وذكرت وكالات الأنباء أن ما لا يقل عن 30 ألف شخص لقوا حتفهم جراء الاحتجاجات، أغلبهم قتلوا بعد أن قطعت السلطات وسائل التواصل في جميع ارجاء البلاد، والى اليوم اعتقل على الأقل ٤٠ الفا شخصا على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات.
بعد عودة الانترنت لإيران، تفيض وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوهات تظهر اعداد كبيرة من الموتى بينما الأهالي يبحثون عن مفقوديهم بين الجثث بعيون تملئوها الدموع. وكذلك نشرت العديد من الفيديوهات والصور التي تنقل مشاهد من البنايات والشوارع والأسواق المدمرة، وكأن حرب اجتاحت البلاد في غضون البلاد، بالأخص تعرضت شوارع طهران، مشهد، رشت وايلام، الى دمار كبير وصادم.
كيف بدأت؟
بدأت الاحتجاجات مع انهيار العملة الإيرانية في نهاية ديسمبر. حيث انخفض قيمة الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته التاريخية (حوالي 1.4 مليون ريال مقابل الدولار في ٢٧ ديسمبر 2025، بينما تستمر العملة في الانهيار الى اليوم، اذ وصل قيمة الدولار الواحد إلى 1.6 مليون ريال اليوم، واضعا السكان البالغ عددهم نحو 92 مليون نسمة تحت ضغط اكبر.
ووصل التضخم يتجاوز 40%، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 72%، وبطالة واسعة النطاق، وانتشار الإدمان والانتحار بشكل عال في البلاد.
انطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 من سوق طهران الكبير بإضراب التجار، ثم امتدت إلى أكثر من ٢٠٠ مدينة. كانت الاحتجاجات اقتصادية في البداية، لكنها سرعان ما تحولت إلى شعارات معادية للحكومة مثل “الموت لخامنئي”.
ارقام الانتهاكات
وفقاً لتقارير منظمة العفو الدولية، كانت هذه الاحتجاجات الأكبر منذ ثورة 1979، مدفوعة بانهيار الطبقة الوسطى وفشل السياسات الاقتصادية، مما يشير إلى فجوة متزايدة بين النظام والشعب.
في الفترة من 7 إلى 9 يناير 2026، ردت قوات الأمن بعنف شديد ضد المتظاهرين، مستخدمة إطلاق نار مباشر، غاز مسيل للدموع، وأسلحة ثقيلة. وتم قطع الإنترنت على المستوى الوطني في 8 يناير لإخفاء العنف.
التقارير تشير إلى مقتل آلاف المتظاهرين وتظهر جثثهم مرمية في الشوارع، المستشفيات، والمشرحات.
أجبرت السلطات العائلات على دفع مبالغ مالية أو توقيع تعهدات كاذبة لاستلام الجثث.
التقديرات الرسمية الحكومية تتحدث عن 3,117 قتيلاً، لكن منظمات حقوقية مثل “إيران هيومن رايتس” و”هرانا” تقدر الرقم بين 6,000 إلى أكثر من 36,500 قتيل، بما في ذلك 92 طفلاً و209 من القوات الحكومية
أما الجرحى، فيقدر عددهم بآلاف، مع تقارير عن إصابات خطيرة مثل إطلاق نار في الصدر والعيون، وفقاً لتقارير “الغارديان” و”أمنستي” بالنسبة للمعتقلين، أفادت “مركز حقوق الإنسان في إيران” و”هرانا” باعتقال أكثر من 27,000 شخص، بما في ذلك مئات الأطفال، مع عمليات مداهمات منزلية لاعتقال الجرحى.
يُظهر هذا القمع استراتيجية النظام في استخدام العنف للحفاظ على السلطة، لكنه قد يعزز الغضب الشعبي طويل الأمد، كما حدث في احتجاجات سابقة مثل 2019.
وتُشير تقارير موثوقة إلى اعتقال أو معاقبة أطباء وعاملين في مجال الرعاية الصحية بسبب معالجتهم للمتظاهرين المصابين.
تُلاحق السلطات القضائية والأمنية الإيرانية المتظاهرين بشدة، وفي كثير من الحالات تُصنّف مشاركتهم في الاحتجاجات على أنها “عداء لله”، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.
انقطاع الانترنت
وكانت السلطات قد أوقفت خدمة الإنترنت في 8 يناير/كانون الثاني، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لعرقلة تدفق المعلومات بشأن حملة القمع الحكومية ضد المتظاهرين. ورغم ظهور مؤشرات على عودة جزئية لبعض خدمات الإنترنت، تشير تحليلات مستقلة إلى أن مساحات واسعة من البلاد لا تزال عمليًا معزولة عن العالم الخارجي.
ويتنبأ الكثير بأن يتحول الانترنت لشبكة وطنية مغلقة، في سيناريو شبيه للصين. حيث تفرض الصين نظام رقابة صارمًا على الإنترنت، يُعرف بـ”جدار الحماية العظيم ” (Great Firewall)، والذي يعد الأكبر والأكثر تطوراً عالمياً، ويتكهن مراقبون بأن صين أعطت هذه التقنية لإيران في غضون تصاعد الاحتجاجات الأخيرة، وبأن إيران ستستمر بفرضه في الداخل.
بعد نحو ثلاثة أسابيع على واحدة من أوسع عمليات قطع الإنترنت في تاريخ إيران، بدأ بعض السكان، باستعادة إمكانية الوصول إلى الشبكة، ولكن تحت قيود ورقابة مشددة. يتنبأ المراقبون بأن الانترنت لن يعود الى كما كان قبل الاحتجاجات، بالرغم من ان الدولة دائما كانت تمارس الرقابة الشديدة عليه.
الحداد والمقاومة
تحول الحداد الوطني إلى رمز للمقاومة. حوّلت العائلات مراسم الدفن إلى احتفالات بالحياة والاحتجاج، مع الرقص، الموسيقى، والشعارات المعادية للحكومة، كما في مراسم كرج ولردكان. أعلنت الحكومة ثلاثة أيام حداد عام لـ”شهدائها” (قواتها الخاصة)، لكن الشعب حوّلها إلى حداد على المتظاهرين. أعلنت الملكة السابقة فرح بهلوي يوم 23 يناير يوم حداد وطني.
تنتهي فترة الحداد في يوم الـ40 بعد مقتلهم، لقتلى 8 يناير، اي في 17 فبراير، مما قد يؤدي إلى احتجاجات جديدة وكبيرة، على غرار ما حدث في اربعينية مهسا اميني، ويعكس هذا تحولاً اجتماعياً، حيث يصبح الحزن أداة للتعبئة السياسية، مما يهدد استقرار النظام.
ردود الفعل الدولية والتصعيد
مع تفاقم هذه الأزمة الداخلية، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته بشكل حاد، محذراً إيران علناً من أن “الوقت ينفد”، وملمحاً إلى ضربات عسكرية محتملة، وربط مراراً وتكراراً الضغط الأمريكي بالاحتجاجات المستمرة، مدعياً في الوقت نفسه أن طهران “تريد الحوار”.
بالتوازي مع ذلك، حشدت الولايات المتحدة قوات بحرية كبيرة في المنطقة خلال الأسبوع الماضي، بما في ذلك مجموعة حاملات طائرات وسفن حربية مرافقة، مقدمةً هذا الحشد كرادع وإشارة استعداد بدلاً من إعلان حرب فوري. وقد أضافت تصريحات ترامب ونشر السفن الحربية معاً بُعداً خارجياً خطيراً إلى موجة الاحتجاجات المتصاعدة أصلاً، مما زاد المخاوف داخل إيران وخارجها من مزيد من التصعيد.
وأدرج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإسلامي، الذي كان له دور محوري في حملة القمع، على قائمة المنظمات الإرهابية، لينضم بذلك إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والسعودية في تصنيفات مماثلة.انتقد قادة الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تصرفات طهران؛ وتشير التقارير إلى أن صناع القرار الأمريكيين يناقشون خيارات عسكرية محتملة أو إجراءات ضغط أخرى.
وهددت دول عديدة، من بينها مجموعة السبع، بفرض عقوبات إضافية رداً على الرد العنيف.
خلاصة المشهد
الاحتجاجات في إيران تمثل نقطة تحول للجمهورية الإسلامية، لا يمكن تجاهلها او المضي عبرها، وقد تتجه الأمور نحو الاسوء للسكان إن لم يحصل تغيير مفاجئ. بينما يشير محللون إلى وجود انقسامات عميقة داخل الأوساط السياسية الإيرانية حول كيفية الاستجابة للأزمة، كما أن الخسائر البشرية الهائلة معترف بها على نطاق واسع باعتبارها صدمة وطنية.
إيران الآن في واقع مظلم، وتحت اكتئاب واسع، وخوف متبادل بين السلطة والشارع. قد يقلل القمع الاحتجاجات مؤقتاً، لكن المشكلات الاقتصادية غير المحلولة والقمع الواسع النطاق والغضب العام قد يؤديان إلى ثورة جديدة. يشير هذا الحداد الوطني إلى فشل النظام في الاستجابة لمطالب الشعب، مما يهدد بانهيار داخلي. للمزيد من الاستقرار، يحتاج النظام إلى تغيير جذري، بينما الواقع يشير إلى تصعيد محتمل.