

زيد شحاثة
شهد وضع الشيعة في العراق بعد عام 2003، تحولات سياسية متعددة، توجت في آذار مارس 2021 بإنشاء “الإطار التنسيقي” ليمثل تحالفاً واسعاً يضم غالبية الأحزاب والحركات الشيعية الرئيسية عدا التيار الصدري، ولينجح الى حد كبير في توحيد الموقف الشيعي تجاه العديد من القضايا، وأصبح لاحقا القوة البرلمانية المهيمنة التي تدير الدولة.
وعملت تلك القوى، بعد انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية، الى محاولة تمثيل الأغلبية الديموغرافية في العراق، وتحويل أصواتها الى تكتل سياسي منضبط، قادر على صنع القرار وتوجيه سياسات البلد.
مقاومة أم نأي بالنفس؟
لا يعيش الشيعة في العراق بمعزل عن محيطهم الجيوسياسي، وتأثروا بشدة بالصراع الأمريكي-الإيراني وبالأحداث الإقليمية الكبرى كالحروب في غزة ولبنان، على الرغم من محاولات المرجعية الدينية في النجف الأشرف وأغلب قادتهم، تجنب الدخول في الصراع، لكن كان هناك خطاب يدعو الى “المقاومة” تبناه البعض وشكل محوراً.
لكن هناك محور آخر بمنهج مختلف يركز على “دولة المواطنة” والبناء الداخلي وتقوية المجتمع الشيعي علمياً واقتصادياً واجتماعياً، ويحظى هذا المنهج بتأييد المرجعية بشكل غير مباشر، وكذلك دعم قطاع واسع من الجماهير التي تعبت من الحروب والعقوبات، ومع ذلك لازال المجتمع، يتأثر بمواقف المحور الأول، مما خلق حالة من الجذب والتنافس داخل البيت الشيعي الواحد.
وعلى الرغم من أن الشيعة هم الأغلبية مجتمعيا، ويملكون القوة البرلمانية والحكومية الأكبر سياسيا، لم يكن أداؤهم السياسي بمستوى النجاح المتوقع، كما لا يمكن وصفه بالفشل في بناء الدولة ومؤسساتها. ولطالما عانت القوى الشيعية السياسية من إنقسامات وصراعات شخصية، وكانت تظهر مع كل انتخابات، وخصوصا إن أفرزت نتائج متقاربة دون منتصر واضح أو خاسر منتهٍ، مما جعل تشكيل الحكومات وحسم التوجهات السياسية عملية معقدة وممتدة، عكست أزمة في الرؤية الموحدة والقيادة الجامعة.
يقع العراق في قلب الصراع الإقليمي والدولي، وتصر بعض القوى الداخلية والخارجية، على إبقائه ساحة للمواجهة غير المباشرة بين المحاور المتعارضة، فيما تحاول قوى شيعية أخرى تجنيب البلاد وحمايتها من آثار هذا الصراع، بإعتماد سياسات متوازنة، ودبلوماسية نشطة، لتفادي الدخول المباشر في الصراعات، رغم تبنيها مواقف واضحة في دعم لبنان وفلسطين وايران وإستنكار الإعتداءات. ويمثل هذا المسعى تحدياً كبيراً أمام القيادات الشيعية في حفظ السيادة الوطنية دون عزل البلاد عن محيطها.
ترشيح المالكي.. صعوبات وانقسامات
أثار ترشيح السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، لتولي المنصب مجددا جدلاً واسعاً داخل البيت الشيعي وخارجه، نتيجة لعوامل عدة منها موقف سابق للمرجعية الدينية في النجف برغبتها في “تغيير الوجوه”، ومعارضة دولية وإقليمية له، بسبب تراكمات تتعلق بفترتي حكمه السابقتين (2006-2014) والتي تركت للبلد علاقات إقليمية متوترة وإنقسامات داخلية عميقة، مما جعل جهات عدة تعلن صراحة بأنها ترى أن عودة المالكي مخاطرة كبيرة.
لم يحصل ترشيح المالكي، على الإجماع داخل “الإطار التنسيقي”، وإنما مرر بالأغلبية وسط معارضة من أطراف مهمة، مثل “عصائب أهل الحق” و”تيار الحكمة”، لكن ما لفت الإنتباه ظهور حملة تسقيط وإساءة واسعة ضد المعارضين له، وهي ظاهرة مقلقة سبق وأن شهدتها الساحة السياسية الشيعية، في وقت يدرك معظم الساسة أن اللجوء لهذا “المستنقع” يضعف المكون برمته، ويزيد الفجوة مع جماهيره ويضعف شرعيتهم أمامهم، ويهدم أسس العمل السياسي المؤسسي.
في كل الأحوال يواجه ترشيح المالكي صعوبات كثيرة، أبرزها رفض كتل سياسية مهمة له داخل المكون الشيعي، ومعارضة سياسية سنية وكردية، بعضها معلن وآخر يتداول في الأروقة السياسية، ناهيك عن حالته الصحية وتقدم عمره. كما أن فترتي حكمه السابقتين لا تزالان عالقتين في أذهان العراقيين مع صور فساد إداري ومالي، وتوترات طائفية وسياسية، بلغت ذروتها بسقوط ثلث البلاد بيد تنظيم داعش عام 2014.
الى جانب ذلك هناك موقف دولي وتحديدا أمريكي، بالتلويح بمعاقبة البلد ان تولى المالكي السلطة. لذا وفي ظل هذه العوائق لا يستبعد أن تنتهي الحاورات “خلف الكواليس” الى ترشيح شخصية أخرى محل توافق أكبر كحل وسط لتجنب المأزق، او اللجوء الى مناورات سياسية تنتهي ولو بعد حين بإعلان انسحاب المرشح الحالي وترشيح آخر محله.
خياران مران تحت الضغط الدولي
من الواضح أن القوى السياسية الشيعية أوقعت نفسها في مأزق استراتيجي بترشيحها للمالكي، فهي إن نجحت في تمريره، ستكسب عداوات إقليمية ودولية وتعزز صورة “تغول” إيران عليها بشكل يهدد مصالح العراق، وإن أضطرت لسحب ترشيحه تحت الضغوط، فستظهر بمظهر الخاضع لقرارات الآخرين، وبالتأكيد ستستضعف لتقديم تنازلات أخرى.
وفق ذلك جرت هذه القوى نفسها والعراق معها نحو خيارين خاسرين، في خطوة قد تفهم أنها قلة دراية باللعبة السياسية المعقدة، وافتقار للرؤية الاستراتيجية والفهم الدقيق، لما يحصل من تحولات في العالم والمنطقة والبلد نفسه. وكان الأولى بهم تفادي هذا الموقف من البداية، والاتجاه نحو بناء توافق وطني حقيقي، يقوده وجه جديد قادر على تجاوز إرث الماضي ومواجهة تحديات المستقبل.
المزيد عن آراء
آراء
آراء","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33133}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







