عمليات غير قانونية في منافذ كردستان الحدودية تكبد الاقليم خسائر بملايين الدولارات وأحزاب نافذة تجني الأرباح
تدخل الكثير من البضائع عبر معابر كردستان الحدودية مع ايران وتركيا، بشكل غير رسمي بعيدا عن الاجراءات الحكومية الرسمية ما يجعلها تصنف كتهريب. وتتحكم جهات حزبية نافذة بتلك التعاملات التي تدر عليها عشرات ملايين الدولارات شهريا التي كانت يجب أن تذهب الى خزينة وزارة مالية الاقليم التي تقف متفرجة بلا حراك في وقت تعاني من أزمة مالية كبيرة تجعلها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها.
لم يجد “حما رسول” (64 سنة) طلبه من الدجاج المحلي، في متاجر قريبة من منزله وسط السليمانية باقليم كردستان العراق، فبادر بسؤال صاحب متجر في شارع ثلاثين، وبلغة مازحة: “لماذا لا نجد دجاجاً محلياً لديكم؟.. هل انقرض الدجاج الكردي؟”.
أجابه صاحب المحل بصوت خفيض مع ابتسامة صغيرة:”لا فرصة لبيعه هنا، المستورد أرخص بكثير من المحلي. وربما لن تجد قريبا دجاجا محليا في كل المدينة، فالتهريب يمنع أي منتج محلي من المنافسة في الأسواق”.
يعاني “حما” من آلام مزمنة في المفاصل، نصحه الطبيب الذي راجعه، بالإكثار من تناول حساء الدجاج للمساعدة في تخفيف آلامه. لكن الرجل الذي ينحدر من قرى كرميان المعروفة بتربية الدواجن والمواشي، تفاجأ بفقدان الدجاج المحلي الذي يفضله، أمام سطوة المستورد والمهرب.
ردد حما “بكلمات” متلعثمة، بينما همّ بمغادرة المكان:”حتى الأدوية التي أتناولها لم تعد مفيدة، ربما لأنها أيضا مهربة كما أخبرني الصيدلي”، بينما تعالت ضحكة صاحب المتجر وهو يوجه يده شرقاً، في اشارة الى ايران:”علينا توقع كل شيء، التهريب يتم عبر الحدود بلا رقيب أو حسيب!”.
بحسب أربعة تجار لحوم ومواد غذائية، تواصلنا معهم، فان الكثير من اللحوم المجمدة المتوفرة في أسواق اقليم كردستان، ومن ضمنها الدجاج، تأتي من خارج الاقليم، وبينما يستورد جزء منها بشكل رسمي فإن الكميات الأكبر تدخل عن طريق التهريب دون دفع الضرائب، وهو ما يسمح ببيعها بأسعار أرخص من الانتاج المحلي الذي يعاني منذ سنوات من ايجاد أسواق لتصريفه.
وتدخل الكثير من المنتجات بشكل غير رسمي بعيدا عن الاجراءات الحكومية الرسمية -ما يجعلها تصنف كتهريب- إلى إقليم كردستان العراق عبر الحدود مع ايران شرقاً وتركيا شمالاً وسورياً غرباً.
وتجري تلك العمليات غير القانونية، أحيانا داخل أو في محيط نحو 30 منفذاً ومعبراً حدودياً، 20 منها غير معترف بها من قبل حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد، وتديرها جهات حزبية نافذة تحقق من خلالها عائدات بعشرات ملايين الدولارات شهريا، بحسب مصادر مختلفة.
ودائما ما تكون “الضريبة/ الأموال المدفوعة” المفروضة على إدخال أي من تلك المنتجات الى اقليم كردستان عبر الطرق غير الرسمية، أقل بنسب تتراوح بين 20 الى 50% من ضريبة ادخالها بشكل رسمي.
ويقدر تجار وموردون ما توفره هذه العمليات غير القانونية عبر المنافذ والمعابر، بنحو 50% من احتياجات سكان الإقليم من المواد الغذائية خاصة اللحوم، وبعض مواد البناء وقطع غيار السيارات والأدوية وبعض السلع الأخرى.
مؤشر على الفساد
مع انشاء إقليم كردستان سنة 1991، أصبحت المنافذ والمعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية أحد أهم مصادر إيرادات خزينة حكومة كردستان، وفي الوقت عينه نقطة خلاف رئيسية بين الحزبين الحاكمين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث كانت تمثل المصدر الرئيسي لتأمين رواتب الموظفين ومتطلبات الوزارات.
وفي ظل وجود ما يشبه الادارتين المستقلتين أمنيا وماليا على الأرض، تُدار المعابر بنظام إداري مزدوج، إذ يسيطر الحزب الديمقراطي على منافذ ومعابر محافظتي أربيل ودهوك، بينما يُدير منافسه وغريمه التقليدي وشريكه الرئيسي في حكم الإقليم، الاتحاد الوطني، منافذ ومعابر محافظتي السليمانية وحلبجة.
بحسب قانون ديوان الرقابة المالية، الرقم (2) لسنة (2008) والمادة 10 من قانون وزارة المالية بالرقم (2) لسنة (2010) فان وزارة المالية والاقتصاد في كردستان تتولى إدارة المنافذ والمعابر في الإقليم، لكن على أرض الواقع لم يتحقق ذلك بغياب ادارة موحدة للمعابر بسبب نفوذ الحزبين الحاكمين، وسيطرتهما الأمنية على المنافذ والمعابر بمعزل عن سيطرة الحكومة الكردية.
ويؤكد أعضاء في برلمان إقليم كردستان، وخبراء اقتصاديين وسياسيين، أن الإقليم أصبح مركزا لبعض أنواع “الأنشطة التجارية غير القانونية”، كتهريب مواد غذائية وسجائر وسلع أخرى، عبر المنافذ والمعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية.
ويؤكد اقتصاديون، أن تلك البضائع تدخل دون التزام بالإجراءات القانونية والأنظمة الضريبية المعمول بها، فلا يتم استحصال ضرائب رسمية عنها تدخل خزينة الحكومة، مما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات الشهرية المُحصلة من المعابر الحدودية.
يقول الباحث الاقتصادي (و.ح)، فضل الاكتفاء بإيراد الأحرف الأولى من اسمه تجنبا لمساءلته، ان زيادة أعداد المنافذ والمعابر التي تستحصل مبالغ من البضائع الموردة دون الدخول في خزينة حكومة الاقليم، يؤكد تنامي “الفساد المُمنهج بتوافق سياسي وتحت رعاية إدارتيّ الإقليم”.
ويأتي هذا في ظل “غياب تام” للرقابة والمساءلة البرلمانية، بسبب تعطل عمل المؤسسة التشريعية منذ نحو ثلاث سنوات، و”عجز السلطات التنفيذية والرقابية عن الحد من هذه الظاهرة” بوجود حكومة غير مكتملة الصلاحيات، بعد فشل القوى النافذة من الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة رغم مرور أكثر من 13 شهرا على اجراء انتخابات برلمان كردستان.
وأدى ذلك بالمحصلة إلى الحاق أضرار كبيرة بميزانية حكومة كردستان واقتصاد الإقليم عموما، حيث تراجعت الواردات الداخلية في بعض الأشهر الى نصف ما كانت عليه قبل سنوات، بينما تضخمت ثروات بعض مسؤولي الأحزاب والشخصيات السياسية والأفراد المتنفذين، وفقا لأعضاء في البرلمان الكردي.
تعاملات خارج القانون لزيادة ثروات أحزاب السلطة
توجد في إقليم كردستان أربعة منافذ ومعابر تجارية حدودية برية رئيسية مع تركيا وإيران، وهي (حاج عمران في أربيل، وإبراهيم الخليل في دهوك، وباشماخ وبرويزخان في السليمانية). كما يضم مطارين دوليين، هما مطارا (أربيل وجلال طالباني/ السليمانية) الدوليين.
هذه المنافذ معترف بها رسميا من قبل كل من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وبالتالي يفترض من خلالها توفير كل احتياجات كردستان من المواد الغذائية وبعض المنتجات الأخرى التي يستوردها العراق عموما من جيرانه، لكن الواقع يشير الى وجود معابر أخرى تُستخدم لإدخال البضائع خارج الضوابط، بحسب تجار ومستوردين.
في الجانب الكردي تعترف حكومة الاقليم بوجود 13 منفذا ومعبرا حدوديا رسميا (6 معترف بها من بغداد، و7 غير معترف بها). لكن في المقابل هناك 20 معبرا ثانويا غير رسمي وغير معترف بها من قبل حكومة الإقليم أو الحكومة الاتحادية، وتديرها جهات تابعة للحزبين الحاكمين في كردستان.
المنافذ الرسمية المعترف بها من قبل الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستانالمنافذ والمعابر غير الرسمية وغير المعترف بها من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم
وهنالك سبعة منافذ معترف بها رسميا من قبل حكومة الإقليم، وغير معترف بها من قبل الحكومة الاتحادية.
“التهريب” تحت أنظار الحكومة
يكشف علي حمه صالح، عضو برلمان كردستان لأربع دورات متتالية، والرئيس الأسبق للجنة المالية فيه، والنائب في الدورة البرلمانية العراقية السادسة التي جرت انتخاباتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن “الأحزاب الحاكمة انتهجت أشكالاً مختلفة من عمليات التهريب عبر المنافذ والمعابر الحدودية، تسهلها أجهزة أمنية تتبعها، بما يحقق واردات مالية كبيرة لها”.
وتشهد المنافذ والمعابر الحدودية في كردستان حركة تجارية نشطة على مدار 24 ساعة يوميا، حيث تدخل مختلف المنتجات بما فيها المواد الغذائية إلى الإقليم عبر منافذه الرسمية وغير الرسمية.
هذه المعابر تخضع لسيطرة جهات حزبية نافذة تتبعها أجهزة أمنية خاصة تقوم باستحصال ضرائب أقل من النسب المحددة رسمياً على مجموعة مختلفة من البضائع “دون أن تذهب الواردات المستحصلة إلى خزينة الحكومة” يؤكد النائب علي حمه.
ويوضح صالح، الذي يظهر بشكل شبه اسبوعي في فيديوهات عبر وسائل التواصل، تكشف عمليات ادخال غير قانونية لبعض أنواع البضائع، ان “الأموال المستحصلة تذهب إلى خزينة الأحزاب الحاكمة، وليس إلى وزارة المالية والاقتصاد التي هي المسؤولة عن تحصيل جميع إيرادات منافذ إقليم كردستان. وقد أدى ذلك إلى انخفاض إيرادات المنافذ الحدودية الرسمية إلى النصف تقريباً عما كانت عليه قبل سنوات”.
ويضرب مثالا على ذلك:” في منفذي برويزخان وباشماخ في محافظة السليمانية، انخفضت الإيرادات الشهرية بنسبة 60-70% بسبب استمرار التهريب (ادخال البضائع بشكل غير رسمي)”.
ويضيف:”قسم من الإيرادات الشهرية لهذه المنافذ كان يُموّل جزءا كبيرا من مشاريع واحتياجات المحافظة، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم، إلا أن هذا التمويل تقلص كثيرا او انتهى تقريبا الآن”.
ويلفت النائب الحالي بالبرلمان العراقي، إلى أن “الإيرادات الشهرية الرسمية المعلنة لمحافظة السليمانية كانت في السابق تبلغ نحو 150 مليار دينار عراقي، إلا أنها انخفضت إلى نحو ربع هذا المبلغ في الأشهر الأخيرة”.
ويشير إلى فرض “ضرائب” على السلع والمواد الغذائية التي تدخل بشكل غير رسمي، من إيران عبر منفذ “باشماخ” الحدودي، فالضريبة على البيض المهرب مثلا تبلغ 8000 دولار أمريكي تستحصل من كل شاحنة، و6000 دولار أمريكي للحوم الدجاج. في حين أن الاستيراد الرسمي يكلف التجار مبالغ أكبر بكثير.
ويقول بأن ضريبة قدرها 5700 دولار أمريكي تفرض على الشاحنة الواحدة التي تحمل الدجاج المجمد في منفذ إبراهيم الخليل الحدودي مع تركيا بمحافظة دهوك وتدخل الإقليم.
من أجل الوقوف على الآلية التي تتم بها أعمال التهريب، قمنا بزيارات ميدانية للعديد من المنافذ والمعابر وعبر استخدام صفة (مساعد سائق شاحنة) بعد الاتفاق مع بعض سائقي الشاحنات، لإبعاد الشكوك المحتملة للأجهزة الأمنية العاملة هناك.
رصدنا في العديد من المعابر القائمة بين الاقليم وايران، عمليات “تهريب” منظمة جرت تحت إشراف جهات نافذة تعمل تحت جناح حزب سياسي، وفق ما تعلن عن نفسها للتجار والموردين، وهي تستخدم وثائق وأوراق توضح ان كل شيء يتم تحت ادارة ورعاية حزبية.
العمليات شملت في أحد المعابر، تهريب المواشي كالأغنام والماعز والأبقار من ايران الى العراق دون دفع الرسوم الجمركية الرسمية، وتحت أنظار قوات الأمن المتواجدة في المنفذ.
هذه العمليات تحصل أحيانا داخل المعابر غير الرسمية، أو بالقرب منها عبر طرق ومسارات تسمى بالخطوط الخاصة.
الى جانب عمليات التهريب تلك التي تتم بشكل شبه معلن، يقوم العتالون العاملون في المناطق الجبلية التي تتبع محافظات غربي ايران ذات الغالبية الكردية، بتهريب بعض البضائع والممنوعات إلى إيران سيرا على الأقدام بين الجبال والوديان وفي ظروف صعبة وخطرة حيث تمتد طرق التهريب في مناطق وعرة تكسوها الثلوج في الشتاء، ويتعرض بين فترة وأخرى المهربون لاطلاق نار من قبل حرس الحدود الايراني.
ويقوم المهربون الايرانيون، أيضا بتهريب مواطنين افغان وباكستانيين من إيران إلى اقليم كردستان. عادة يتم نقل هؤلاء لاحقا إلى محافظات عراقية أخرى للعمل فيها. كما ويقومون بتهريب البنزين الايراني إلى الإقليم مستفيدين من فارق السعر الكبير.
مبالغ اضافية تحت بنود غريبة
بحسب شهادات لبعض السائقين، تُفرض “مبالغ إضافية” وتحت عناوين مختلفة على المنتجات التي يتم استيرادها في معبر (بشته) في ناحية (بَمو) بمحافظة حلبجة، حيث يتم فرض ضرائب خارج الضوابط، على استيراد مواد البناء كالبلاط والإسمنت والرمل والحصى والجبس من إيران، بالإضافة إلى مواد غذائية كالطماطم ومعجون الطماطم والحلويات بأنواعها والجص والأثاث وغيرها.
تشمل “المبالغ الاضافية”، فرض رسوم مكتبية قدرها 25 دولارا في المعبر المذكور على البضائع المستوردة أو المصدرة رسميا، بالإضافة إلى 5 دولارات لتصحيح الأخطاء في استمارة الضرائب (إن وجدت)، و20 دولارا للتفتيش الجمركي، و55 دولارا لضريبة الدخل، و3 دولارات لرسوم استمارة الضريبة، و35 دولارا لرسوم النظام، والتي تشمل إعداد كشف التعرفة الجمركية.
وبحسب أحد الموظفين في المعبر الحدودي، بعد أن شدد على عدم الكشف عن هويته خوفا من معاقبته، تعبر نحو 130 شاحنة محملة ببضائع متنوعة يوميا، أبرزها النفط والسجائر من اقليم كردستان إلى إيران، بينما تدخل نحو 50 شاحنة أخرى إلى الاقليم من إيران. يبلغ وزن أثقل حمولة بحدود 27 طنا، وأخفها 15 طنا.
ويقول بأن “الضريبة غير الرسمية” لمواد البناء تبلغ 750 ألف دينار عراقي، بينما تصل ضريبة بعض السلع المستوردة بشكل رسمي الى 4 ملايين دينار عراقي. ويؤكد بدوره ان جزءا كبيرا من هذه الأموال تذهب إلى “الشركات العاملة في تلك المعابر وليس إلى خزينة وزارة المالية والاقتصاد” حسبما ذكر.
ويضيف بأنه في منفذ (باشماخ) الحدودي مع إيران في محافظة السليمانية “تُفرض رسوم قدرها 80 دولارا على البضائع المستوردة والمصدرة بشكل رسمي لدعم مرضى السرطان، دون أي تحقق من حجم تلك الأموال ووصولها إلى المؤسسات التي ترعى المرضى”.
إضافةً إلى ذلك، تُفرض رسوم عمولة بنكية قدرها 5 دولارات، ورسوم وزن الشاحنة (القبان) قدرها 5 دولارات أيضا وتفرض مرتين “مرة عند المنفذ ومرة أخرى عند دخول المحافظة أو المدينة”.
ويذكر بأن رسوم التعقيم البالغة 10 دولارات، والتي فرضتها الجهات الحكومية خلال جائحة كورنا:”ساريةً الى الآن رغم انتهاء الجائحة قبل نحو خمس سنوات، دون أن تكون هناك اجراءات صحية تتعلق بالتأكد من عدم الاصابة بذلك الفيروس”.
حصلنا على وثيقة من سائق شاحنة قابلناه في منفذ (برويزخان) الحدودي مع إيران تُشير إلى فرض ضرائب ورسوم على مختلف الإجراءات والخدمات داخل المنفذ التي يتم استحصالها بشكل أصولي ورسمي باسم وزارة المالية. قال السائق بكلمات غاضبة ان “معظمها مجرد ذريعة لجمع الأموال من التجار وسائقي الشاحنات”.
في منفذ حاج عمران الحدودي، أحد أهم المنافذ الدولية العراقية الذي يربطه بإيران ويقع في منطقة جبلية ضمن ناحية حاج عمران التابعة لقضاء (جومان) في إدارة سوران بمحافظة أربيل، تتحرك دون توقف ذهابا وايابا، عشرات الشاحنات الكبيرة المحملة بمواد البناء وقطع غيار السيارات والمواد الغذائية.
حاولنا التأكد من حجم الإيرادات المتحصلة في المنفذ، لكننا لم نحصل على اجابة بشأن الأرقام الدقيقة من الجهات الحكومية التي تم التواصل معها، فأرقام حجم المستوردات وقيمتها المالية والضرائب التي فرضت عليها لا تكون متاحة بشفافية ولا يعلن عنها بشكل شهري أو دوري.
إلا أن مصدرا مسؤولا في وزارة المالية والاقتصاد، طلب عدم الكشف عن هويته، قال لنا بصفة شخصية، ان الإيرادات الشهرية التي تُسلم من منفذ حاج عمران إلى وزارة المالية والاقتصاد تبلغ نحو 13 مليار و160 مليون دينار عراقي، وتُودع في خزينة الحكومة.
لكنّ مصدرا آخر في المنفذ، اشترط أيضا عدم الإشارة إلى اسمه لأسباب أمنية، ذكر بأن حجم الإيرادات الحقيقية في منفذ حاج عمران يصل إلى نحو 36 مليار دينار شهريا “يذهب نصفه إلى خزينة الجهات النافذة فيه، بسبب عمليات الإدخال غير الرسمي لبعض السلع مثل الدجاج المجمد والبيض والسجائر والأدوية والمستلزمات والأدوات الطبية ومواد البناء كالاسمنت وغيره، والمشتقات النفطية”.
المصدر نفسه يؤكد بأن الجهات الأمنية في المنفذ سمحت “للعتالين” الإيرانيين بنقل البضائع والمواد الغذائية من ايران إلى أماكن قرب المنفذ قبل عام تقريبا، وأن عدد الحمالين العاملين هناك يزيد عن 3000 عامل.
معبر آخر يُسمى (زيت)، افتُتح في 10 مايو/أيار 2023 يقع في ناحية شيروان التابعة لقضاء (ميركسور) في إدارة سوران بمحافظة أربيل، ويربط إقليم كردستان بتركيا، يُعدّ واحدا من المعابر التجارية النشطة حاليا بين الإقليم وتركيا، رغم انه غير معترف به رسميا من الحكومة الاتحادية، وهو أول معبر في كردستان يربط محافظة أربيل مباشرةً بمحافظة (جولميرك) التركية، ويُدرّ إيرادات شهرية تقدر بمليارات الدنانير.
يُستخدم المعبر الذي يقع في منطقة جبلية وعرة تتراكم فيها الثلوج شتاء، لدخول وخروج المسافرين والسياح بين كردستان وتركيا، بالإضافة إلى استيراد وتصدير بعض مواد البناء والمواد الغذائية، لكن ايضا هناك عمليات تجري خارج الأوراق الرسمية وتذهب وارداتها إلى الجهات النافذة وليس إلى خزينة وزارة المالية.
مصدر الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي
خلافات المنافذ بين بغداد وأربيل
عدم خضوع معابر كردستان لرقابة واشراف الحكومة الاتحادية، يثير بين فترة وأخرى مشاكل مالية بين حكومتي بغداد وأربيل، لاسيما بشأن حجم ايرادات المعابر الحدودية في الإقليم مع كل من ايران وتركيا، وسط اتهامات باستخدامها في “تجارة غير رسمية” لصالح جهات نافذة، ما يكبد الخزينة العامة سنوياً خسائر بمليارات الدولارات، بحسب مسؤولين عراقيين.
هذا الملف يشكل منذ سنوات ساحة مفتوحة للخلافات السياسية والمالية بين بغداد وأربيل، وسط تبادل التصريحات والكتب الرسمية، التي تظهر عدم الالتزام بالاتفاقات وغياب الشفافية من الجانبين، واستمرار التهريب عبر المعابر شمالاً وعبر الموانئ جنوباً، والفشل المزمن في إستحصال الإيرادات الجمركية.
وتقدر الحكومة الاتحادية، حجم العائدات غير النفطية بنحو 300 مليار دينار، يفترض ان تسلم أربيل نصفها الى بغداد وفق قانون “الادارة المالية”، لكن اربيل أرسلت في الأشهر الاولى من العام 2025 مبالغ أقل بكثير، حيث حولت نحو 50 مليار دينار الى بغداد عن الايرادات غير النفطية لشهر نيسان و48 مليار عن ايرادات شهر آذار 2025.
واتهمت وزارة المالية الاتحادية، مطلع أيار 2025 حكومة الاقليم بعدم الالتزام بتسليم كامل إيراداتها غير النفطية. وبيّنت رسالة موجهة الى مالية كردستان أن الإقليم سلّم في شهر كانون الثاني نحو 52 مليار دينار فقط، وفي شهري شباط وآذار أقل من 50 مليار دينار لكل شهر.
استخدمت وزارة المالية الاتحادية تلك الحجة، الى جانب عدم تسليم النفط المنتج في كردستان، لوقف إرسال رواتب موظفي الإقليم لشهر أيار 2025، لتشتعل على اثر ذلك أزمة سياسية بين الطرفين.
وكانت وزارة المالية الاتحادية قد بررت قرارها بإيقاف تمويل رواتب الإقليم وفق الموازنة الثلاثية “بتجاوزه النسبة المقررة في الموازنة الاتحادية -التي تبلغ 12.67% بمبلغ 13.547 تريليون دينار (10.23 مليارات دولار)- من إجمالي الصرف الفعلي، نتيجة امتناع حكومة كردستان عن تسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى خزينة الدولة الاتحادية.
وكانت بغداد تقدر حجم واردات الاقليم غير النفطية، بأكثر من 300 مليار دينار اعتمادا على أرقام وحسابات سابقة. ويفرض قانون ادارة الدولة في العراق تسليم 50% من تلك الايرادات للحكومة الاتحادية. لكن حكومة الاقليم تؤكد ان حجم تلك الايرادات تراجع بنحو كبير وان المبلغ الذي تطالب به بغداد لم يعد متحققا.
لاحقا وبعد مفاوضات طويلة ومعقدة، تم اعادة تمويل راتب أيار (975 مليار دينار)، اثر اتفاق مؤقت بين حكومتي بغداد واربيل في 17 تموز الماضي على تسليم الأخيرة مبلغ 120 مليار دينار شهريا عن ايراداتها غير النفطية الى جانب تسليم 230 الف برميل يوميا من انتاج حقول كردستان الى شركة تسويق النفط “سومو”.
اتفاق مؤقت على الورادات
بموجب ذلك الاتفاق بات على حكومة كردستان تحويل 120 مليار دينار شهريا من الإيرادات غير النفطية إلى الحكومة الاتحادية (48 مليارا من محافظة السليمانية و72 مليارا من محافظتي أربيل ودهوك) لكي ترسل بغداد رواتب موظفي كردستان.
وكان الاتفاق قد تضمن أيضا تسليم 230 الف برميل يوميا من النفط المستخرج من حقول اقليم كردستان الى الحكومة الاتحادية عبر شركة تسويق النفط الحكومية (سومو) لتصديره الى خارج البلاد، مع استخدام كمية تقدر بـ50 الف برميل يوميا من انتاج الاقليم للاستهلاك الداخلي من قبل الحكومة الكردية.
النائب علي حمه صالح، يقول ان “الإقليم كان ينتج نحو 300 ألف برميل نفط يوميا قبل الهجمات على حقوله، وكان يُباع الجزء الأكبر منه، قبل الاتفاق الأخير، في السوق السوداء من قبل جهات نافذة دون أن تدخل عائداته خزينة حكومة الإقليم.
وتصدير النفط من قبل حكومة كردستان الى تركيا، كان يحدث عبر الأنابيب، قبل صدور حكم محكمة باريس في مارس/آذار 2023. وكان الإنتاج يتراوح بين 450 ألفًا و475 ألف برميل يوميا، ويباع بسعر أقل من السعر العالمي. وبعد صدور الحكم ومع تعذر التصدير وعدم وجود اتفاق بين اربيل وبغداد، لجأ الحزبان الكرديان الى البيع عبر الصهاريج وبأسعار مخفضة.
ويوضح صالح ان “عدد الصهاريج التي كانت تقوم بعملية نقل النفط الى تركيا وإيران يتراوح بين 700 إلى 1000 صهريج يومياً عبر منفذي حاج عمران في أربيل وإبراهيم الخليل في محافظة دهوك، بالإضافة إلى 600 إلى 700 صهريج تتجه إلى إيران عبر منفذ باشماخ في محافظة السليمانية”.
ويتهم النائب الكردي الحزبين الحاكمين في أربيل والسليمانية بـ”التربح من هذه العمليات، وعدم إيداع غالبية عائدات النفط في خزينة الحكومة” وهذا ما أدى الى تعطل دفع رواتب موظفي القطاع العام في كردستان لأكثر من شهرين، قبل ان يحصل الاتفاق المؤقت مع الحكومة الاتحادية.
ولم يستلم موظفو الاقليم الى الآن راتب شهر أكتوبر/ تشرين الأول، لكن من المتوقع صرفه قبل نهاية العام 2025 من قبل وزارة المالية في بغداد، فيما يؤكد اقتصاديون ان راتبي شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر لن يدفعا، حيث تقول الحكومة الاتحادية ان حكومة الاقليم هي من تتحمل دفعها.
وينتقد النائب صالح، أداء وزارة المالية والاقتصاد وصمتها إزاء ما يسميها بعمليات التهريب في المنافذ والمعابر الحدودية في كردستان، ولعدم تحويلها واردات السلع إلى خزينة الوزارة. ويؤكد أن “وزير المالية والاقتصاد لا يملك أي سلطة على إيرادات السليمانية وأربيل ودهوك، حيث تحتفظ كل محافظة بغالبية إيراداتها الخاصة دون إعادتها إلى خزينة الوزارة”.
ويشير إلى أن جزءا كبيرا من الإيرادات غير الرسمية تذهب إلى “جيوب النافذين في الأحزاب، ولا تخضع لنظام المقاصة أو تدخل في حساب وزارة المالية بحكومة الإقليم، ما عدا الـ 120 مليار دينار التي ترسلها حكومة الاقليم الى الحكومة الاتحادية”.
يؤكد مسؤول رفيع المستوى في وزارة المالية والاقتصاد في حكومة إقليم كردستان، شدد على عدم كشف هويته، وجود “فساد” في المنافذ والمعابر الحدودية، مقدرا الخسائر بسببه بأكثر من 100 مليون دولار شهريا نتيجة التعاملات غير الرسمية الخاضعة لجهات نافذة.
ويقول ان إيرادات الضرائب والرسوم في هذه المنافذ والمعابر “كبيرة جدا”، خاصة ان العديد من تلك المعابر يتم من خلالها تأمين بعض السلع والبضائع لملايين العراقيين، وليس فقط لسكان الاقليم، مع ملاحظة حجم التبادل التجاري الكبير بين العراق وكل من تركيا وايران عبر معابر كردستان.
من جانبه، يتفق الخبير الاقتصادي هيفيدار شعبان مع النائب الكردي علي حمه صالح والمسؤول في وزارة المالية في كردستان بشأن تفشي الفساد في أداء وعمل المنافذ والمعابر الحدودية في الإقليم.
ويقدر إيرادات المنافذ الرسمية في الإقليم “بنحو 4 تريليون و100 مليار دينار عراقي سنويا، بينما تتراوح إيرادات المعابر غير الرسمية من 1.6 تريليون الى تريليونين دينار سنوياً”.
ووفقًا لتقارير مالية، بلغ حجم التجارة بين كردستان وكل من تركيا وإيران في عام 2022 نحو 16 مليار دولار، 48% منها عبر تركيا، و18% عبر إيران، والباقي مع دول أخرى. وهذا يُظهر بوضوح الحجم الكبير جدًا لإيرادات الجمارك ووارداتها في كردستان.
شركات حزبية تعمق فساد المنافذ
توجد في المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية في إقليم كردستان، العديد من الشركات التابعة أو القريبة من الأحزاب الحاكمة، تدير بعض المهام والواجبات التي ينبغي أن يؤديها موظفو وزارة المالية والاقتصاد.
ويشرف العاملون في تلك الشركات، في بعض المعابر على الجزء الأكبر من العمل المطلوب في المنافذ والمعابر الحدودية والذي يفترض ان يؤديه موظفو وزارة المالية، وخاصة تحصيل الضرائب والرسوم من السائقين وأصحاب الشاحنات والتجار.
يكشف عن ذلك، العضو السابق في اللجنة المالية في برلمان إقليم كردستان عمر كولبي، ويقول:”توجود حوالي 25 شركة تابعة للأحزاب الحاكمة ولشخصيات نافذة فيها تحتكر إدارة العمليات في هذه المنافذ والمعابر الحدودية”.
يتساءل كولبي عن أسباب وجودها هناك، في حين أن “موظفي وزارة المالية والاقتصاد يُمكن أن يقوموا بكامل مهامها، وذلك من صلب عملهم الرئيسي”، فلماذا يستعينون بتلك الشركات أو يسمحون بوجودها؟.
ويقول ايضاً أن هذه الشركات تستحوذ على حصة كبيرة من إيرادات المنافذ والمعابر الحدودية، “اذ تصل حصة بعضها إلى نحو 80% من إجمالي الإيرادات”.
ويرى بأن هذا هو السبب الرئيس وراء انخفاض واردات المعابر والمنافذ في السنوات الاخيرة وعجز حكومة الاقليم عن صرف رواتب الموظفين.
كولبي، الذي يحقق منذ سنوات في فساد المنافذ والمعابر الحدودية في كردستان، وقد قدم ملفا كبيرا ومتكاملا كما يصفه، إلى محاكم السليمانية للمتابعة والتحقيق، يتضمن شكوى ضد الشركات العاملة هناك، يقول ان الملف كما أكدت له الجهات القضائية المعنية “مازال التحقيق جاريا بشأن تفاصيله”.
وينتقد كولبي، مع نواب ومراقبين واقتصاديين في كردستان، ما يصفونه بغياب الرقابة الحكومية الحقيقية على أداء المنافذ والمعابر الحدودية، وبالتالي غياب الشفافية والوضوح في الأرقام، مشيرين الى ان عملها يخضع لارادة الأحزاب.
ويشير العضو السابق في اللجنة المالية ببرلمان كردستان، الى مشكلة “الشلل الرقابي البرلماني” مع تعطل البرلمان منذ ثلاث سنوات “وكان من المفترض أن يضطلع بواجباته الرقابية ويحقق في أسباب عدم إيداع جزء كبير من إيرادات المنافذ والمعابر الحدودية في خزينة الحكومة”.
كما يبدي استغرابه من عدم السماح لفرق ديوان الرقابة المالية في حكومة كردستان بمراقبة أداء وتفتيش العمليات الجمركية على المنافذ والمعابر الحدودية.
وكان رائد المالكي، النائب في الدورة السابقة لمجلس النواب العراقي، قد كشف عن وثائق وجداول رسمية صادرة عن هيئة المنافذ الحدودية تُحصي جميع المنافذ والمعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية في إقليم كردستان.
وأظهرت الوثائق “وجود 26 منفذا حدوديا غير رسمي خارج سيطرة الحكومة الاتحادية في بغداد”. ويقول النائب السابق ان “عدم سيطرة الحكومة الاتحادية على هذه المنافذ والمعابر يُكبّد العراق خسائر متواصلة تصل إلى 15 تريليون دينار”.
ويضيف المالكي: “تُستخدم هذه المعابر لتهريب النفط، وتدخل البضائع عبرها دون دفع الرسوم الجمركية الرسمية. وبالتالي، فإن وجودها يُلغي أي سياسة جمركية تُطبّقها الحكومة الاتحادية، وسيزداد تدفق البضائع الداخلة من الإقليم بشكل ملحوظ على حساب المعابر الأخرى في ظل عدم وجود رسوم جمركية أو ضرائب إضافية هناك”.
الحكومة الاتحادية ومنافذ ومعابر كردستان
منذ انهيار النظام العراقي السابق في عام 2003 وتشكيل الدولة الجديدة التي ضمت اقليم كردستان العراق، لا تخضع المنافذ والمعابر الحدودية في الإقليم لسلطة الحكومة الاتحادية بالتالي لا تملك بغداد معلومات رسمية دقيقة عن واردات تلك المعابر، خاصة في ظل تعذر إرسال فرق تفتيش ورقابة لتدقيق سجلات الاستيراد والتصدير، بسبب رفض السلطات الكردية السماح لذلك.
ويشكّل ذلك إحدى المشكلات الدائمة العالقة بين حكومتي بغداد وأربيل بشأن إدارة المنافذ والمعابر الحدودية في كردستان، بحسب مصادر برلمانية.
وتتوالى تصريحات المسؤولين في الحكومة الاتحادية بما فيه وزارة المالية، التي تؤكد عدم امتلاكهم أية معلومات عن إيرادات المنافذ والمعابر في كردستان، أو الى أين تذهب وكيفية صرفها، مشيرة الى أن تلك المعابر لم تُخضع للإجراءات القانونية والرقابية الاتحادية.
وتتهم الحكومة الاتحادية، مسؤولي إقليم كردستان بالتهرب من كشف الأرقام الدقيقة. كما تتهم جهات اتحادية سلطات كردستان بارتكاب مخالفات وانتهاكات للتعليمات التي تنظم عمليات الاستيراد الى العراق، كإغراق السوق بالبيض المستورد، مما تسبب في خسائر للتجار العراقيين ومربي الدواجن، والتسبب بأضرار للاقتصاد.
وكشفت هيئة المنافذ الحدودية العراقية، وهي الجهة الاتحادية المسؤولة عن الإشراف على دائرة المنافذ والمعابر الحدودية والموانئ ونقاط الدخول الأخرى في العراق، في مناسبات عديدة عن وجود “معابر ونقاط دخول غير رسمية في إقليم كردستان، بالإضافة إلى أن الرسمية منها لا تخضع لسيطرة الحكومة الاتحادية”.
وذكر رئيس هيئة المنافذ الحدودية، عمر الوائلي، ان هناك العديد من المنافذ والمعابر والنقاط الحدودية غير الرسمية في العراق، معظمها يقع داخل إقليم كردستان.
وأكد أن المعابر الحدودية في الإقليم ليست تابعة لسلطة هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية، وأن الإقليم لم يطبق قرار مجلس الوزراء رقم 13 لسنة 2019، الذي ينص في فقرته الثانية على ربط جميع المنافذ الحدودية في إقليم كردستان بالمنافذ الحدودية الاتحادية، مشيراً إلى أنه “بعد مرور ست سنوات من صدور القرار، لم يحرز أي تقدم يذكر، رغم الاجتماعات رفيعة المستوى والأوامر الديوانية”.
وقال الوائلي، في حزيران 2025 ان “المادة 110 من الدستور منحت الحكومة الاتحادية صلاحيات حصرية، بينها رسم السياسة الاقتصادية والتجارية”، وان من غير المقبول “اخضاع المنافذ الاتحادية لإجراءات صارمة، بينما تفتح في كردستان معابر غير رسمية تدخل منها البضائع بلا رقابة حقيقية”.
وترد حكومة الاقليم على تلك الاتهامات، بأن الحكومة الاتحادية لا تطبق الاتفاقات السياسية والاقتصادية، وهي تتجاوز على حقوق اقليم كردستان الدستورية بما فيها ما يتربط بادارة المعابر والمنافذ الحدودية داخل الاقليم، وان بغداد تتهرب من تسليم حصة الاقليم من الموازنة الاتحادية عبر اختلاق حجج بشأن الواردات النفطية وغير النفطية، رغم علمها بتراجع تلك الواردات مع تحول جزء كبير من النشاط التجاري الى موانئ جنوبي العراق.
صفقات سياسية تحمي المعابر
يصف فرات التميمي النائب السابق في البرلمان العراقي، عن محافظة ديالى المتاخمة لايران، وجود المعابر الحدودية غير الرسمية في العراق، وتحديدا داخل إقليم كردستان، بالأمر “الخطير” بما تمثله من مساحة للتهريب ودخول البضائع غير المرخصة.
ويقول ان تلك المعابر تُسبب خسائر مالية كبيرة “نتيجة عدم وجود رسوم جمركية، كما تُشكل قنوات لغسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة، بالإضافة إلى السماح بدخول سلع رديئة لا تخضع لفحص الجودة والسلامة الصحية”.
ويلفت التميمي الذي ينتمي لتيار الحكمة ضمن الإطار التنسيقي الشيعي، إلى أنه سعى الى إغلاق هذه المعابر منذ أكثر من خمس سنوات عبر التواصل مع الجهات المعنية، لكن “دون جدوى، فهي ماتزال تعمل”، منبها الى ان ديالى تتأثر بشدة بهذه المعابر، حيث يمر الطريق الرئيسي للبضائع المهربة عبرها إلى بغداد ومحافظات اخرى”. ويستدرك:”الأحزاب السياسية والشخصيات المسيطرة في الإقليم وخارجه هي المستفيدة الأولى من هذه الأموال”.
اضافة الى الخسائر المالية التي تترتب عن وجود هذه المعابر غير الرسمية، ينبه الخبير المالي صالح رشيد، الى جوانب سلبية أخرى، قائلا “انها تُسهّل دخول البضائع غير الصالحة للاستهلاك البشري، وتُعيق خطط حماية الإنتاج المحلي، وتُتيح تهريب العمال الأجانب، وعمليات غسيل الأموال، وتهريب العملة الصعبة، وغيرها من الأنشطة غير المشروعة، فضلا عن تعطيل فرض التعريفات الجمركية”.
ويواصل تحذيره: “هي تُشكّل تهديدا كبيرا للقطاعات الوطنية، الزراعية والصناعية على حد سواء، إذ تُسهّل تدفق كميات كبيرة من البضائع غير المرخصة بأسعار مخفضة”.
من جانبه يقول الخبير الاقتصادي عثمان كريم، ان هنالك معابر في محافظة حلبجة الحدودية مع ايران، تخضع لسلطة “شيوخ عشائر أو زعماء أحزاب، وهذا يزيد من حجم الفساد والأموال غير الشرعية للأحزاب وزعمائها”.
ويتابع:”يفضل بعض التجار حصر تعاملاتهم في المعابر غير الرسمية لأنها تسهل لهم عمليات تهريب المواد الممنوع استيرادها عموماً”.
مستورد لحوم ومواد غذائية، يعمل في هذا المجال منذ ثلاثة عقود، يقول ان التجارة عبر المعابر غير الرسمية، أثرت على عملهم الذي يعتمد الاستيراد بنحو قانوني وبالتزام كامل بالمتطلبات الصحية والفنية والمالية، مضيفاً :”بالتأكيد التاجر الذي يرفض مثل هذه العمليات غير الشرعية سيتضرر، والحكومة تتضرر وطبعا المواطن”.
وينبه الى أن أعداد المنافذ والمعابر تزداد سنوياً دون حاجة فعلية لها ودون ان تحقق لحكومة الاقليم إيرادات مالية أكبر، متسائلاً: “طالما زيادتها لم تنعكس ايجابيا على اقتصاد الاقليم وتأمين رواتب موظفيه أو تحسين الخدمات والبنى التحتية، فما جدوى وجودها ومن المستفيد منها؟”.
يعلق سليم محمد، موظف من السليمانية، بامتعاض وهو يجر نفساً عميقاً، على استمرار التعاملات غير الرسمية عبر المعابر، قائلا:”منذ سنوات لم أتلق 12 راتبا كاملا، بشرتنا الحكومة قبل أيام بأننا سنتلقى راتب الشهر العاشر كآخر راتب للعام الحالي.. بالتأكيد لن تكون لديهم أموال لدفع رواتبنا طالما عائدات المعابر تذهب الى جيوبهم”.