تقرير حقوقي : 2025 عام استباحة الحقوق وتجذر الإفلات من العقاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
منظمة: العراق انتقل من الفوضى العشوائية والعنف المفتوح إلى قمع ممنهج بغطاء قانوني. تشريعات مسيّسة، وفصائل نافذة في الدولة، فيما تُكمَّم الأصوات وتدفع النساء والفئات الأضعف الثمن الأكبر في ظل غياب المساءلة وإفلات شبه كامل من العقاب.
أصدرت منظمة “صحفيات بلا قيود” تقريرها السنوي عن واقع الحقوق الحريات في العالم العربي للعام 2025، والذي حمل عنوان “عام استباحة الحقوق وتجذر الإفلات من العقاب”، وكشف عن تصاعد خطير في الانتهاكات واستمرار القمع الممنهج، في ظل الإفلات من العقاب وغياب المساءلة.
التقرير كشف، عن تآكل منهجي للحريات والحقوق الأساسية في العراق، نتيجة سياسات النخب السياسية الحاكمة، التي استغلت انحسار العنف الأمني المباشر، لتوطيد هيمنتها عبر “آليات قمع غير عنيفة”.
ووثق التقرير ما وصفه “بتعميق هيمنة نظام سياسي قائم على الزبائنية، والمحاصصة الطائفية، وتغلغل الميليشيات المسلحة في مفاصل الدولة، وتحويل مؤسساتها، بما في ذلك القضاء، إلى أدوات لخدمة مصالح ضيقة بدلاً من حماية حقوق المواطنين”.
العراق من الهدوء الأمني الى القمع الممنهج
ونبه التقرير الى ان البنية السياسية والقانونية التي تشكل إطار عمل الدولة، لم تفشل في العراق في حماية الحقوق فحسب، بل هي مصممة (من خلال نظام المحاصصة) بطريقة تسهل انتهاكها بشكل منهجي وتضمن إفلات الجناة من العقاب، سواء كانوا من الجهات الحكومية الرسمية أو الفصائل المسلحة المرتبطة بها.
فبحسب التقرير تلك البنية التي تعاني من ضعف هيكلي وفساد مستشر وتجاذبات سياسية، تمهد الطريق للانتهاكات، وهي من سمحت للأحزاب بتقاسم الوزارات والمؤسسات الحكومية كغنائم، وخلقت فراغاً ملأته جهات فاعلة غير حكومية، وعلى رأسها الفصائل المسلحة التي تتحرك خارج ارادة الحكومة “وتغلغلت في الاقتصاد السياسي للدولة من خلال السيطرة على عائدات الجمارك، وفرض ضرائب غير قانونية، والاستحواذ على عقود الدولة”.
ويورد التقرير تحديات تواجه “استقلال القضاء وحكم القانون”، ذاكرا انه على الرغم من أن الدستور يضمن استقلالية القضاء، إلا أن الواقع يشير إلى تزايد تسييسه ومركزيته، مما يجعله عرضة للضغط السياسي.
وينبه الى أن النظام القضائي يواجه تحديات هيكلية خطيرة تتمثل في ضعف الموارد، والفساد، والتراكم الهائل لقضايا مكافحة الإرهاب التي تعيق قدرته على توفير محاكمات عادلة. وعلى الرغم من وجود بعض الخطوات الإصلاحية (مثل إنشاء محاكم النزاهة وهيئة الرقابة القضائية)، فإن النفوذ السياسي يلعب دوراً كبيراً في توجيه القرارات القضائية.
وكمثال لتسييس القضاء، يشير التقرير الى قرارات المحكمة الاتحادية العليا، موردا انها “تجاوزت دورها في تفسير الدستور لتتدخل بشكل مباشر في تشكيل النتائج السياسية، والتي كانت في معظم الحالات لصالح الأحزاب السياسية الشيعية المهيمنة”.
وبشأن حماية القانون للحريات وحقوق الإنسان، يذكر التقرير ان هناك تناقضا صارخا بين الضمانات الدستورية التي تكفل الحريات الأساسية والواقع العملي لتطبيق القوانين. ويوضح “تستخدم قوانين فضفاضة وغامضة كأدوات لانتهاك هذه الحقوق على نطاق واسع”، مشيرا الى استخدام “الصياغة المبهمة” لقانون مكافحة الإرهاب “لاستهداف المعارضين والنشطاء وحتى أفراد أسر المشتبه بهم”.
كما أن القيود المستندة إلى مفاهيم غير محددة مثل “النظام العام والآداب” تمنح السلطات صلاحيات واسعة لتقييد حرية التعبير. ومما يزيد من خطورة هذا الوضع رفض العراق المستمر للتصديق على صكوك دولية أساسية، مثل البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، مما يدل على غياب إرادة سياسية حقيقية للإصلاح والالتزام بالمعايير الدولية.
وينبه التقرير إن “الإطار السياسي والقانوني المعيب” الذي يكرس الإفلات من العقاب ويضعف سيادة القانون، هو الذي يمهد الطريق للعديد من “الانتهاكات الملموسة والمنهجية”، مثل الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وسوء أوضاع السجون.
التقرير يشير الى استمرار قوات الأمن العراقية، بما في ذلك الحشد الشعبي وقوات الأسايش الكردية، “ممارسة الاعتقالات التعسفية والاحتجاز دون مذكرات قضائية”، وفيما يتعلق بالاختفاء القسري، لا يزال مصير آلاف الأشخاص الذين اختفوا منذ عام 2014 واحتجاجات 2019 مجهولاً، حيث يُشتبه في أن العديد منهم “قتلوا عن طريق تطبيقات خارج نطاق القضاء لعقوبة الإعدام”. ورغم خطورة هذه الجريمة، فشل مشروع قانون المفقودين في تجريمها أو تحديد عقوبات واضحة لمرتكبيها، مما يكرس ثقافة الإفلات التام من العقاب.
ويذكر التقرير ان أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز الرسمية “مروعة”، حيث تعاني من اكتظاظ شديد يصل إلى 300% من طاقتها الاستيعابية، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض.
حرية الرأي والتعبير والإعلام والإنترنت
ينبه التقرير الى تحول الفضاء الرقمي، الذي كان يُعتبر متنفساً للحرية، إلى “ساحة جديدة للقمع المنهجي”، مبينا أن السلطات تستخدم مزيجاً من “الأدوات القانونية والتقنية والمادية لإسكات الأصوات الناقدة وخنق أي معارضة”، حيث واجه المزيد من المستخدمين أحكاماً بالسجن لمدد طويلة بسبب محتواهم على الإنترنت خلال العام الماضي.
ويشير الى استمرار ملاحقة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتعرضهم لاعتداءات جسدية ومضايقات، مع إفلات شبه تام للجناة من العقاب “بسبب القمع المتزايد للحيّز المدني وتشديد القيود على حرية التعبير”، حيث شنت قوات الأمن “حملة انتقامية” ضد النشطاء، شملت الملاحقة، ومداهمة المنازل بالعنف دون مذكرات، وتلفيق تهم خطيرة، والتهديد والمضايقة لأفراد عائلاتهم لدفع النشطاء للاستسلام، أو الاختباء أو الهروب للمنفى.
ويُذَكِر التقرير، باستمرار الإخفاق التام في تحقيق العدالة أو محاسبة المسؤولين عن قتل مئات المتظاهرين، وعلى الرغم من تشكيل لجان تحقيق، لم يتم نشر أي نتائج، ويظل الجناة طلقاء.
وفي ذات المسار، ناقش البرلمان الاتحادي في أغسطس/ آب 2025 مشروع قانون “حرية التعبير والتجمع السلمي”، الذي تضمنت مسودته أحكام شديدة التقييد، مثل حظر المظاهرات الليلية، وفرض الحصول على موافقة مسبقة قبل خمسة أيام. وينبه التقرير الى ان الهدف من هذا التشريع هو “تحويل الحق الدستوري في التظاهر إلى امتياز مشروط تمنحه السلطات أو تمنعه”.
حقوق المرأة والفئات الضعيفة
يؤكد تقرير “صحفيات بلا قيود” ان الفئات الضعيفة، بما في ذلك النساء والأطفال والنازحون، يتحملون العبء الأكبر لفشل الدولة في حماية الحقوق الأساسية، مما يكشف عن تمييز متجذر في القانون والممارسة يفاقم من معاناتهم ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.
ويضرب التقرير، مثالا على ذلك، اقرار تعديل قانون الأحوال الشخصية، ففي 17 فبراير/شباط 2025 دخل التعديل حيز التنفيذ “مما شكل انتكاسة كبرى لمبدأ المساواة أمام القانون الذي يكفله الدستور في المادة 14″، خاصة مع تأثيره المدمر المتمثل في “إضفاء الشرعية على زواج الأطفال”. ففي حين يحدد القانون المدني سن الزواج ب 18 عاماً، فإن الفقه الجعفري لا يحدد حداً أدنى لذلك. ووفقاً لبيانات اليونيسف، فإن %28 من الفتيات في العراق يتزوجن بالفعل قبل سن 18 عاماً. هذا التعديل يفاقم الظاهرة ويعرض الفتيات لمخاطر العنف والحرمان من التعليم، في انتهاك صارخ لالتزامات العراق الدولية بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل، اللتين صادق عليهما العراق.
ويرى التقرير ان العام 2025 يُظهر تحولاً جذرياً في مشهد حقوق الإنسان في العراق، حيث انتقلت الانتهاكات من الفوضى العشوائية إلى مرحلة “القمع الممنهج” الذي تمارسه مؤسسات الدولة والجماعات المسلحة بغطاء قانوني. وبدلاً من حماية الحقوق، باتت التشريعات والقضاء أدوات لشرعنة الإفلات من العقاب، وترسيخ هيمنة الفصائل على مفاصل الاقتصاد والقرار السياسي، مما حوّل “الهدوء الأمني” الظاهري إلى استقرار هش قائم على تكميم الأفواه، ومصادرة المجال العام، وعسكرة الدولة من الداخل.
وقد أدى هذا التآكل في سيادة القانون إلى تفكك العقد الاجتماعي، حيث تدفع الفئات الأضعف، ولا سيما النساء والنازحين، الثمن الأبهظ نتيجة الردة التشريعية التي تهدد بنسف المكتسبات الحقوقية.
ويُنبه إلى أن استمرار إدارة الدولة بمنطق المحاصصة والقمع، مع انسداد الأفق السياسي، لا يمثل حلاً مستداماً، بل يؤسس لانفجار مجتمعي مؤجل، واضعاً مستقبل العراق كدولة مؤسسات أمام خطر وجودي يتطلب تدخلاً إصلاحياً جذرياً ومساءلة دولية فاعلة.
عام 2025 لم يكن مجرد عام آخر من الانتهاكات بل محطة مفصلية كشفت أن “الصمت الدولي وغياب المحاسبة” يسهمان بشكل مباشر في استمرار العنف والقمع ويقوضان أي فرص لتحقيق سلام عادل ومستدام
العالم العربي.. تحولات خطيرة
قدم تقرير “صحفيات بلا قيود” رصدا شاملا وتفصيليا عن حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال الفترة الممتدة من أواخر عام 2024 وحتى نهاية عام 2025، وتضمن توثيقا للأنماط المختلفة من الانتهاكات في أكثر من عشرين دولة بينها فلسطين والسودان واليمن وسوريا ومصر والسعودية وإيران وتونس والجزائر وليبيا والعراق ولبنان والأردن والبحرين والإمارات والمغرب والكويت، مع تركيز خاص على الانتهاكات العابرة للحدود والسياسات القمعية المتشابهة التي تنتهجها أنظمة مختلفة.
مناطق النزاع.. مسارح للانتهاكات الممنهجة
وبشأن الانتهاكات في بعض الدول التي تشهد صراعات، أشار تقرير “صحفيات بلا قيود” إلى أن عام 2025 شهد تحولا خطيرا لمناطق النزاع إلى مسارح لانتهاكات ممنهجة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، حيث وثق ما جرى في قطاع غزة من قتل جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية واستخدام التجويع كسلاح حرب، إلى جانب الفظائع الجماعية والتهجير القسري في السودان، واستمرار النزاعات المسلحة في اليمن وسوريا وليبيا، وما رافقها من استهداف مباشر للمدنيين وتقويض مقومات الحياة الأساسية.
القمع من خلال القانون
وكشف التقرير عن توسع في القمع المؤسسي وتسليح القانون، من خلال استخدام تشريعات فضفاضة مثل قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية كأدوات لتجريم المعارضة السلمية واستهداف الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.
ووثق التقرير تزايد توظيف القضاء كأداة للتصفية السياسية وإصدار أحكام قاسية في محاكمات تفتقر لمعايير العدالة والاستقلال.
الفضاء الرقمي ساحة جديدة للقمع
ونبه التقرير الى بروز نوع جديد من الانتهاكات، يتمثل في تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مركزية جديدة للقمع، عبر المراقبة الرقمية المكثفة وحجب المواقع والملاحقات القضائية بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى استخدام تقنيات تجسس متطورة لاستهداف الصحفيين والنشطاء داخل بلدانهم وخارجها، بما يشكل انتهاكا صارخا لحرية التعبير والخصوصية.
الفئات الهشة الأكثر تضررا
التقرير أكد أن النساء والأطفال والأقليات واللاجئين والمهاجرين في العديد من الدول بما فيها السودان وسوريا، كانوا من بين الفئات الأكثر تضررا من الانتهاكات، حيث وثق استخدام العنف الجنسي كسلاح في النزاعات المسلحة وفرض سياسات تمييزية وقمعية بحق النساء، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال، بما في ذلك القتل والتجنيد القسري والحرمان من التعليم والرعاية الصحية.
الافلات من العقاب
وحذر التقرير من أن الإفلات من العقاب بات سمة بنيوية في المنطقة، في ظل فشل الأنظمة القضائية الوطنية في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، الأمر الذي يدفع بالضحايا إلى اللجوء إلى العدالة الدولية كملاذ أخير، كما هو الحال في عدد من القضايا المنظورة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
ودعت منظمة “صحفيات بلا قيود” في ختام تقريرها المجتمع الدولي والأمم المتحدة والآليات الأممية المختصة إلى تحرك عاجل وفعال لوقف الانتهاكات وضمان المساءلة، بما يشمل فرض حظر شامل على تصدير الأسلحة للأطراف المتورطة في الجرائم الجسيمة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن معتقلي الرأي، وتوفير حماية حقيقية للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وأكدت المنظمة أن عام 2025 لم يكن مجرد عام آخر من الانتهاكات، بل محطة مفصلية كشفت بوضوح أن الصمت الدولي والتقاعس عن المحاسبة يسهمان بشكل مباشر في استمرار دوامة العنف والقمع في المنطقة، ويقوضان أي فرص لتحقيق سلام عادل ومستدام.