

المقولة الشائعة المتداولة الآن، والمدعية بأن السياسة لا تعرف سوى المصالح ولا أخلاق فيها، هي مقولة جوفاء وهراء. أيُّ سياسة تفتقر إلى الأخلاق هي بالضرورة سياسة فاشية.
الهجوم على روجآفا هو هجوم يثبت مرة أخرى أن كردستان هي “مستعمرة دولية”؛ ليس بمعنى أن الدول المحتلة هي وحدها المستفيدة من الاحتلال، بل بمعنى أن استراتيجية الغرب مصممة أيضاً على إدامة هذا النمط من الاستعمار. مصطلحات مثل: “سوريا الموحدة”، “العراق الموحد”، “إيران الموحدة”، “تركيا الموحدة”، هي مصطلحات تمنح القدسية لهذا النظام السياسي القائم… والغرب هو المنتج والحارس الشرعي لهذه المصطلحات.
“توم باراك” ليس مجرد فرد؛ فمهاجمته كشخص دون انتقاد كامل للنظام السياسي الذي يقف خلفه لا معنى لها. باراك هو ممثل لنوعية السياسيين الذين ينتجهم العقل المحافظ الغربي الآن. لقد عادت الرأسمالية الجديدة في عهد ترامب إلى شكلها الإمبريالي الكلاسيكي الصريح، أي أنها لم تعد تعمل تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل انشغلت بصناعة “حكام دمى” (قرقوز) يمكن تحريكهم كما يشاءون. الغرب لا يمكنه تحويل الأحرار في الشرق إلى دمى، لكنه يستطيع بسهولة تحويل نماذج مثل “الجولاني” إلى دمى. توم باراك ليس هنا ليحل مشاكل الشرق، بل هو هنا ليبحث عن أفضل “قرقوز”.
ثورة “الإسلام السياسي” لم تكن يوماً ثورة ضد أمريكا ومصالحها، بل كانت ثورة ضد الحداثة والقوى التقدمية الداخلية في الشرق. أن يندمج مشروع الإسلام السياسي مع السياسة الغربية تماماً في لحظة ما، ليس أمراً مستحيلاً، بل هو واقع نلمسه منذ بدايات حرب أفغانستان وحتى الآن، ويتكرر كل يوم.
كما قلتُ في عشرات المواضع الأخرى، الفاشية الشرقية ليست مجرد نظام أو حزب أو أيديولوجيا تأتي وتذهب، بل هي المبدأ الذي صاغ البنية التحتية للعقل السياسي منذ بدايات دخول الحداثة إلى الشرق. أي دولة أو قوة في الشرق تصل إلى منابع القوة والهيمنة لا يمكنها إلا أن تكون فاشية. هذه حلقة تاريخية مفرغة تتكرر منذ أكثر من مائة عام. الفاشية هي المحرك الذي يحرك الخيال السياسي والديني في الشرق. إن سياسة القوميين العرب والإسلامويين العرب، وكذلك القوميين والمتدينين الفرس والأتراك، لا يمكنها أن تعمل دون مخيال فاشي قائم على تصفية “الآخر”. الدول والمنظمات والأحزاب القومية والدينية في الشرق تُؤسس أصلاً بنية التصفية و”الأنفال”. الإبادة الجماعية ليست حدثاً مفاجئاً أو خطأً عابراً، بل هي الهدف الأسمى للعقلية الفاشية التركية والعربية والفارسية. لقد صُممت العقلية القومية-الدينية في الأساس لإبادة الآخرين ومحو الشعوب والمذاهب الأخرى. بمعنى أوضح: “مجمل العملية السياسية” في الشرق قائمة على بنية تحتية ومخيال فاشي. ومن هنا، فإن نقد الفاشية لا ينفصل عن نقد السياسة نفسها التي تنتجها وتحركها.
الغرب المحافظ والرأسمالي يريد أن يكون له دور محوري في رسم الخارطة السياسية للشرق، أي أن يضع هو القواعد الأساسية للعبة. وفي قواعد هذا الغرب، لا مشكلة في أن تكون فاشياً، أو ترتكب إبادة جماعية، أو تمحو الآخرين… هذه حقيقة نعرفها منذ عهد صدام حسين. الاعتقاد بأن الغرب سيتخلى عن الفاشيين الشرقيين لمجرد أنهم فاشيون هو “خرافة كبرى”. الغرب ينقلب على الفاشيين فقط عندما لا يلتزمون بقواعد اللعبة التي يريدها. لكن علينا الحذر من الوقوع في خطأ استراتيجي كبير؛ فالغرب ليس مرادفاً لترامب والرأسماليين والجنرالات والتجار، هناك “غرب آخر” يناضل منذ عقود ضد هذا النموذج. مساواة الغرب كله بخطاب محافظ واحد ينتج خطاباً متخلفاً يعزلنا عن الجزء المناضل والتحرري في العالم.
روجآفا هي المحاولة الجدية والجوهرية الأولى في التاريخ الحديث للشرق لكسر ذلك القالب الفاشي للسياسة. ما يحدث الآن ليس فشلاً لنموذج روجآفا كما يروج البعض، بل هو إثبات للأهمية والراديكالية والقيمة التاريخية لهذا النموذج.
تلك الـ “لا” التي نطق بها “مظلوم عبدي”، ليست “لا” كبيرة في وجه “أحمد الشرع” (الجولاني) فحسب، بل هي “لا” كبيرة في وجه “توم باراك” أيضاً. تكمن قوة هذه الـ “لا” في دمشق في أنها ليست مجرد رفض لمحتلي كردستان، بل هي رفض لمنظومة السياسة العالمية برمتها التي تريد تحويل التبعية والاستعمار إلى حالة طبيعية وعادية. هذه الـ “لا” هي صرخة كبرى، قد يكون ثمنها باهظاً جداً، لكنها “لا” تشبه صرخات كل الثوار الحقيقيين في التاريخ، وسيتردد صداها عميقاً في وجدان التاريخ.
تكمن “خطورة” روجآفا في أنها قالت للجميع: “يمكن لكل شيء أن يكون مختلفاً”، أي أن صياغة نموذج “مضاد للفاشية” قائم على المساواة والحرية واحترام المرأة ليس أمراً مستحيلاً، بل هو شيء ينبع من إرادة كل الأحرار. رفع شعار “المرأة، الحياة، الحرية” في الثورة الإيرانية كان جرس إنذار لجميع أنظمة المنطقة وللفاشيين الدينيين، بأن هناك نموذجاً يمكنه النفاذ إلى المجتمعات الأخرى. لقد استطاعت روجآفا رسم مسار سياسي جديد وطرح أهداف سياسية جديدة في حوضٍ لم ينتج منذ قرن سوى الشعارات الفاشية والمحافظة. باختصار، المسألة ليست تكراراً لـ “خيانة الغرب” للكرد، بل هي خوف أعمق من صعود بديل سياسي راديكالي يقدم نموذجاً جديداً للمقاومة لأحرار المنطقة.
كما أكدتُ في أماكن أخرى، الخطر الذي يهدد الكرد ليس شيئاً مؤقتاً أو عابراً؛ فاعتقاد أي جزء من كردستان بأنه خرج من دائرة الخطر هو خطأ استراتيجي مرعب. التهديد الوجودي للكرد يتطلب مواجهة استراتيجية وجودية. ما يجب أن تجسده هذه المواجهة هو -أولاً- إرادة عامة ضد الخمول والاستسلام، وتجاوز “أزمة الإرادة” التي يعاني منها السياسي الكردي منذ قرن. أكبر خطر على إرادتنا هو ذلك الخطاب الجبان الذي يتحدث عن “وحدة الكرد” وافتقارهم للدعم… ما يحدث الآن يجب أن يكون جرس إنذار كبير للكرد في الجنوب (إقليم كردستان) والشرق (كردستان إيران) لإعادة صياغة استراتيجية عملهم ومقاومتهم بالكامل. دون إعادة بناء سياسة المقاومة، فإن الوضع الحالي ينذر بكوارث كبرى. يجب أن يحل وضع “الخطط الاستراتيجية للمقاومة طويلة الأمد” محل الخطاب الحماسي القصير والمؤقت الذي ينتهي مفعوله بعد أيام. بما أن نظاماً فاشياً وحشياً في تركيا والعالم العربي يجدد نفسه باستمرار، فنحن الكرد نعتبر الغذاء الأول لهذه الماكنات الفاشية. هذه ليست قصة يوم أو شهر أو سنة… هذا الوضع التاريخي سيستمر لزمن طويل غير معلوم، ومن يريد أن يعيش
من صفحة الكاتب الروائي بختيار علي في فيسبوك.
المزيد عن آراء
آراء
آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32737}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">






