50 الف كويتي جردوا من جنسيتهم… التكلفة البشرية للتجريد التعسفي من الجنسية
أزمة "هوية وحقوق" تطال 3.33% من السكان لتعيد انتاج أزمة "البدون" على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً، فالقرارات تمحو أجيالاً بأكملها من السجلات المدنية في سابقة قانونية خطيرة ذات عواقب إنسانية واجتماعية وخيمة.
أصدرت منظمة “صحفيات بلا قيود” تقريرا عن تجريد عشرات آلاف الكويتيين من الجنسية، واصفة قرارات التجريد بانها “أخطر أزمات الجنسية في تاريخ البلاد”.
وذكر التقرير أن الكويت تشهد منذ مطلع عام 2024 حملة واسعة النطاق لسحب الجنسية، أدت إلى تجريد أكثر من 50 ألف شخص من جنسيتهم حتى تاريخ أغسطس/آب 2025، وهو ما يمثل حوالي 3.33% من إجمالي المواطنين الكويتيين البالغ عددهم نحو 1.5 مليون نسمة.
ووفق المنظمة، ظهرت هذه الحملة في أعقاب تطورات سياسية غير عادية في الكويت، بما في ذلك حل “الجمعية الوطنية” (البرلمان) وتعليق الأحكام الدستورية في 10 مايو 2024. وقد مكن هذا الإجراء السلطة التنفيذية من إصدار مراسيم غيرت قانون الجنسية دون رقابة برلمانية أو نقاش عام، مع توسيع صلاحيات وزارة الداخلية واللجنة العليا للجنسية بشكل كبير وغير مسبوق.
محو أجيال كاملة من السجلات
يؤكد التقرير أن أوامر سحب الجنسية لم تقتصر على الأفراد، بل امتدت لتشمل أبناءهم وأحفادهم، مما جعل عشرات الآلاف من العائلات بلا جنسية على الفور. وقد أدت هذه العملية فعلياً إلى إعادة إنتاج أزمة “البدون” المزمنة على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً، فيما تصفه المنظمة بـ “صناعة البدون الجدد”.
ما يوثق التقرير، تطبيق قرارات إلغاء الجنسية بأثر رجعي، حيث يُعتبر الأفراد فاقدين لجنسيتهم قبل عقود. هذه الممارسات تمحو أجيالاً بأكملها من السجلات المدنية، مما يُرسي سابقة قانونية خطيرة ذات عواقب إنسانية واجتماعية وخيمة.
النساء والأطفال في مركز الزلزال
وتذكر منظمة “صحفيات بلا قيود”، ان النساء شكلن شريحة كبيرة من المتضررين، لا سيما من حصلن على الجنسية عن طريق الزواج. فبعد إلغاء المادة (8) من قانون الجنسية، جُرِّدت آلاف النساء – بمن فيهن أمهات مواطنين كويتيين – من جنسيتهن وحقوقهن الأساسية، في انتهاك صارخ لمبدأ عدم التمييز.
كما تحمل الأطفال العبء الأكبر لهذه الأزمة، فقد حُرم الكثيرون منهم من الجنسية والتعليم والرعاية الصحية. وطُرد بعضهم من المدارس الحكومية وسُحبت منهم المنح الدراسية، مما يشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق الطفل في الحماية والتنمية والتعليم.
تم استخدام إلغاء الجنسية “كسلاح سياسي” ضد المعارضين والناشطين والشخصيات العامة في انتهاك صريح لحرية التعبير والحقوق السياسية
المواطنة كأداة للعقاب
وتنبه “صحفيات بلاقيود” ان أحد أخطر جوانب هذه الأزمة يكمن في حماية قرارات نزع الجنسية من المراجعة القضائية بموجب ما يُسمى بمبدأ “أعمال السيادة”. وهذا يترك الضحايا دون سبل انصاف فعّالة أو سبيل للوصول إلى العدالة. ولا تزال لجنة التظلمات، التي شُكّلت عام ٢٠٢٥، هيئة إدارية تفتقر إلى الاستقلالية، ولم تُحقق أي نتائج تتناسب مع حجم الانتهاكات الموثقة.
ويكشف تقرير المنظمة عن الاستخدام المنهجي لإلغاء الجنسية “كسلاح سياسي” ضد المعارضين والناشطين والشخصيات العامة في انتهاك صريح لحرية التعبير والحقوق السياسية.
العواقب الإنسانية.. الموت المدني
على الصعيد الإنساني، ترى المنظمة، ان عواقب قرارات سحب الجنسية تصل فعلياً إلى حد “الموت المدني”، فالضحايا يفقدون فوراً هوياتهم المدنية، وتُجمّد حساباتهم المصرفية، ويُفصلون من وظائفهم، ويُحرمون من الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية. ويدفع هذا الوضع الكثيرين إلى الإفلاس والعزلة الاجتماعية والعيش في خوف دائم من الاعتقال أو الترحيل.
دعوى عاجلة للتحرك
ويختتم تقرير “صحفيات بلا قيود” بالدعوة الى التحرك لوقف تلك النتهاكات، ويطرح توصيات عاجلة تستند إلى التزامات الكويت القانونية الدولية، بما في ذلك:
• الوقف الفوري لعمليات سحب الجنسية الجماعية.
• حظر التطبيق بأثر رجعي وحماية الوضع القانوني المكتسب.
• ضمانات ضد خلق حالة انعدام الجنسية.
• إخضاع قرارات الجنسية لإشراف قضائي مستقل.
• تعبئة الآليات الدولية وآليات الأمم المتحدة لحماية الأفراد المتضررين.
وينبه التقرير، الى ان استمرار هذه السياسات لا يهدد الحقوق الفردية فحسب، بل يهدد أيضاً أسس المواطنة والاستقرار الاجتماعي في الكويت، مما يضع الدولة أمام اختبار حاسم لالتزاماتها الدستورية والإنسانية.