بدأت بالتجار قبل ان تتوسع.. هل ستفضي الاحتجاجات في إيران إلى إسقاط النظام؟
تتردد في شوارع طهران هذه الأيام هتافات لم يكن أحد يُجرؤ على إطلاقها في السابق، منها "الموت للديكتاتور" التي يصدح بها المحتجون على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، معلنين بها عدم مقدرتهم على تحمل الضغوطات التي باتوا يواجهونها بنحو يومي. فهل تفضي الاحتجاجات التي بدأها تجار وانضم اليهم طلاب جامعات وشرائح اوسع، في اسقاط النظام؟
تتعالى صرخات المحتجين في ايران على تردي الأوضاع المعيشية بنحو غير مسبوق، في ظل الارتفاع القياسي لمستويات الأسعار في البلاد، والذي دفع شرائح عديدة من المجتمع للنزول الى الشارع، بدءا من يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2025 والى اليوم، بينهم تجار وموظفون وطلاب جامعات، معبرين عن غضبهم من الأوضاع الاقتصادية التي فشلت سلسلة الحكومات الأخيرة في ايجاد معالجات لها.
اصوات المحتجين باتت تسمع في عشرات المدن على طول البلاد، انعكاسا للغضب وفقدان الأمل نتيجة الانهيار الكبير في سعر صرف الريال مقابل الدولار الأمريكي، إذ بلغ 1,440,000 ريالاً لكل دولار واحد، وهو انهيار مستمر في ظل العقوات الأمريكية الأوربية المفروضة على البلاد.
ويحاط التحرك الشعبي هذا بمخاوف السلطات من ان تتحول الى عصيان شامل وبشعارات سياسية، ما قد يدفع النظام للتعامل معه بعنف كما فعل في مناسبات أخرى مشابهة، اذ استهدفت القوات الأمنية المشاركين في احتجاجات (مهسا أميني/جينا أميني)التي اندلعت في منتصف أيلول /سبتمبر 2022 واطلقت النيران عليهم في الشوارع وزج ببعضهم في السجون وتعرضوا للتعذيب وصدرت أحكام اعدام بحق البعض.
ومهسا أميني، أو بالكردية، جينا أميني، فتاة ايرانية كردية(22سنة) من مدينة سقز التي تتبعُ محافظة كردستان، وفقاً لمنظمة العفو الدولية فأن شرطة الآداب(كشت إرشاد) التي كانت تعتقل النساء اللواتي لا يتقيدن بقوانين الحجاب الإلزامي اعتقلتها واعتدت عليها بالضرب المبرح لتفارق الحياة فيما بعد.
احتجاجات نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، يلعب فيها العامل الاقتصادي دور المحرك الأساسي، إذ يؤكد مراقبون اقتصاديون، أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنسبة 72 في المئة، إثر انهيار قيمة الريال الإيراني الذي بلغ مستوى متدنيا غير مسبوق في 27 كانون الثاني/ديسمبر 2025، هو 1,400,000 ريالاً مقابل كل دولار.
ويتوقع نشطاء سياسيون، أن تتوسع الاحتجاجات بنحو كبير في عموم البلاد، ولاسيما أن هنالك مؤشرات تؤكد بان النظام الإيران فقد الكثير من قوته وهيبته القديمتين، بفعل العقوبات الاقتصادية والحرب التي خاضها خلال سنة 2025 ضد اسرائيل.
كما يتوقعون أن تواجه السلطات الأمنية المحتجين بالقوة، وأنها بدأت ذلك بالفعل مع المتظاهرين في بعض المدن مثل لردغان بمحافظة تشهارمحال وبختياري جنوبي غرب البلاد، إذ ادى إطلاق الرصاص الحي إلى مصرع متظاهرين في الأقل يوم الخميس الأول من كانون الثاني/يناير 2026 .
آخر التطورات.. قتلى وتهديدات أمريكية
توسعت الاحتجاجات لتشمل 32 مدينة مختلفة في جميع انحاء إيران، بحسب ناشطين ومصادر أمنية، فيما أعلنت وكالة أنباء هرانا الإيرانية المستقلة، عن سقوط سبعة قتلى و33 جريحا على الأقل، أغلبهم في اليومين الأخيرين، فيما بلغ عدد المعتقلين 119 شخصا، لكن مصادر المعارضة الايرانية تتحدث عن أضعاف ذلك الرقم من المعتقلين.
أمام تصاعد العنف حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران من قتل المتظاهرين السلميين، إذ قال يوم الجمعة (2 كانون الثاني 2026) “إذا أطلقت إيران النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستأتي لنجدتهم. نحن في حالة تأهّب كامل، وجاهزون للتحرّك”.
ولم يتأخر الرد الإيراني على الرسالة الأمريكية التحذيرية بشأن امكانية التدخل العسكري في إيران، والذي جاء على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، اذ قال، في منشور على منصة “إكس”: “نعتبر مواقف رجال الأعمال المحتجين منفصلة عن المشاغبين، وعلى ترمب أن يعلم أن التدخل الأميركي في هذه القضية الداخلية يُعدّ بمثابة زعزعة لأمن المنطقة بأسرها ومصالح الولايات المتحدة، على الشعب الأميركي أن يعلم أن ترمب هو من بدأ هذه المغامرة فليحذر جنوده”.
من جانبها، وفي اشارة الى حجم العنف الممنهج والقسوة الممارسة ضد المعارضين في ايران، أعلنت منظمة “إيران هيومن رايتس” الحقوقية، أن السلطات الإيرانية أعدمت 1500 شخص على الأقل في العام 2025، مشيرة إلى ارتفاع “غير مسبوق” في تنفيذ إيران لهذه العقوبة.
وقال محمود أميري، مدير المنظمة التي تتخذ من النرويج مقراً لها:”هذا أمر غير مسبوق خلال السنوات الخمسة وثلاثين الأخيرة. منذ أن وُجدَت إيران هيومن رايتس لم نشهد مثل هذه الأرقام”، واصفا الأمر بأنه “مقلق للغاية”.
تضخم جامح
المراقب الاقتصادي، آرمان محمدي، يبين أسباب التضخم في بلاده: “إيران، مع الثورة الإسلامية عام 1978، وضعت نفسها منذ البداية في معسكرٍ يحارب الغرب، وما يعبر عنه السياسيون بالإمبريالية، إضافة إلى الإعلان الصريح عن الرغبة في القضاء على إسرائيل، أدى ذلك إلى قطع العلاقات التجارية والسياسية مع معظم دول العالم”.
ويشير إلى أن البرنامج النووي، تسبب “بموجة من العقوبات الشديدة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي مجال السياسة الداخلية الإيرانية، هناك أيضا أسباب لتفاقم هذا التضخم المتزايد”.
كل ذلك أدى بالنتيجة وفقا لما يقول إلى انخفاض قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار “وعجز الموازنة، وطباعة النقود دون مراعاة العواقب التضخمية وفقدان قيمتها، وسوء الإدارة المالية والإقتصادية” وأن العقوبات على النفط والتجارة الإيرانية الخارجية، عززت “الأنهيار الأقتصادي” حسب تعبيره.
وهو يرى بأن الضخم “لم يؤد الى مشاكل اقتصادية فقط، بل تسبب أيضاً بمشاكل اجتماعية وسياسية واسعة، ومزّقت النسيج الاجتماعي الإيراني”.
ويقول”عند النظر إلى ظاهر أوضاع الناس في إيران، قد يقال إن هذا السخط يعود في معظمه إلى وضعهم الاقتصادي المتردي، إلا أنه أعمق من ذلك بكثير؛ فالاقتصاد والمال ليسا سوى قمة جبل الجليد”.
ويعدد الاسباب التي خرج بسببها المحتجون للشوارع: “الظلم الاجتماعي، والفساد، والمحسوبية، والضغوط الاجتماعية، فضلاً عن تلاشي الأمل” ويلفت إلى ان المحتجين يعبرون عن ذلك بالهتافات “معبرين عن سخطهم، ومتمنّين سقوط الجمهورية الإسلامية، وآملين في تغيير النظام.
وشير إلى بعض من تلك الهتافات “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي”، وكذلك “الموت لولاية الفقيه” و”هذا العام عام الدم، اسقطوا السيد علي”. إصلاحي، أصولي، انتهت القصة” (في إشارة إلى تجاوز الناس لكلا الفصيلين السياسيين في الحكومة).
“الفقر، الفساد، غلاء الأسعار، سنمضي حتى إسقاط النظام”.”لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران”، و”غزة ولبنان كلاهما فداء لإيران”، و”أموال النفط ضاعت، صُرفت على روسيا”، “أيها المسؤول غير الكفء، استقل، استقل”، و”رضا شاه، يرحمك الله”، و” بلا شرف، بلا شرف”.
خارطة الاحتجاجات
تشمل خارطة الإحتجاجات الشعبية، العاصمة إيران ومدن أصفهان ومشهد وشيراز وهمدان وكرج وكرمانشاه وقشم وأراك. وتم تداول العديد من مقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي لطلاب يحتجون على أوضاعهم التي يصفونها بالمتردية. من بينها التي نشرت يوم 30 كانون الثاني/ديسمبر 2025 وأظهرت طلاب جامعة الشهيد بهشتي، في طهران وهم يهتفون “الموت للديكتاتور”.
مقاطع الفيديو أظهر كذلك أمراً لافتا، وهو أن تجاراً ورجال أعمال يشاركون في الاحتجاجات، وانها لم تعد مقتصرة على طلاب الجامعات والفئات الفقيرة، وارتفعت اصواتهم بشعارات ضد الحكومة. كمأ أظهرت كذلك طلاباً من جامعة شريف، للتكنولوجيا، وهم يهتفون بشعارات منها:
“لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران”، و”الموت لولاية الفقية”. “هذه ليست المعركة الأخيرة، سيعود بهلوي” والمقصود هو تفضيل العهد الملكي قبل قيام الثورة الاسلامية والاطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي في سنة 1979. كما هتف طلاب جامعة بهشتي بشعار “يا بسيج، يا جيش، أنتم داعشُنا” في مواجهة عناصر البسيج الذين تقدموا نحوهم وهم يحملون أعلام الجمهورية الإسلامية.
دور البازار!
في 30 كانون الأول/ديسمبر2025، أي بعد ثلاثة ايام من بدء الاحتجاجات، بات واضحاً أن التجار أو ما يعرف في إيران بـ(البازار) أي السوق، لهم الصوت الأعلى، وهذا تطور يصفه المطلعون بالتاريخي، نظرا للعلاقة الوثيقة التي كانت تربط التجار بالسلطة في السابق، بل أن دورهم كان واضحها في دعم الثورة الاسلامية الإيرانية والنظام الذي شكلته لأكثر من أربعة عقود.
وتتبعاً لمجريات الاحتجاجات، نجد بأنها انطلقت من شارع سعدي في وسط طهران، وكذلك حي شوش قرب البازار الكبير الرئيسي، وفي كلا المنطقتين تتواجد مقار التجار والمُلّاك المحافظين المرتبطين بعلاقات وثيقة مع السلطات الإيرانية والمؤيدين للنظام.
ووفقا لتاجر جملة من طهران تواصلت معه معدة التقرير، فان تجار البزار تحديداً كان لهم دور حاسم في الثورة الإسلامية عام 1979 والتي “أطاحت بالنظام الملكي وجلبت الإسلاميين إلى السلطة”، وذكر أن المؤسسات الدينية والتجار المحافظون(البازاريون) ارتبطوا تاريخيا بتحالف وثيق، وانهم”أي التجار، اشتهروا باستئجارهم للطائرة التي اقلت اية الله الخميني واعادته الى ايران في الاول من فبراير/شباط 1979.
ويقول “لكن بعد 46 عاما، نجحت الجمهورية الإسلامية في تنفير أقدم وأهم قواعدها الاجتماعية. وبالنسبة للتاجر الإيراني اليوم، فإن ذلك التحالف قد انتهى، وأصبح العمل التجاري لعبة خاسرة.”حسب تعبيره
ويتابع: “معظم التجار عالقون الآن في ديون عميقة ونقص حاد في السيولة، إذ لا يستطيعون بيع بضائعهم، حتى الطبقة الوسطى لم تعد قادرة على الشراء منهم، ما أدى إلى ركود في السوق. لذلك يُعدّ من المفاجئ أن حتى هذه المناطق القريبة من السلطة لم تعد قادرة على تحمّل الضغوط المفروضة عليها من قبل السلطات، ولا سيما الضغوط الاقتصادية”.
الكرد يراقبون بحذر
مع الاحتجاجات المستمرة، تراقب كل القوى الكردية المعارضة بحذر بالغ الاحتجاجات في انتظار معرفة تطوراتها قبل اتخاذ مواقف بشأن امكانية التحرك على الأرض، وفق نشطاء سياسيين تواصلنا معهم، اكدوا ان لا دعوات الى الآن من القوى الكردية للانخراط في التظاهرات.
وأصدرت ثلاثة أحزاب كردية معارضة بيانات منفصلة تدعم الإضرابات والاحتجاجات. وأصدر حزب “الحياة الحرة” المقرب من حزب العمال الكردستاني، بيانا عبر فيه عن دعمه لهذه الاحتجاجات وقال أن الشعوب الايرانية بدأت بالمطالبة بالحريات والديمقراطية منذ بدأ احتجاجات مهسا أميني.
وذكر حزب الحياة الحرة الكردستاني المعروف باسم (PJAK): “على مدى نصف قرن تقريبا، سعت الجمهورية الإسلامية إلى تقويض المجتمع الإيراني من خلال سياسات القتل والقمع والخنق، فضلًا عن استقطاب المجتمع وفرض الفقر على الشعب”.
وأعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في بيان صدر في الأول من يناير/كانون الثاني، أن “التضخم الجامح، وارتفاع الأسعار بشكل كارثي، والتدهور المتزايد في الظروف المعيشية، أوصل المجتمع الإيراني إلى نقطة استُنفدت فيها قدرة الشعب على الصمود والصمود تماما”.
وأشار البيان، في معرض حديثه عن تاريخ الاحتجاجات المدنية السلمية التي خاضها المواطنون في السنوات الأخيرة، إلى أن الجمهورية الإسلامية “بدلاً من تحمل المسؤولية والاستجابة للمطالب المشروعة للشعب، لطالما انتهجت طريق القمع والعنف والمعاملة اللاإنسانية”.
وشدد الحزب على “ضرورة التضامن والوحدة والتنسيق بين جميع فئات المجتمع”، محذرا: “طالما بقي هذا النظام في السلطة، فإن الظروف المعيشية للشعب لن تتحسن فحسب، بل ستستمر في التدهور؛ لأن الجمهورية الإسلامية لا تملك الإرادة ولا القدرة على حل هذه الأزمات”.
كما أصدر حزب “كوملة” الكردستاني الإيراني، في 29 ديسمر/كانون الاول، بيانًا وصف فيه احتجاجات الأسواق والشعب بأنها “مشروعة”.
وجاء فيه: “لا شك أن سبب هذا الوضع الاقتصادي المتردي ومسؤوليته يقعان على عاتق النظام غير الكفؤ للجمهورية الإسلامية، الذي حرم الشعب من حقه في حياة كريمة، ونهب موارد البلاد أو أهدرها على البرامج النووية والصاروخية من خلال سياساته التوسعية والتحريضية المستمرة”.
وأعرب الحزب عن أمله في أن “تتحول هذه التحركات الجماعية والعفوية، بدعم شعبي وروابط مع مختلف الفئات والنقابات، إلى حركة اجتماعية شاملة، تُفضي إلى تحقيق المطالب العامة للشعب، بإقامة نظام ديمقراطي تعددي علماني يعترف بتنوع المجتمع ويصون حقوق الجميع”.
النظام عاجز.. فهل هي النهاية؟
مهراد جهانبور (اسم مستعار) لكاتب ايراني متخصص في الشأن المحلي، يقول: “نهاية العام 2017 شهدت ايران اول احتجاج من نوعه في تاريخ البلاد الحديث، اندلع بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث أغلق الناس محالهم احتجاجا، بما في ذلك بازار طهران، بسبب التغير السريع في سعر الدولار مقابل العملة المحلية نتيجة التضخم والفارق بينها وبين الاحتجاجات الأخيرة أن انهيار العملة أشد”.
ويستدرك: “الآن يتكرر هذا” لافتا إلى أن سخط الناس لا يقتصر على التضخم والوضع الاقتصادي العام:”بل ينبع أيضا من القضايا السياسية، إذ أن حتى الصعوبات الاقتصادية هي نتاج للقرارات السياسية للنظام الإيراني، وسلطته غير قادرة على تلبية احتياجات الناس المعيشية”.
ويؤكد بأن الناس لم يعودوا قادرين على شراء أي شيء يتجاوز أساسيات المعيشة: “وعلى الرغم من ان القضية الاساسية هي اقتصادية في المناطق المركزية، إلا أن السياسة تظهر بقوة أكبر في مناطق أخرى مثل المناطق ذات الغالبية الكردية وبلوشستان”.
ويعتقد مهراد، أن الوضع بات خارج سيطرة النظام الإيراني:”حتى لو ارادت السلطات تحسين السوق وخفض التضخم، فقد وصلت الأمور الآن إلى مستوى بات من الصعب تغييرها، كما أن محاولات السلطات لإظهار القلق وتحسين السوق ليست سوى تحرك تكتيكي يعمل كمسكن للألم ولا يحل المشكلة، ولا تعد خطوة استراتيجية ضمن خطة شاملة”.
وهو يرى بأن الخطط ليست بيد الرئاسة الإيرانية أو الوزراء، بل “تخضع لمكتب المرشد الأعلى الإيراني، المعروف بـبيت القيادة، حيث تكمن السلطة الحقيقية في إيران، بينما يبدو الباقون، مثل الرئيس أو الوزراء، مجرد دمى إلى جانب المرشد علي خامنئي. ومن المؤكد أن بيت القيادة لا يسعى إلى الإصلاح في إيران، حتى لو أراد بقية السياسيين ذلك”.
ويشير مهراد إلى عوامل أخرى تسهم في نمو الاحتجاجات، منها “اللاعبين الخارجيين، وضغوط الولايات المتحدة وشروطها، والتهديدات الإسرائيلية، وخسارة إيران لحلفائها في سوريا ولبنان وفلسطين”.
الاحتمالات المستقبلية
الصحافي والناشط السياسي الإيراني الكردي، عدنان حسن بور، يقول بأن أسباب اندلاع الاحتجاجات، متعددة: “اختزالها في عامل واحد سيكون مضللًا؛ فقد بلغ مستوى السخط الشعبي تجاه الحكومة ذروته”. ويشير إلى استطلاع محلي حديث، أظهر أن نسبة عدم الرضا في ايران تبلغ 92% “ما يعني أن الغالبية العظمى من الشعب الإيراني تعارض سياسات الجمهورية الإسلامية في مختلف المجالات”.
ويضيف: “ومع ذلك، إذا أردنا النظر تحديدا إلى الاحتجاجات الحالية، فلا بد من البحث عن الدافع الأساسي وهو الوضع الاقتصادي البالغ السوء. ففي الفترة الأخيرة، تسارع ارتفاع أسعار العملات، وخاصة الدولار، بوتيرة غير معتادة. ويتزامن تراجع قيمة الريال مع ارتفاع معدلات التضخم؛ ومن ناحية أخرى، يشهد قطاعا الإنتاج والتجارة فشلا كبيرا، ما أدى إلى زيادة معدلات البطالة”.
ويعتقد عدنان، أن العامل الأكبر في انهيار الاقتصاد الإيراني”يتمثل بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، كما أن هناك فسادا ممنهجا داخل مؤسسات الدولة، وتنشر وسائل الإعلام أسبوعيا أخبارا عن فضائح فساد بملايين الدولارات”.
وهو يتوقع أن تحقق الاحتجاجات تغيير ما، على غرار حركة “المرأة، الحياة، الحرية” التي أدت الى “أُلغاء الحجاب الإلزامي فعليا، وتراجعت الحكومة إلى حد كبير عن تلك السياسة الأيديولوجية الأساسية”.
ويضيف: “ما رأيناه حتى الآن هو أن الحكومة حاولت عدم السماح للقمع بالوصول إلى مستوى قتل المحتجين في الشوارع، مكتفية قدر الإمكان بتفريق الناس واعتقالهم دون استخدام أسلحة قاتلة. غير أنه لا يوجد ما يضمن استمرار هذا الوضع في الأيام المقبلة. فإذا لجأت الحكومة إلى قتل الناس، فقد يصبح رد الفعل الشعبي أكثر راديكالية، وفي مثل هذا السيناريو يمكن أن نتوقع تعمق الاحتجاجات”.
ولا يستبعد لجوء الحكومة الإيرانية الى ابرام اتفاق عاجل مع الولايات المتحدة الامريكية: “على امل ان ينقذها الانفتاح الاقتصادي إذا اتجهت الاحتجاجات نحو مسار يهدد بتفكك النظام”.
حريات اجتماعية جديدة!
فنان ايراني من طهران، طلب ان نشير اليه باسم مستعار هو (محسن أرجماند)، يقول أنه وعلى الرغم من أن السلطات الإيرانية أبدت مرونة أكبر وتقبلًا أوسع للحريات الاجتماعية عقب احتجاجات مهسا أميني/جينا أميني، وأصبح الناس يعبّرون عن أنفسهم بحرية أكبر بعدم ارتداء غطاء الرأس/الحجاب، وارتداء ملابس أكثر تحررا وانفتاحا “إلا أن الناس مازالوا غير راضين ولا يشعرون بالاكتفاء”.
وذكر أن “الكثير من الأمور تغيّرت بعد احتجاجات مهسا أميني/جينا أميني، وفي الوقت نفسه لم يتغير شيء”. ويضيف: “بما أنني أعيش في طهران وأتنقل كثيرا بين مدن مختلفة في إيران، يمكنني أن أقول ذلك”
ويتابع: “يقول كثير من الناس أن هناك تغييرات حدثت خلال السنوات الثلاث الماضية، وهم محقون في ذلك، لأن هناك تغييرا كبيرا في طريقة لباس الناس الآن، إذ إن الكثير من النساء لا يرتدين الحجاب، أو يرتدين ملابس أكثر راحة، والناس يدركون أن قواعد اللباس ليست جزءًا من هويتهم الذاتية، بل فُرضت عليهم من قبل السلطات”.
ويشير إلى ان التغيير يختلف باختلاف المناطق: “الأوضاع في الأحياء الراقية والغنية تبدو مختلفة مقارنة بالأحياء المتوسطة والفقيرة، كما أن الأجيال المختلفة في المجتمع تتصرف بطرق مختلفة”.
ويرى الفنان الايراني، ان تغيير قد طرأ كذلك على مزاج الاباء المحافظين والمتدينين: “في زياراتي لمنازل اصدقاء اجد ان هؤلاء الآباء لم يعودوا يزعجون أبناءهم كما في السابق بسبب عدم الالتزام باللباس الإسلامي، وأن كلماتهم وآرائهم فقدت الكثير من وزنها وقيمتها مقارنة بما قبل احتجاجات جينا أميني”.
ويقول: “السلطة تلقت ضربة قوية وهي تدرك الآن أن الناس جائعون للغاية ومنشغلون بقوت يومهم، ولذلك تحاول تشتيت انتباههم من خلال تخفيف الضغوط الاجتماعية، مثل رفع تطبيق الحجاب الإلزامي، لتقليل الضغط على الناس الذين لم يصلوا بعد إلى مرحلة السخط الكامل، وليس بسبب مدى نجاح احتجاجات جينا أميني” حسب تعبيره.
خسائر كثيرة ولا حلفاء بعد الآن
معدة التقرير تواصلت مع مصدر سياسي ايراني مطلع، وكما فعل معظم من تواصلت معهم، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، ذكر بأن إيران تعرضت الى هزائم متكررة وخسارة حلفائها في أنحاء الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين.
وأن اسرائيل قد دمرت إلى حد كبير محور المقاومة الذي كانت تقوده ايران في عملياتها ضد حماس في قطاع غزة، وضد حزب الله في لبنان. وكان أبرزها مقتل حسن نصر الله في 27 أيلول/سبتمبر 2024. ثم تبع ذلك ضربة أخرى بسقوط نظام الأسد في سوريا في أواخر 2024 “ما قطع وصول إيران إلى حلفائها من الميليشيات في بلاد الشام، وأفقدها حليفًا جيوسياسيا بالغ الأهمية في المنطقة”.
وذكر ايضاً بأن العمليات الإسرائيلية، قضت كذلك على شخصيات إيرانية وأخرى موالية لإيران، وأضعفت الدفاعات الجوية والقوات الصاروخية الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر: “وقد جعل ذلك طهران في وضع هش للغاية، وفقدت نفوذها الإقليمي وقدرتها، لتصل إلى أضعف حالاتها منذ عقود”.
وبشان تعاون ايران مع تركيا، يقول: “كان هنالك تعاون يومي مشترك بينهما بشأن وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) وفروعه مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) على الحدود المشتركة. غير أن عملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني أدت الى تراجع المصالح المشتركة والتعاون الأمني، ومنحت في الوقت نفسه الحزب وPJAK فرصة للتركيز على القضية الكردية في إيران، في ظل تحسن أوضاعهم في تركيا وسوريا بعد سقوط الأسد”.
وبحسب مصدر مطلع قريب من حزب العمال الكردستاني، فإن الحزب بدأ بإعادة إرسال مقاتليه من الأكراد الإيرانيين إلى المناطق الجبلية على الحدود الإيرانية، بعد أن كانوا متمركزين في المناطق الكردية في سوريا وتركيا، ليتمكنوا من التركيز على الوضع هناك وانتظار أي فرصة يمكنهم استغلالها.
ويأتي ذلك في وقت بدأت فيه إيران هذا الصيف ببناء جدار على حدودها مع العراق في المناطق الكردية بطول 600 كيلومتر، لأسباب أمنية، من بينها خشيتها من تحركات PJAK، وكذلك تهريب الأسلحة أو المواد العسكرية عبر الحدود واستخدامها ضدها، كما حدث خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، حيث أفادت التقارير بأن الهجمات نُفذت بمساعدة مهربين.