غير مصنف: المشكلة الكردية بين التأريخ والجغرافيا .. على ضوء عمليات الشرع ضد الكرد في سوريا

المشكلة الكردية بين التأريخ والجغرافيا .. على ضوء عمليات الشرع ضد الكرد في سوريا

لم يعِ الكرد في سوريا أن بشار الأسد ولّى إلى غير رجعة، وأن مَن يحكم سوريا الآن رجل خلع عمامته وارتدى ربطة عنق برغماتية نسّق من خلالها أمره مع "تاجر بترول" في البيت الأبيض و"جزّار فاسد" ينتظر محاكمته في تل أبيب.

سليم سوزه

تشبه القضية الكردية في بعض تفاصيلها قضية يهود الشتات في العالم. الفرق أن الكرد موزّعون على خمس دول متجاورة، والتي هي (مع عقرب الساعة): العراق، سوريا، تركيا، أذربيجان، إيران، فيما يهود الشتات موزّعون على دول أوربا والعالم قبل إنشاء شيء اسمه إسرائيل. للكرد جغرافيا محدّدة وليهود الشتات تاريخ معروف.

من الصعب فهم المسألة الكردية دون فهم طبيعة وسياق نشوء دول الأقليم التي اقتسمت جبال الكرد فيما بينها نتيجة حدود وضعها الاستعمار عبثاً أو بدراية وعمد. مَن يدري!

ومنذ تلك الفترة، صار الشعب الكردي خمسة شعوب في خمسة بلدان متجاورة. لكل شعب منها عاداته وثقافاته وتقاليده ولهجته الخاصة، أو في الأصح، لغته الخاصة المختلفة كثيراً عن اللغات الكردية الأخرى.

لذا قيام دولة كردية واحدة تضم خمسة شعوب كردية مختلفة أشبه بحلم رجل يبحث عن ثمرة في نبتة لم تُزرَع بعد.

وإذا كانت هناك قوّة استعمارية كبرى ساعدت يهود الشتات على إيجاد جغرافيا محدّدة من تاريخ يهودي معروف يعود إلى ألفي عام ويزيد، فليس ثمّة قوّة مثل هذه اليوم تساعد الكرد على صناعة تاريخ من جغرافيا محدّدة ومنقسمة على خمس دول. هنا يكمن الفرق بين الكرد واليهود.

الكرد شعب بجغرافيا محدّدة، لكن بلا تاريخ وكتابة (أقصد بالتاريخ تاريخهم كأمّة مستقلة وحاكمة على أرضها، لا تاريخهم كأفراد وأنساب وكمجموعة بشرية تعيش في هذه المنطقة منذ القدم)، فيما اليهود شعب بتاريخ قديم وبكتب وأنبياء حاكمين، لكنهم بلا جغرافيا محدّدة منذ السبي البابلي.

وحتى قبل السبي البابلي، لم تكن تلك الجغرافيا اليهودية سوى مملكتين صغيرتين، واحدة في الشمال (السامرة) وأخرى في الجنوب (يهودا)، وهما لا يشكّلان سوى ربع مساحة فلسطين الحالية، وكانتا غارقتين وسط خليط عدائي من الأقوام والإثنيات مثل العرب الكنعانيين والفينيقيين واليبوسيين والعمالقة وغيرهم.

مع ذلك، اختزل الاستعمار الغربي ألفي عام من الشتات وعاد إلى كتب التاريخ لإنشاء وطن لليهود في أرض يعرفها الجميع باسم فلسطين، فيما لم يحقّق رغبة الكرد في وطن مستقل عاشوا ولازالوا على سفوح جباله منذ مئات السنين.

جمع الاستعمار شتات اليهود في وطن واحد، بينما شتّت جمع الكرد على خمسة أوطان. سمحَ لدول الأقليم أن تحكم باسم إثنياتها (فرس وعرب وترك وأذر)، فيما أجبر الكرد على التخلّي عن إثنيتهم ليذوبوا في إثنيات الأوطان الأخرى ويكونوا أولاداً عاقلين في حضرة “أسيادهم”من غير الكرد.

باختصار مشكلة اليهود مشكلة جغرافيا، فيما مشكلة الكرد مشكلة تاريخ. لا تنشأ الأمم إلّا باجتماع التاريخ والجغرافيا سوية (إسرائيل حالة استعمارية خاصة). هذه حقيقة تغيب أحياناً عن ذهن الكثير، بمَن فيهم القيادات الكردية المتصدّية للعمل السياسي والعسكري في العراق وسوريا وتركيا وإيران، وبدرجة أخف أذربيجان.

قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، على سبيل المثال، أو تحديداً كرد سوريا (لأن قسد تحالف كرد وعشائر عربية سورية انقلب جزء منها واصطف مع جيش الشرع بعد اختلال موازين القوى ورجحان كفّة الأخير على كفّة الكرد) لم تفهم معادلة التاريخ والجغرافيا جيداً. تمدّدت كثيراً في محافظات ومناطق سورية عدّة لحظة الصراع مع داعش ونظام بشار الأسد سوية.

هذا التمدّد عنصر قوّة في لحظة ما، لكنه عنصر ضعف في لحظات أخرى. لم يعِ الكرد في سوريا أن بشار الأسد ولّى إلى غير رجعة، وأن مَن يحكم سوريا الآن رجل خلع عمامته وارتدى ربطة عنق برغماتية نسّق من خلالها أمره مع “تاجر بترول” في البيت الأبيض و”جزّار فاسد” ينتظر محاكمته في تل أبيب.

(((مانشيت))(((((قدّم الشرع لترمپ مالم تقدّمه قسد له. هذا ما قاله ترمپ قبل أيام. قال “إننا أنفقنا المليارات على الكرد ولم نحصل منهم على شيء في المقابل. أنا أحبهم لكن عليهم أن يفهموا أن دعمنا لهم لا يجب أن يكون بلا مقابل))))

كانت قسد تتقوّى بأمريكا، ولكنها لا تعلم أن مَن يحكم بيتها الأبيض اليوم رجل مستعد أن يحرق سرير نومه لو وجد بقعاً من البترول تحته. قدّم الشرع لترمپ مالم تقدّمه قسد له. هذا ما قاله ترمپ قبل أيام. قال “إننا أنفقنا المليارات على الكرد ولم نحصل منهم على شيء في المقابل. أنا أحبهم لكن عليهم أن يفهموا أن دعمنا لهم لا يجب أن يكون بلا مقابل. عليهم أن ينضموا إلى الدولة السورية الجديدة، فتحالفنا معهم كان تحالفاً لدحر داعش فحسب، وليس تحالفاً ضد الدولة السورية التي يقودها اليوم رجل شجاع مثل أحمد الشرع”.

كلامه يعني أن دعمه لسوريا الشرع اليوم بمقابل، والمقابل معروف، هو آبار النفط السورية في شرق الفرات التي كان جزء منها يقع حتى الأيام القليلة الماضية تحت سيطرة قسد وحلفائها. مع ذلك، النفط ليس كل الحكاية. توافق حكومة الشرع على كل ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون، فمَن تكون قسد لتقف أمام حكومة كهذه! لن يُسمَح لها بذلك.

لا تدعم أمريكا الميليشيات في الدول. تفضّل دعم حكومات الدول الصديقة فحسب. إن كانت قد دعمت ميليشيات في السابق فهي تدعمها في ظروف خاصة للغاية. دعمت أمريكا ميليشيات قسد أمام عصابة داعش وفي ظروف هشاشة الدولة السورية المركزية وغياب حكم الأسد تقريباً على بعض المحافظات والأطراف. لمجرد سقوط نظام الأسد ومجيء نظام “صديق” كنظام الشرع، تخلّت عن ميليشيات قسد وباعتها في لحظة. لم تكن قسد تفكّر في هذا السيناريو. ذهبت بعيداً في خيالها بعد أن شعرتْ أنها تصنع “وطناً” لها في عمق سوريا وفي غفلة من التاريخ والجغرافيا.

توافق حكومة الشرع على كل ما يريده الأمريكيون والإسرائيليون، فمَن تكون قسد لتقف أمام حكومة كهذه توافق على كل شيء.

انهار كل شيء في لحظة بعد أن أدركت قسد أنها لم تعد تقاتل نظام بشار الأسد المعزول دولياً، بل نظام جديد عرفَ كيف يشبك مصالح الأمريكيين والإسرائيليين على الأراضي السورية ويحوّلهم من عدو إلى حليف، يسير معهم بأمان نحو الحدود الشرقية تاركاً حدوده الغربية بجولانها وسويدائها وقنيطرتها، تلك التي عليها فيتو أمريكو-إسرائيلي.

في الوقت ذاته، ليس دعم الأمريكيين لحكومات الدول بلا حدود ولا مقابل. فأمريكا لا ترى في مثل هذا الدعم سوى سطوتها فحسب. وإن شعرت بفقدان تلك السطوة وتحوّلت العلاقة إلى صورة بلا مصالح، تنقلب على حلفائها في لحظة.

لحظة النشوة التي تظهر على خدود نظام الشرع الحالي وانفلات ألسنة جنوده نحو خطاب السلخ والجز في الصراع مع الكرد حوّلَ الأمر بالنسبة إلى كرد سوريا من تهديد سلطة إلى تهديد وجود، وهو التهديد الأخطر في الانقسامات الاجتماعية لأنه يدفع الفرد إلى اليأس، واليأس لا يلد حكمةً وهدوءاً، بل شراسة عدمية تحوّل الأجساد إلى قنابل لحم بوجه خصومها.

في النهاية، يجب أن تفهم قسد أنه مهما علا شأن الميليشيات يوماً، لا يمكن لها أن تنتصر على منطق الدولة. منطق الدولة سينتصر في الأخير، حتى لو كان منطق دولة ذبّاحين وسيّافين وقتلة وجزّازي رؤوس من خرّيجي مدرسة القاعدة وداعش والنصرة، كدولة سوريا الحالية.

على قسد أن تفهم المعادلات الدولية الحالية الحاكمة على الشرق الأوسط وأن تقتنص أنصاف الفرص لصناعة سلام ولو بنكهة الانكسار، لأن في ذلك نجاةً للكرد ووجودهم الاثني والثقافي واللغوي داخل الأراضي السورية.

يعرف مظلوم عبدي هذا جيداً فذهب نحو خيار التفاوض وسط شتائم واتهامات من بعض بني جلده لا يستحقها للأمانة.

*عن صفحة الكاتب على فيسبوك

المزيد عن غير مصنف

غير مصنف","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32750}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">