آراء: استفحال أزمة المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي… ما الذي يوقف الانحدار؟

استفحال أزمة المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي… ما الذي يوقف الانحدار؟

لا يكاد يمر أسبوع دون أن تبرز صور ووقائع تظهر خللاً بنيوياً في العمل الإعلامي، وافتقاداً متزايداً لأسس المهنية والقيم الصحفية الأخلاقية، بدءاً من الانحياز الفاضح وافتقاد الحد الأدنى من الحياد، ومروراً بانتهاج خطاب هجومي يتجاوز على كل أسس الموضوعية، وانتهاءً بالتشهير ومحاكمة الآخرين.

يعاني المشهد الإعلامي الحالي من أزمة كبيرة ذات وجوه متعددة، تتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الممارسة الصحفية المهنية والانحياز الأيديولوجي والمواقف والمصالح الشخصية، الى جانب تراجع “صادم” في المهارات الأساسية للكتابة والصياغة والخطاب المهني.

هذا التداخل الخطير يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإعلام كسلطة رقابية مستقلة، وحول تداعيات عدم التزام الصحفيين بالمعايير الأخلاقية والمهنية التي تحكم عملهم. فالإعلام الذي وُصف تاريخياً بـ”السلطة الرابعة” يُفترض أن يكون حارساً لمصالح المجتمع، لا خادماً لأجندات سياسية أو تجارية ضيقة.

يفقد الإعلام عندما يتماشى مع أجندة سياسية محددة، جوهر رسالته ويتحول من سلطة رقابية إلى أداة دعائية، ومن موقف مبني على ضمان المصلحة العامة إلى توجه لخدمة مصالح ضيقة. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في الكتابات الصحفية على منصات التواصل الاجتماعي وفي الخطاب التلفزيوني الذي تغيب عنه الموضوعية، حيث يعمل اعلاميون كمروجين لجهات سياسية ومدافعين عنها متجاوزين كل المعايير المؤسسية للعمل الصحفي.

ولا يكاد يمر أسبوع دون أن تبرز صور ووقائع تظهر خللاً بنيوياً في العمل الصحفي الإعلامي، وافتقاداً متزايداً لأسس المهنية والقيم الصحفية الأخلاقية، بدءاً من الانحياز الفاضح وافتقاد الحد الأدنى من الحياد، ومروراً بانتهاج خطاب هجومي يتجاوز على كل أسس الموضوعية، وانتهاءً بالتشهير ومحاكمة الآخرين.

وفي هذا السياق، لا بد من التمييز الدقيق بين حق الصحفي في التعبير عن رأيه الشخصي كفرد، وبين واجبه المهني الملزم بالحياد والموضوعية عند ممارسة عمله الصحفي. فالصحفي ليس محروماً من الانتماء السياسي أو الفكري، لكن التزامه المهني يفرض عليه عدم السماح لهذا الانتماء بالتأثير في معالجته للأخبار والأحداث.

أدوار سياسية مصلحية

حين نرى كل هذه المؤسسات الإعلامية تتنكر للمهنية وتنخرط في خدمة أجندات حزبية وسياسية ضيقة، أو تمارس دور الحارس الأمين على سمعة مموليها، فإن خيبة الأمل تتسلل إلينا، ومعها يتزعزع الإيمان بإمكانية التغيير المجتمعي.

المؤسسات الإعلامية التي تحترف الدفاع عن الأحزاب أو مهاجمتها لا تستحق أن تُصنّف إعلاماً؛ فهي في حقيقتها منابر دعائية تبث رسائل حزبية مغلفة بقشرة إعلامية. هذا الانحراف لا يقتصر ضرره على تشويه وعي المتلقي فحسب، بل يمتد ليهدد النسيج السياسي والاجتماعي برمته، ويساهم في تعميق الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع.

الصحافة الحقيقية منصة لنقل الحقائق وتحليل الأحداث بمهنية وموضوعية، وليست منبراً للمديح أو الإشادة بالكيانات السياسية والدينية والاجتماعية، أو العكس: الهجوم عليها. فالصحفي الحقيقي يسعى لكشف الحقيقة، لا لتجميلها أو تشويهها بحسب ميوله أو مصالح جهة عمله.

كما أن تباهي المؤسسات الإعلامية بقدرتها على التأثير في مجرى الأحداث يمثل عامل قلق كبير، خاصة إذا كانت تلك المؤسسات تعمل خارج حدود الحياد المهني؛ فهنا قد ينقلب دور الإعلام من نقل الأحداث وتحليلها بموضوعية والتنبيه إلى الأخطاء أو مواضع الفساد والخلل، إلى المشاركة في صناعتها، وهذا يحول المؤسسة الإعلامية إلى لاعب سياسي بدلاً من كونها مراقباً محايداً. وهنا تحضر قناة “الجزيرة” و”العربية” و”الحدث” إلى جانب سلسلة أخرى من القنوات المحلية، في الذاكرة العراقية، وكيف ساهمت في تأجيج الخلافات وزيادة الصراعات؟

افتقاد المهارات

يعاني المشهد الإعلامي أيضاً من ظاهرة مقلقة تتمثل في افتقار عدد كبير من المنتسبين إلى مهنة الصحافة إلى المهارات الأساسية للكتابة الصحفية. هذا القصور لا يقتصر على ضعف اللغة وركاكة التعبير فحسب، بل يمتد إلى غياب القدرة على صياغة الخبر بموضوعية، وبناء الحجج بمنطق متسلسل، والتمييز بين الرأي والحقيقة، إضافة إلى ضعف التحقق من المصادر والتدقيق في التفاصيل.

والأخطر من ذلك أن كثيرين من هؤلاء لا يشعرون بهذا النقص، بل يعيشون في وهم الكفاءة المهنية، غير مدركين أن ضعف قدراتهم واضح للعيان. بل إن بعضهم يعتقد أنه متميز إلى حد الاستثنائية، في مفارقة تكشف عن غياب النقد الذاتي والوعي المهني.

يمثل التمكن من أدوات الكتابة العمود الفقري للممارسة الصحفية، فهي ليست مجرد أداة تقنية لنقل المعلومات، بل فن يتطلب دقة في اختيار الكلمات، ووضوحاً في العرض، والتزاماً بالمعايير المهنية. إنها مرآة تعكس العمق الثقافي والمعرفي للصحفي، وقدرته على تحليل الأحداث وتأطيرها بشكل منهجي ومفهوم.

النقل والترويج

وتبرز في هذا السياق إشكالية بالغة الأهمية تتعلق بالخلط بين النقل الموضوعي والترويج التجاري، فهناك حد فاصل بين الأمرين يتطلب من الصحفي الانتباه له. وينبغي ألا يتخذ أسلوب الكتابة والتقديم والنشر طابعاً إعلانياً تجارياً صارخاً، كما يجب ألا يكون عدائياً أو هادفاً إلى تشويه الموضوع.

عندما يتحدث الصحفي عن إنشاء مشروع سكني، قد يصبح الحديث نفسه نوعاً من الإعلان التجاري يشجع الناس على الشراء، بغض النظر عن طبيعة المشروع. بعض المؤسسات الإعلامية الموجّهة تمارس هذا الخلط عمداً لصالح جهات معينة، بينما مؤسسات أخرى تقع فيه عن جهل وعدم وعي، حيث لا تستطيع التمييز بين النقل المهني للأخبار والترويج التجاري.

لهذا الفعل تداعيات تشمل تشويه الحقائق وتضليل الجمهور، ولاحقاً إضعاف مصداقية المؤسسات الإعلامية. إنه خلل جوهري يحوّل الصحافة من أداة استنارة إلى وسيلة للفوضى المعلوماتية، ويجرد الصحفي من هويته المهنية، ويختزل دوره في مجرد ناشط رقمي يتستر خلف واجهة إعلامية زائفة.

وبالنظر إلى المشهد الإعلامي في العراق تحديداً، نجد فجوة مقلقة بين الادعاء المهني والقدرة الفعلية، حيث يحمل كثيرون صفة “صحفي” أو “إعلامي” دون أن يمتلكوا الحد الأدنى من المهارات اللغوية والكتابية المطلوبة. فكيف يمكن لمن لا يتقن الكتابة أن يوصل رسالة واضحة ومؤثرة للجمهور؟ وكيف يمكن أن نثق بتحليلات من لا يستطيع صياغة جملة صحيحة لغوياً؟

وسط هذه السلبيات التي تُؤطِّر المشهد الإعلامي وتتغلغل فيه، يتطلب استعادة الدور المسؤول لوسائل الإعلام، إعادة بناء شاملة للمعايير المهنية والأخلاقية من الأساس، والتأكيد على أهمية الاستقلالية والموضوعية كركائز لا يمكن التنازل عنها. كما يستدعي ذلك الاستثمار الجاد في تطوير مهارات الصحفيين، وعلى رأسها الكتابة والتحرير والتفكير النقدي، لضمان تقديم محتوى يخدم المصلحة العامة بعيداً عن الأجندات الضيقة.

وهذا يتطلب جهوداً متضافرة من كل الجهات المعنية، مثل المؤسسات الأكاديمية والنقابات المهنية والمؤسسات الإعلامية الجادة، بعيداً عن التأثير السلبي للإعلام الموجَّه الخاضع عمله لأجندات كيانات سياسية، وهي ذاتها التي تمارس أدواراً للإبقاء على الموت السريري للنقابات المعنية وتعطيل القدرة على المساءلة الحقيقية.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32539}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">