يواجه الإعلام اليوم أزمة “مصداقية” كبيرة في ظل فوضى النشر والموجات التي لا تنقطع من المعلومات المزيفة والملفقة والمحرفة والمضللة، التي باتت تشكل تهديدا هائلا لمهنة الصحافة كونها تدمر ما يشكل حجر الأساس في العمل الصحفي.
هذه الآفة المستشرية، على وقع الانحياز الخبيث والتشويه المتعمد للحقائق في منصات اعلامية كثيرة، تترك آثاراً مدمرة في العلاقة بين الإعلام والجمهور، فهي تؤدي الى تآكل الثقة والتشكيك الافتراضي بكل ما يُنشر، بكل الانعكاسات السلبية لذلك على دور الاعلام في نقل الحقائق وتثقيف وتنبيه الجمهور بالملفات والقضايا المختلفة وتشكيل المواقف حيالها.
في ظل هذا الواقع المخيف، يصبح من الضروري والملح تسليط الضوء على هذه الظاهرة ومناقشتها بصراحة تامة، لا سيما أن تجلياتها تتنوع وتتشعب في أشكال وأساليب متعددة.
تبدأ المشكلة من ازدواجية المعايير في التغطية الإخبارية، حيث يتم تناول ذات الأحداث وتوصيفها بشكل متناقض كلياً حسب هوية الفاعل. فما يُسمى “مقاومة” في حالة معينة يصبح “إرهاباً” في حالة أخرى، والعكس صحيح. والفصائل المسلحة تشبه جيشا وطنيا، وفي مكان آخر يصبح الجيش فصيلا او جماعة، وفق توصيفات المنصات المكبلة بسياسات مصادر تمويلها.
هذا الازدواج يكشف أن المعايير تتغير وفق المصالح والأجندات، لا وفق الحقائق والموضوعية. وتتعمق هذه المشكلة حين تعمد بعض وسائل الإعلام إلى تزييف المعلومات فقط، بل ايضا عرض جزء من الحقيقة فقط مع إخفاء الجزء الآخر، ليس عبر الكذب المباشر، بل من خلال اقتلاعه من سياقه الكامل أو تجاهل المعلومات التي تُربك السردية المرغوبة، فينتج عن ذلك جمهور مضلل يعتقد أنه يعرف الحقيقة بينما هو يرى جزءاً منها فقط.
وتتفاقم الأزمة عندما يصبح الخطاب الأخلاقي نفسه انتقائياً، فيتجلى النفاق في التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان عند طرف معين مع الصمت الكامل أو حتى التبرير لنفس الانتهاكات عند طرف آخر. هذا الموقف الانتقائي يثبت أن الخطاب الإعلامي ليس أخلاقياً، بل مبني على مصالح سياسية او اقتصادية، يُوظّف الأخلاق كأداة وليس كمبدأ.
بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى التلاعب باللغة ذاتها، حيث تُستخدم كلمات ناعمة لوصف أعمال عنيفة عندما يقوم بها الحلفاء، مثل “أضرار جانبية” و”عملية عسكرية”، بينما تُستخدم كلمات قاسية لوصف أعمال أقل عنفاً عندما يقوم بها الخصوم، مثل “مذبحة” و”إرهاب”. اللغة هنا تتحول إلى سلاح إعلامي يُشكّل وعي المتلقي ويوجه مشاعره ويحدد مواقفه.
هذه الممارسات منتشرة بكثرة في المؤسسات الإعلامية والصحفية في منطقتنا، وهي توضح بجلاء أن لها ميولاً سياسية وحزبية وقومية ومذهبية وطائفية. هذا الواقع هو نتيجة طبيعية لطبيعة الملكية والتمويل في القطاع الإعلامي، فأغلب القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية تملكها أو تمولها حكومات أو أحزاب أو رجال أعمال مرتبطون بالسلطة، مما يجعل استقلاليتها محدودة للغاية، خاصة ان أحزاب السلطة تلك تستطيع التهرب من قواعد التغطية المهنية والأسس الاخلاقية طالما هي من تضع قواعد المساءلة.
فنجد مؤسسات إعلامية تصرخ بأعلى صوتها منددة بالمخالفات والفساد والانتهاكات التي ترتكبها الجهات المعارضة لأصحاب تلك المؤسسات أو للجهة السياسية التي تديرها، بينما تتحدث بحياء شديد او تصمت تماما عن الأفعال ذاتها عندما يكون مرتكبوها من دائرة المقربين. وهي تسخّر كل طاقاتها لدعم خطاب سياسي أو ديني أو قومي أو طائفي بعينه، وعندما تواجه بأسئلة حول الأفعال المشبوهة لرعاتها، تلتف في إجاباتها أو تتهرب دون حياء.
هذا النوع لا يستحق أن يُسمى إعلاماً حقيقياً، بل هو إعلام الزعامات، إعلام الخطاب الأيديولوجي الضيق، او اعلام الاعلانات مدفوعة الثمن، وانتشار هذا “الاعلام المدمر” هو أمر أخطر من حجب وسائل الاعلام ذاتها لمنع الحقيقة من الظهور.
وسائل الاعلام هذه تشارك بشكل فاعل في الحرب الإعلامية مدفوعة الثمن لغايات محددة، وهي تنحاز بوضوح لطرف دون آخر، مما يعمق أزمة الثقة ويهدد مستقبل المهنة الصحفية برمتها.
ان مراقبة أداء النظام السياسي وتغطية الأحداث بتجرد وجرأة خدمة للصالح العام دون الخضوع لمصلحة السلطات السياسية والإدارية تمثل أحد أهم الأدوار التي يجب أن يقوم بها الإعلام في أي مجتمع، لكن هذا الدور المثالي يصطدم بواقع معقد يريد تشويه بنية الإعلام ويوقعه أسيراً لأجندات ضيقة، وهو ما يجعل من الصعب على معظم المؤسسات ممارسة دورها الرقابي باستقلالية وجرأة وحيادية.
والإعلام المستقل الذي يحاول الخروج عن هذا “النمط القاتل” يواجه تحديات هائلة، من ضعف التمويل او انعدامه، إلى المضايقات القانونية والأمنية، الى اتهامات بالعمل لأجندات خارجية اقليمية او دولية.
حيث يأتي التشويه والتحريف والتضليل الممنهج للمعلومات والوقائع، وفي تغطية مختلف الأحداث والقضايا، نتيجة لقوة “الإعلام الحر المستقل” الذي يُرعب الأنظمة السياسية والمسؤولين الفاسدين لأنه يكشف المخالفات الإدارية والسياسية والاجتماعية، ويفضح الفساد المالي وسوء استخدام السلطة وانتهاكات حقوق الإنسان، أي كل تلك القضايا التي تؤثر مباشرة على حياة الناس وتهدد استقرار منظومات الحكم القائمة.
لسنا في معرض ذكر أسماء المؤسسات الإعلامية المعروفة والمتورطة في التضليل الإعلامي، ولا حتى لمحاسبتها، كونها أساسا مصممة لأهداف سلطوية خاصة وتعمل خارج دائرة المحاسبة. هدفنا الأساسي هو لفت انتباه الناس لهذه الظاهرة ومحاولة مقاومتها وفي الحد الأدنى عدم الاستسلام أمام موجات التضليل الإعلامي المنظم، فمعركة “حرية الاعلام واستقلاليته” هي حاسمة في اي معركة أخرى يمكن ان تخوضها الشعوب.
اليوم، ولحسن الحظ، التطورات التكنولوجية جعلت من المستحيل تقريباً أن تمر الأكاذيب والتلاعبات دون كشف، وبامكان الفرد أن يكون أكثر وعياً وقدرة على رصد أي خطأ أو تلاعب تمارسه وسائل الإعلام أو الشخصيات الإعلامية بهدف اقتياده الى تبني موقف او بناء تصور غير صحيح.
في أوقات الحروب واندلاع الصراعات السياسية الكبرى، تكفي مراقبة دقيقة لأداء الإعلام لنكتشف تحت أي نوايا تُغطى الأحداث. المتابع الواعي يستطيع، حتى لو حاولت المؤسسة الإعلامية الإخفاء، أن يكشف بوضوح ميول الدعم والانحياز.
في هذه البيئة المعقدة والخطرة، أكثر من أي مكان آخر، يمثل الالتزام بالصدق والنزاهة والحيادية في التغطيات المهنية، واجباً مقدساً، وهو في ذات الوقت ربما يشكل درعا للصحفي. فأحيانا كثيرة الشيء الذي يحمي الصحفيين من المخاطر المحدقة بمهنتهم، هو التزامهم المطلق بنقل الحقيقة بموضوعية. فعندما يبني الصحفي سمعته على الدقة والأمانة يكسب ثقة الجمهور، وهذه الثقة تشكل حماية معنوية وأحياناً فعلية.
الجمهور الذي يثق بصحفي معين سيدافع عنه عند تعرضه للضغوط، وسيصدق روايته حتى لو حاولت السلطات تشويهها. من هنا، فإن المصداقية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي استراتيجية بقاء للصحفي المستقل، الذي بدوره يمثل فرصة تثقيف وتنبيه وبناء.
لكن هذا لا يعني أن الطريق سهل، فالصحفيون المستقلون في منطقتنا يدفعون أثماناً باهظة، من الاعتقال إلى الملاحقة القضائية، من خسارة الوظائف إلى التشهير، بل وأحياناً التعرض للعنف الجسدي. رغم ذلك، يواصل الكثيرون منهم المسيرة، مؤمنين بأن رسالتهم أكبر من مخاطرها، وأن المجتمع يحتاج إلى أصوات حرة لا تخاف من قول الحقيقة، وان هذا هو جزء حيوي في مسار بناء وتقدم المجتمعات.
الصحفيون هؤلاء هم من يحفظون شرف المهنة في زمن تحول فيه كثيرون إلى مجرد موظفين في ماكينة الدعاية السياسية، وهم في ذات الوقت يشكلون بارقة أمل بامكانية الخلاص وسط دوامة الفوضى والتضليل والتزييف والكذب، وهو ما يجعل الدفاع عنهم أمراً حيوياً.