تحليل:   من رئاسة البرلمان إلى المحافظات: تحوّل “الزعامة السنية” في العراق 

  من رئاسة البرلمان إلى المحافظات: تحوّل “الزعامة السنية” في العراق 

المشهد السياسي السني في العراق بعد 2025 لم يعد يدور حول من يجلس على كرسي رئاسة البرلمان، بل حول من يملك القدرة على التأثير من خارجه.. قراءة في تحوّل "الزعامة السنية" في العراق..

في لحظة سياسية غير طبيعية، أفرزت العملية الانتخابية حالة لا يمكن اعتبارها مكتملة الأركان؛ كونها أعادت توزيع الأحمال الحزبية داخل النظام السياسي بطريقة إقصائية مثيرة، حيث خضعت العملية الانتخابية العراقية لعام 2025، التي أفرزت البرلمان الحالي في دورته السادسة، لثلاثية الفساد والسلاح وتوظيف السلطة لحصد المقاعد. إذ دخلت القوى السياسية العراقية مجلس النواب وعقدت جلستها الأولى في يوم 29 كانون الثاني 2025، من دون وجود تمثيل لفاعل سياسي مهم وهو التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري)، وبخسارة كل القوى التي تصنف نفسها مدنيةً أو علمانية أو ليبرالية (والتي تنبثق جميعها من البيئة الشيعية) المقاعد التي حصلت عليها في الانتخابات الماضية، فأصبحت قوى الإطار التنسيقي هي الجهة والممثل الأساسي للمكون الشيعي بواقع أكثر من 187 مقعداً.

في مقابل هيمنة القوى الشيعية على مقاعد البرلمان، حصلت المساحة السياسية السنية على أكثر من 70 مقعداً توزعت في خماسية محكمة، يقودها كل من تقدم لمحمد الحلبوسي بـ36 مقعداً، والعزم لمثنى السامرائي بـ15 مقعداً، والسيادة لخميس الخنجر بتسعة مقاعد، والحسم لثابت العباسي بسبعة مقاعد، والجماهير الوطنية بقيادة أحمد الجبوري “أبي مازن” بثلاثة مقاعد. بعد الانتخابات، أسست هذه القوى إطاراً سياسياً عاماً عُرِف باسم المجلس السياسي الوطني، وأحكمت قبضتها من دون إفراز تيارات سياسية وحزبية جديدة وناشئة من داخل المناطق ذات الغالبية السنية.

في الوقت نفسه، كانت حالة التفاعل الحزبي في إقليم كردستان العراق مغلقة بقدر كبير؛ حيث هيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني بواقع 26 مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني بواقع 15 مقعداً، بعد إقصاء السيد لاهور شيخ جانكي قضائياً داخل السليمانية وتقويض قدرات حزبه على المشاركة في الانتخابات، وكانت عملية استبعاد أمين عام حزب الجيل الجديد، ساشوار عبد الواحد، بتهم قضائية كذلك واحدة من عمليات الإقصاء القضائي التي تمت في الإقليم، ورغم ذلك استطاع حزبه الحصول على أربعة مقاعد، كما حصلت حركة الموقف الوطني على خمسة مقاعد من المساحة الكردية.

الصراع والتدافع على منصب رئاسة البرلمان


لم يشر الدستور العراقي المقر عام 2005 إلى توزع المناصب محاصصاتياً، لكنّه نصّ على ضرورة مراعاة التوازن في التمثيل، غير أن الترجمة السياسية العراقية لهذا النص رسخت حالة محاصصاتية أنهت عملياً توليد طريقة منظمة للمعارضة داخل البرلمان، وقضت على فكرة أساسية تقوم عليها كل برلمانات العالم الديمقراطي الحر، وهي تشكيل حكومة الأغلبية السياسية بمقابل أقلية معارضة. أما في العراق، فتشترك كل القوى السياسية الفائزة في تشكيل الحكومة بواقع ثلاث وزارات للأكراد، وست وزارات للسنة، وتذهب ما بين 10 إلى 11 وزارة للشيعة، ووزارة واحدة للمسيحيين أو للأقليات! فتآكلت القدرة الرقابية للبرلمان حتى انتهت تقريباً.

وعلى هذا الأساس المحاصصاتي بات منصب رئيس البرلمان من حصة البيت السني، الذي لا يرتبط بمرجعيات دينية ولا بمصادر زعامة ثابتة أو قادرة على الصمود طويلاً، فصار يتغذى على فكرة الزعامة والسلطة من خلال وجوده على رأس المنصب الأول المخصص لهذا المكون، فمن يكون رئيساً لمجلس النواب يكون، في الغالب، زعيمَ البيت السياسي السني.

ارتبطت فكرة الزعامة بهذا المنصب بعد الدورة البرلمانية الرابعة التي قادها محمد الحلبوسي 2018 – 2021، حيث شهدت هذه الدورة إزاحة سياسية جيلية لأحزاب كانت تقود المشهد السياسي، ولإفرازات مرحلة ما بعد داعش بتراجع الحزب الإسلامي العراقي بشكل كبير، بعد خسارة رئيس مجلس النواب السابق حتى عام 2018 سليم الجبوري، وخسارة قوى سياسية سنية عديدة مثل متحدون وغيرها، قدرتَهم على التأثير، مقابل صعود كبير لحزب تقدم وحزب الجماهير الوطنية وحزب السيادة وحركة الحل لجمال الكربولي.

محمد الحلبوسي يدلي بصوته في جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب للدورة السادسة. المصدر: الدائرة الإعلامية لمجلس النواب العراقي.

محمد الحلبوسي يعقد مشهد الزعامة السنية


في لحظة مفصلية مهمة من لحظات تأسيس مرحلة ما بعد انتهاء تنظيم داعش، استطاع محمد الحلبوسي الانتقال من كونه عضواً في مجلس النواب 2014 – 2016 إلى محافظ للأنبار 2016 – 2018، ومن ثم عودته لتصدر المشهد البرلماني والوقوف على أعلى الهرم، بحصوله على المنصب الأول والمخصص للمكوّن وفق المحاصصة الطائفية.

لم يتأخر الحلبوسي بتحصين نفسه وبناء قدراته الخاصة، فبدأ بإبعاد أقرب شركائه ممن أسهموا في وصوله إلى رئاسة البرلمان، وهم الأخوان محمد وجمال الكربولي، من ثم تطوّرت عمليات التحجيم ومحاولة الاستبعاد لتطال مشاريع سياسية سنية أخرى، مثل العزم حينما كانت بقيادة خميس الخنجر، ومن ثم السيادة، ومن ثم تحجيم أسامة النجيفي وأحمد الجبوري (أبي مازن)، لينفرد محمد الحلبوسي في انتخابات 2021، بمشهد سياسي حصل فيه على أكثر من نصف المقاعد التي حصلت عليها جميع الأحزاب السياسية السنية المنافسة له.

في المحصلة، وصلت القوى السياسية السنية عام 2025 إلى قناعة مفادها: أن جلوس محمد الحلبوسي على كرسي رئاسة البرلمان قد يهدد المكون وتمثيله بالكامل، ليس لأن للحلبوسي ميولاً “ديكتاتورية” فقط -كما يقول عنه خصومه وحتى بعض حلفائه- بل لأن عليه ملفاً يمكن بموجبه استبعاده من البرلمان هو وأصواته في المحكمة الاتحادية، كما يمكن أن يُفعّل هذا الملف في أيّة لحظة سياسية غير مسيطر عليها، وبالتالي خسارة المنصب ليذهب إلى النائب الأول من المكون الشيعي ولو مؤقتاً.

هذا الطرح كان وما يزال يرفضه محمد الحلبوسي وفريقه رفضاً تاماً ولا يقبل التعاطي معه ولا نقاشه، بدلالة أن عودة محمد الحلبوسي للمشاركة في العمل السياسي قانونية ولا تشوبها شائبة، كما يقولون، بل إن المحكمة الاتحادية نفسها صادقت على فوزه. ولأن رئيس حزب تقدّم يدرك جيداً أن الزعامة لدى هذه الطبقة تولد بعد الحصول على المنصب الأول وكل ما يرافقه من امتيازات ومصالح اقتصادية كبرى، دخل البيت السياسي السني في صراع، انتهى بضمان محمد الحلبوسي المنصب لشخص بمواصفات وقياسات لا تتقاطع مع زعامته، وهو ابن عمّه رئيس البرلمان الجديد 2025 – 2029 هيبت الحلبوسي.

تصويت البرلمان على مرشحي رئاسة البرلمان للدورة النيابية السادسة. المصدر: الدائرة الإعلامية لمجلس النواب العراقي.

مكاسب وخسائر محمد الحلبوسي بعد انتخابات 2025


استطاع الحلبوسي إيصال شخصية مسيطر عليها من قبله إلى حد كبير إلى رئاسة البرلمان، معتمداً تكتيك توزيع النفوذ بدل تركيزه، فاختار الاحتفاظ بدور القائد غير الرسمي للمكون السني، مقابل تفريغ منصب رئاسة البرلمان من رمزيته القيادية المباشرة، وتحويله إلى امتداد إداري وسياسي له، كما فعل الشيعة منذ حكومة عبد المهدي 2018. فوفر لنفسه مظلة أمان داخلية، بحيث يمنع تشكل قطب منافس داخل حزب تقدم، ويغلق الطريق أمام انقسامات داخلية مبكرة كان يمكن أن تنتج عن طموحات شخصية أخرى.

خارج حزب تقدم، استطاع الحلبوسي تعطيل شروط الزعامة السنية المنافسة، إذ إن وجود ظل سياسي له في رئاسة البرلمان أفقد القوى السنية الأخرى القدرة على تقديم بديل مكتمل الأركان من حيث الشرعية التمثيلية والقدرة المؤسسية.

في المقابل، خسر محمد الحلبوسي فرصة توظيف رئاسة البرلمان كمنصة سيادية لتعزيز صورته كزعيم سني أول، خصوصاً في مرحلة تشهد إعادة تشكيل التوازنات داخل المكون السني بعد سنوات من التفكك. وتراجعت قدرته على مخاطبة جمهوره كصاحب القرار الأول داخل بغداد، إذ بات حضوره مرتبطاً أكثر بلعبة الكواليس والتأثير غير المباشر، وهو نمط نفوذ أقل جاذبية جماهيرياً وأكثر عرضة للتشكيك.

كما إنه قبِل، عملياً، بمعادلة فرضتها قوى شيعية وكردية، مفادها الفصل بين الفوز العددي والفوز السياسي، ما يعني الاعتراف الضمني بحدود القوة السنية داخل النظام التوافقي، حتى في حال تحقيق أغلبية داخل مكونها. هذا الخيار عزز من صورة محمد الحلبوسي كشريك قابل للاحتواء داخل المعادلة السياسية العامة، لكنه في الوقت ذاته قيد قدرته على المناورة مستقبلاً، وقلل من هامش المفاجأة الذي كان يتمتع به في مراحل سابقة.

على المدى المتوسط، قد يتحول هذا الترتيب إلى سابقة، حيث يتم التعامل مع الزعامة السنية بوصفها وظيفة موزعة لا منصباً مركزياً، ما يضعف فكرة القائد الأوحد داخل المكون السني. في المحصلة، حقق محمد الحلبوسي استمرارية النفوذ وضمان البقاء في مركز التأثير، لكنه دفع ثمناً استراتيجياً يتمثل في تجميد طموحه الرمزي، أو العمل بطرائق مختلفة للحفاظ على هذه الرمزية بدل حسمها من خلال منصب رئاسة البرلمان.

هيبت الحلبوسي وسط مجموعة من النواب والسياسيين أثناء جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب للدورة البرلمانية السادسة. المصدر: الدائرة الإعلامية لمجلس النواب العراقي.


مستقبل “الزعيم”


في ضوء هذه المعطيات والتنافس التدافعي داخل البيت السياسي السني، يمكن الحديث عن مشهدين أساسيين مباشرين لمستقبل الزعامة في البيت السياسي السني على النحو الآتي:

السيناريو الأول يقوم على استمرار نموذج الزعامة غير المباشرة: هذا النموذج يفترض بقاء محمد الحلبوسي أو من يشبهه في موقع القائد الفعلي، دون شغل المنصب السيادي الأول للمكون. المعادلة التي تشكلت عام 2025 وفصلت بين الفوز والمنصب، قد تكون مرشحة للاستمرار طالما بقيت المحكمة الاتحادية أداة ضبط محتملة، قد تُستخدم ضد محمد الحلبوسي في حال قرر الذهاب بعيداً بقرارات فردية تضر البيت السياسي الشيعي بالتحديد، وطالما ظلت القوى الشيعية والكردية تفضل شريكاً سنياً قوياً نسبياً لكنه غير متفرد بالمشهد، بمعنى أن القوى السياسية غير السنية تفضل توزيع الأحمال السياسية داخل البيت السني على أن يكون هناك طرفٌ سنيٌ واحد مهيمناً على المشهد. هذا النمط يحقق قدرة أكبر للقوى السياسية غير السنية للعمل داخل البرلمان بعيداً عن سيطرة محمد الحلبوسي نفسه، ويمنع تفجّر صراعات مفتوحة، لكنه في المقابل ينتج زعامة بلا رمزية للمكوّن السني وبلا قدرة على التعبئة الشعبية الواسعة، ويجعل النفوذ السني مرتبطاً بالتوازنات العليا، وهذا مهم بالنسبة للقوى السياسية الشيعية بالتحديد.

السيناريو الثاني يتمثل في انتقال مركز الثقل من بغداد إلى المحافظات: هذا المسار يفترض أن الزعامة السنية المقبلة قد لا تتشكل من خلال منصب رئاسة البرلمان، بسبب وجود شخص ضعيف على رأس هذه السلطة حالياً، بل من خلال السيطرة على المحافظات ذات الغالبية السنية الكبرى وإدارتها اقتصادياً وسياسياً والسيطرة عليها أمنياً. وتجربة محمد الحلبوسي نفسه كمحافظ للأنبار قبل صعوده على المستوى الوطني تقدم نموذجاً لهذا الاتجاه، إذ توسع إلى محافظة نينوى في انتخابات عام 2021 وحصل على سبعة مقاعد منها. في حال استمرار هشاشة المنصب البرلماني الأول، وخضوعه لما يعرف بهيئة الرئاسة بوجود شخص ضعيف على رأسه، قد تفضل النخب السنية الاستثمار في السلطة المحلية بوصفها أقل خطراً وأكثر مردودية، وهذا لا يعني ترك بغداد والحصص الوزارية والتمثيل السيادي فيها بقدر ما أن الأحمال سيعاد توزيعها بطرائق جديدة، وعندها قد تتشكل زعامات مناطقية. هذا السيناريو يُضعِف فكرة الزعيم السني الواحد، لكنّه يعزز منطق التعددية داخل المكون، وقد ينتج لاحقاً قيادة اتحادية نابعة من تحالف محافظات لا من منصب سيادي.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33068}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">