غير مصنف: أزمة البرلمان العراقي: تشريح بنيوي للمسارات التشريعية والرقابية وآفاق الإصلاح في الدورة السادسة

أزمة البرلمان العراقي: تشريح بنيوي للمسارات التشريعية والرقابية وآفاق الإصلاح في الدورة السادسة

منذ التحول الجذري الذي شهده العراق في عام 2003، وما أعقبه من تبني للنظام البرلماني كركيزة أساسية لبناء الدولة الجديدة، لم تكن الأزمات المتعاقبة التي عصفت بمجلس النواب العراقي مجرد عوارض سياسية عابرة أو نتيجة لاختلافات بين شخوص الدورات الانتخابية. بل كانت، في جوهرها، تعبيراً عن خلل بنيوي عميق في التأسيس، ونقصاً حاداً في القيم الأساسية التي كان ينبغي أن تلازم ولادة هذا النظام. يمثل البرلمان في النظم الديمقراطية المستقرة حجر الزاوية في عملية التشريع والرقابة ضمن مشروع متكامل لإدارة الدولة، إلّا أن التجربة العراقية أفرزت نموذجاً مشوهاً تحكمت فيه “لحظة الشك” التاريخية، حيث تمترست القوى السياسية خلف هوياتها الفرعية من مذاهب وأعراق وقوميات، مفضلة إياها على الهوية الوطنية الجامعة.

هذا الخلل التأسيسي أنتج مؤسسة تشريعية مثقلة بتوازنات هشة ومصالح ضيقة، وعجزت في أغلب الأحيان عن أداء وظائفها الدستورية باستقلال عن رغبات الكتل المهيمنة، مما جعل الفشل يتكرر كظاهرة نمطية مؤسساتية عبر خمس دورات كاملة. ومع اقتراب الدورة البرلمانية السادسة، يبرز التساؤل الملح حول قدرة هذه الدورة على كسر حلقة الفشل المزمن، خاصة في ظل تراكم القوانين السيادية المعطلة، وتصاعد الجدل حول السلاح والمال السياسي، وغياب المعارضة الحقيقية التي تضمن تصحيح المسار التنفيذي.

الخلل البنيوي في تشكيل العمل البرلماني العراقي: من التأسيس إلى الانسداد

تمثل لحظة تشكيل أول برلمان منتخب في عام 2006 نقطة الانطلاق لدراسة النمط السلوكي المؤسسي في العراق. فمنذ ذلك الحين، أخفقت الدورات المتعاقبة في ممارسة التشريع الرصين والرقابة الفاعلة. والمؤشرات الحالية لا توحي بأن الدورة السادسة (2025-2029) ستخرج عن هذا المسار التقليدي، نظراً لأن منطق المحاصصة والصفقات هو الذي يحكم تشكيل هيئة الرئاسة وتقاسم اللجان البرلمانية.

إن الخطأ التحليلي الشائع يكمن في وصف هذا الإخفاق بأنه فشل إجرائي أو أخلاقي، بينما الحقيقة تكمن في غياب “دورة سياسية مكتملة الأركان”. في النظم البرلمانية الناجحة، تفرز الانتخابات أغلبية تحكم وأقلية تعارض، أما في العراق، فالعملية هي “تدافع دائم على التمثيل” داخل أروقة الدولة، ينتهي دوماً بتقاسم الموارد والسلطة على أسس طائفية وقومية. هذا التوافق المشوه أدى إلى تحويل البرلمان إلى أداة للتقاسم الزبائني بدلاً من أن يكون منصة لبناء دولة الرفاه والمواطنة.

غياب الأغلبية السياسية وتفتت الأدوات الرقابية

في العراق، تعمل الانتخابات على ترسيخ التمثيل المذهبي بدلاً من إعادة توزيع الأوزان بناءً على الأداء. وغياب فكرة الأغلبية السياسية قاد إلى تشتيت النظام وتفكيك أدواته الرقابية. فمن غير المنطقي، وفق العرف السياسي الناشئ، أن تقوم كتلة برلمانية باستجواب وزير ينتمي إليها في الحكومة، أو استجواب شريك استراتيجي، خشية أن يُفتح باب الاستجوابات على وزرائها في المقابل. هذا العرف عطّل الوظيفة الرقابية للجان التخصصية، وأوقف عمليات مكافحة الفساد وهدر المال العام، كما جمد تشريع القوانين التي تتقاطع مع مصالح الكتل المشكّلة للحكومات.

إن المعارضة البرلمانية ليست ترفاً سياسياً، بل هي شرط بنيوي لبناء الدولة الحديثة، وبدونها تذوب المسؤولية ويتحول الفشل إلى حالة جماعية لا يتحمل فاعلها السياسي المسؤولية المباشرة أمام الجمهور. وقد أثبتت التجربة أن غياب المعارضة هو المحرك الأساسي لاستمرار الفساد وتدهور ثقة المجتمع بالعملية السياسية.

Parliament 2

ديناميكيات القوى داخل البرلمان: التوازنات الهشة والبيوتات السياسية

لا يمكن فهم أزمة البرلمان العراقي بمعزل عن دراسة الكتل المكوناتية الثلاث الكبرى، وكيف أثر تشتتها أو تماسكها على الأداء العام للمؤسسة التشريعية.

أولاً: الأغلبية الشيعية ومعضلة التعطيل الذاتي

رغم امتلاك القوى الشيعية للكتلة الأكبر عددياً، إلّا أنها فشلت منذ عام 2005 في تحويل هذا الثقل إلى مشروع حكم موحد أو برنامج عمل متكامل. يعود ذلك إلى غياب الرؤية المشتركة لطبيعة الدولة؛ فهناك تيارات ترى الدولة مجرد أداة لإدارة التوازنات الإقليمية والمحلية، وقوى تقليدية تراها مركزاً للسلطة يجب ضبطه، وقوى عقائدية تربط العمل السياسي بوظائف أمنية ورمزية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. هذا التشتت يمنع تشكل قرار سياسي شيعي موحد لتبني خيار “الأغلبية والمعارضة”، حيث ترفض القوى المختلفة مع الحكومة مغادرة “بيت الأغلبية”، مفضلة البقاء في الداخل كطرف معطل أو مساوم.

ثانياً: ماذا يفعل السنة في البرلمان؟!

لم يفلح التمثيل السني في البرلمان في التحول إلى قوة تشريعية فاعلة ببرامج تنموية، بل ظل دوره محكوماً بمعادلة التوازن الطائفي. الوزن العددي المتوسط للمكون السني جعله في موقع لا يسمح له بتشكيل كتلة حاكمة مستقلة، ولا يضعه في موقع المعارضة المؤثرة، مما أبقاه جزءاً من التشكيل الحكومي ولكن خارج مركز القرار الحقيقي. هذا الضعف انعكس على عدم قدرة القوى السنية على تقديم إجابات واضحة لأسئلة ما بعد الصراع والإعمار والهوية السياسية لمناطقها، وظلت ترفض لعب دور المعارضة لاعتقادها أن ذلك سيفقدها الامتيازات التي فاتتها في لحظة التأسيس الأولى.

ثالثاً: المسارات الكردية والوضوح التفاوضي

يعد البيت السياسي الكردي الأكثر وضوحاً في أهدافه البرلمانية، حيث تتركز أوراقه حول حصة الإقليم من الموازنة، ومنصب رئاسة الجمهورية، وقضايا المناطق المتنازع عليها، وملفات النفط والغاز. وبفضل النظام الفيدرالي، تعيش المنظومة التشريعية في الإقليم حالة من الاستقلال النسبي عن بغداد، مما يجعل العمل السياسي الكردي في البرلمان الاتحادي خاضعاً لتوازنات مصالح دقيقة وثابتة تقريباً منذ عام 2005.

رابعاً: غياب صوت الأقليات والقوى المدنية

يلاحظ في جميع الدورات البرلمانية غياب الصوت المرتفع للمكونات الأخرى (التركمان، الإيزيديين، الشبك، الصابئة)، حيث يتم إدماجهم غالباً ضمن الكتل الكبرى الشيعية أو الكردية. كما تعاني القوى المدنية التي لا تنتمي للبيوتات الكلاسيكية من ضعف التمثيل والتأثير، مما يجعل البرلمان ساحة تهيمن عليها الأوزان الثقيلة للمكونات الثلاثة الرئيسية فقط.

التراكمات التشريعية السيادية: الملفات المعطلة واستحقاقات الدورة السادسة

أدت الظروف الأمنية والمراحل الانتقالية إلى ترحيل ملفات تشريعية جوهرية كان ينبغي حسمها مبكراً. هذه التراكمات تعكس عطباً في المشهد السياسي العراقي، وتمثل الاختبار الأكبر للدورة السادسة:

1- قانون مجلس الاتحاد: المادة 65 والحلقة المفقودة

يعد قانون مجلس الاتحاد من أهم القوانين التي نص عليها الدستور العراقي في المادة 65، ليكون الغرفة التشريعية الثانية التي تمثل الأقاليم والمحافظات. الغاية الدستورية منه هي تصحيح الاختلال في تمثيل الوحدات المكونة للدولة، إلا أن القوى السياسية المهيمنة على البرلمان منذ 2005 لم ترغب في إنشاء مجلس موازٍ قد ينتزع جزءاً من صلاحياتها وامتيازاتها.

هذا الغياب أدى إلى تداعيات خطيرة، منها:

– تحويل الخلافات بين المركز والأطراف إلى صراعات سياسية تفاوضية بدلاً من حسمها مؤسسياً ودستورياً.

– تضخم دور المحكمة الاتحادية العليا، حيث أُقحم القضاء في ملفات كان يفترض أن تُحسم سياسياً داخل غرفتي البرلمان، مما حمل القضاء أعباءً سياسية لم يُصمم لها.

– فقدان النظام الاتحادي لأداته الضابطة والمصححة للمسارات التشريعية الخلافية.

تشير المسودات المطروحة للنقاش في عام 2025 إلى أن مجلس الاتحاد يجب أن يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وأن يتألف من عضوين لكل محافظة، مع اشتراطات دقيقة للمرشحين تتعلق بالأهلية والنزاهة. إن تفعيل هذا القانون في الدورة السادسة يعد ضرورة قصوى لاستكمال البناء الدستوري العراقي.

2- قانون النفط والغاز: صراع السيادة والمغانم

يعتبر قانون النفط والغاز التشريع الأكثر استراتيجية وحساسية، لكونه ينظم ملكية وإدارة وتوزيع الموارد الطبيعية التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الدولة. تأجيل هذا القانون منذ عام 2005 لم يكن لعوائق فنية، بل لتعميق الاختلاف السياسي على تقاسم المغانم النفطية بين بغداد وأربيل.

إن غياب هذا القانون أدى إلى:

• الاعتماد على اتفاقات سياسية مؤقتة وتفاهمات هشة بدلاً من القانون العام.

• إضعاف موقع العراق التفاوضي دولياً وخلق بيئة غير مستقرة لشركات الطاقة العالمية.

• تسييس الاقتصاد النفطي وربط الاستقرار المالي بالتوافقات السياسية المتقلبة.

تتمسك أربيل بالإدارة المشتركة للحقول، بينما تسعى بغداد لتعزيز سيطرة الحكومة الاتحادية على العقود والإيرادات. ومع وصول الاقتصاد العراقي إلى مراحل حرجة، أصبح إقرار هذا القانون شرطاً حاسماً لأي تحول نحو اقتصاد إنتاجي متنوع وتنمية مستدامة.

3- قانون الحشد الشعبي بين المؤسسة والسياسة

شُرع قانون الحشد الشعبي في عام 2016 في سياق الحرب ضد داعش، لكنه بقي إطاراً تنظيمياً عاماً لم يحسم قضايا حيوية مثل هيكلية القيادة والسيطرة، والعلاقة العضوية بوزارتي الدفاع والداخلية، وحدود الاستقلال المالي والإداري. هذا الغموض أنتج وضعاً هجيناً؛ حيث يتمتع الحشد بشرعية قانونية ولكنه يحتفظ بهوامش استقلال تتجاوز القواعد النظامية للقوات المسلحة.

في عام 2025، برز جدل محتدم حول مسودة قانون جديد للحشد الشعبي تهدف لتحويله إلى مؤسسة أمنية مستقلة ترتبط برئيس الوزراء، مع منح رئيس الهيئة صلاحيات واسعة ورتبة وزي. يواجه هذا التوجه رفضاً كردياً وسنياً، فضلاً عن تحفظات دولية ترى فيه محاولة لاستنساخ نماذج أمنية إقليمية، مما قد يعزز تفكك السلطة المركزية بوجود قوة مسلحة موازية. وتؤكد القوى الرافضة أن مهمة الحشد انتهت بنهاية داعش، وأن الأولوية يجب أن تكون لحصر السلاح بيد المؤسسات التقليدية (الدفاع والداخلية).

4- قانون الانتخابات وفلسفة الهويات المغلقة

أثبتت انتخابات 2021 والعودة لاحقاً إلى نظام “سانت ليغو المعدل” أن القوانين الانتخابية تُفصل لتناسب أوزان القوى الكبيرة المهيمنة. الخلل يكمن في الفلسفة القائمة على التمثيل الجماعي للمكونات بدلاً من التنافس على برامج سياسية عابرة للطوائف، مما جعل البرلمان انعكاساً للانقسامات الاجتماعية بدلاً من أن يكون منصة لصياغة الحلول الوطنية. الدورة السادسة أمام مسؤولية جسيمة لتصحيح هذا العطب لاستعادة الشرعية الاجتماعية المتآكلة للمؤسسة التشريعية.

5- قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 2015: المال والسلاح

رغم صدور هذا القانون لتنظيم التعددية، إلا أنه فشل في معالجة أخطر عنصرين يشوهان العمل السياسي: المال غير المنظم والسلاح. النصوص المتعلقة بمصادر التمويل بقيت شكلية وتفتقر لآليات تدقيق صارمة، مما سمح للمال السياسي بالتحول إلى أداة حاسمة في بناء النفوذ الانتخابي. كما أن حظر وجود أجنحة مسلحة للأحزاب لم يُفعل بشكل حقيقي، مما يجعل تعديل هذا القانون ضرورة بنيوية في الدورة السادسة لضبط العلاقة بين العمل الحزبي وبناء الدولة.

استحقاقات السادسة: من صفقات المكونات إلى رحاب الدولة الجامعة

إن استعراض مسيرة الدورات البرلمانية الخمس الماضية بكل إخفاقاتها البنيوية، يؤكد أن الإصلاح المنشود في العراق لا يمكن أن يقتصر على الجوانب الإجرائية أو التشريعية الفنية، بل يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة النظام السياسي الذي عانى طويلاً من خلل التأسيس القائم على المحاصصة بدلاً من المواطنة. الدورة السادسة اليوم أمام مسؤولية تاريخية لكسر حلقة “الفشل المزمن” عبر تبني مسار تشريعي وطني يتصدره قانون تجريم الطائفية والعنصرية لمكافحة الخطابات الممزقة للهوية الوطنية، بالتوازي مع حسم القوانين السيادية المعطلة كقانون مجلس الاتحاد الذي يمثل صمام أمان النظام الاتحادي، وقانون النفط والغاز الذي قد يساهم بإنهاء التخبط الاقتصادي والتبعية للمساومات السياسية. إن استعادة الشرعية الاجتماعية المتآكلة للمؤسسة التشريعية مرهونة بإنهاء حالة التماهي بين البرلمان والحكومة عبر بناء نظام حقيقي للأغلبية والمعارضة يحدد المسؤولية السياسية بوضوح، ويفعل الوظيفة الرقابية المعطلة، مع ضرورة فرض ضوابط صارمة على المال السياسي وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية لضمان عدالة التنافس الديمقراطي. وبدون هذا التحول الشامل نحو “الدولة الجامعة”، سيبقى البرلمان ساحة لتقاسم المغانم الزبائنية بدلاً من أن يكون منصة لصياغة الحلول الوطنية وتحقيق استقرار العراق المستدام.

المزيد عن غير مصنف

غير مصنف","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32756}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">