتماعي، أم أن أقصى ما تتيحه هو إعادة إنتاج أدوار إدارية بأسماء مختلفة؟