آراء: ‫من قوة الصراع إلى شراكة الدولة.. الفصائل المسلحة واستحقاق الاندماج الوطني في العراق

‫من قوة الصراع إلى شراكة الدولة.. الفصائل المسلحة واستحقاق الاندماج الوطني في العراق

لم تكن الفصائل بالضرورة نقيضا للدولة، بل غالباً تجسيداً لفراغها المؤقت، وهو ما يفرض تحولها بعد انقضاء الصراع الى كيان الدولة. التحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذا التحوّل بطريقة تحفظ الاستقرار، وتضمن وحدة القرار، وتحفظ كرامة الفاعلين، وتحوّل القوة من حالة استثنائية إلى شراكة دولة مستدامة.

رامي الشمري

بات تحوّل الفصائل المسلحة العراقية من “فواعل نشأت في سياق الضرورة الأمنية والتهديد الوجودي”، إلى جزء من البناء المؤسسي ضمن الدولة، ضرورة ملحة، وفق رؤية غالبية العراقيين بما فيهم العديد من قادة الفصائل المسلحة ومؤيديها.

وتُظهر التجارب العالمية أن الفواعل المسلحة ما دون الدولة تنشأ عادةً في لحظات ضعف المؤسسات وفقدان الدولة لاحتكار العنف المشروع. في مثل هذه اللحظات، لا ينشأ الفاعل المسلح بوصفه خروجًا على الدولة، بل استجابة تاريخية لفراغ مؤقت. الإشكال البنيوي يبدأ حين تستمر هذه الفواعل بعد زوال أسباب نشأتها، ما يفرض على الدولة الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق البناء.

في العراق، برزت الفصائل المسلحة في ظروف استثنائية ومعقدة، حيث كانت حماية المجتمع ومنع انهيار الدولة واجبًا وطنيًا. هذا الدور لا يمكن تجاوزه عند مناقشة مستقبلها في مرحلة ما بعد الصراع، خاصة بعد تحوّل قوتها من السلاح إلى الشرعية السياسية، بعد أن حصلت على أكثر من مئة مقعد نيابي في انتخابات 2025، ما يجعل قوتها الحالية أكبر وأعمق من مجرد السلاح.

الفواعل المسلحة بعد الصراعات

تشير الأدبيات المقارنة إلى أن الفواعل المسلحة خارج الإطار المؤسسي بعد انتهاء الصراع تتحول تدريجيًا إلى عامل هشاشة، حتى وإن كانت دوافعها وطنية في بدايتها. غياب الإطار القانوني والاحتوائي يؤدي إلى ازدواج القرار، وتآكل السيادة، واستدامة منطق الاستثناء.

تجارب دولية متعددة أظهرت أن الدمج المؤسسي المنضبط، حين يتم تدريجيًا وبضمانات سياسية وقانونية واضحة، يسهم في تعزيز الاستقرار بدل تقويضه. هنا يصبح الفرق جوهريًا بين الاحتواء والإكراه؛ فالدولة الذكية لا “تخلع مخالب النمر” بل تغيّر اتجاهه، أي تعيد توجيه القوة ضمن جسد الدولة بطريقة تحفظ كرامة الفاعلين وتمنع ردود الفعل العنيفة.

من الدور الوطني إلى الاستحقاق المؤسسي

نشأت الفصائل المسلحة العراقية في سياق انهيار المنظومة الأمنية، وارتفاع التهديدات الإرهابية، وتآكل الثقة الشعبية بالدولة. خلال مرحلة الصراع، ساهمت هذه الفصائل في منع انهيار الدولة، وحماية المجتمع، واستعادة السيطرة على مساحات واسعة، وهو دور أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية الحديثة.

بعد الانتخابات التشريعية لعام 2025، لم تعد الفصائل المسلحة تمتلك السلاح فقط، بل القوة السياسية والمؤسساتية، ما يجعل استمرارها خارج منطق الدولة عبئًا بنيويًا على النظام السياسي. هذا التحول يفرض على الدولة تبني مقاربة دمج احتوائية، تحافظ على الاستقرار، وتحوّل القوة من حالة استثنائية إلى شراكة مؤسسية مستدامة.

إشكالية بقاء الفصائل خارج الدولة

استمرار الفصائل المسلحة خارج الإطار المؤسسي يؤدي إلى:

• ازدواج القرار الأمني: تداخل السلطات وارتباك التسلسل القيادي.

• الاقتصاديات الموازية: ظهور امتدادات اقتصادية غير منضبطة تُنهك جسد الدولة والنظام السياسي.

• الضغوط الإقليمية المتناقضة: مسارات تحاول الإقصاء الكامل، وأخرى تسعى لتضخيم الدور العابر للحدود، ما يبتعد بالعراق عن المصلحة الوطنية.

هذا الواقع يؤكد أن استمرار الفصائل خارج الدولة لم يعد ضرورة، بل أصبح تحديًا مؤسسيًا يحتاج إلى حلول ذكية وعقلانية.

نحو شراكة مؤسسية احتوائية

المسار الأكثر واقعية وإنصافًا يتمثل في مأسسة الفصائل المسلحة ضمن جسد الدولة عبر مقاربة احتوائية، قائمة على:

• الاعتراف بالدور الوطني الذي قامت به الفصائل في زمن الخطر،

• ضمان الحقوق المهنية والاجتماعية للمقاتلين،

• إعادة تعريف الانتماء كولاء للدولة، وليس للفصيل أو للجهة.

فالسلاح، مهما بلغت أهميته في لحظة الخطر، يبقى أداة، بينما الدولة هي الإطار القادر على حفظ التضحيات ومنحها معنى مستدامًا.

من الحفاظ على الجسد إلى تجاوز العناوين

الفصائل المسلحة العراقية اليوم أمام لحظة مصيرية: بعد امتلاكها القوة العسكرية والشرعية السياسية، أصبحت قادرة على ترسيخ النظام أو زعزعته. الحفاظ على جسد الدولة الوطني يقتضي تجاوز العناوين الفصائلية لصالح منطق المؤسسة:

• إعادة تعريف الانتماء للدولة

• تذويب السيطرة الجهوية تدريجيًا

• فك الارتباط السياسي، وقطع “الحبل السري” بين السلاح والعمل الحزبي

• إنهاء الاقتصاديات الموازية التي تنهش جسد الدولة والنظام السياسي.

الجيش الاحتياطي الوطني يمثل أداة مرنة لتحقيق هذه الأهداف، من خلال: جداول تدريب دورية، لقاءات تنظيمية، وضع القرار العسكري تحت سلطة الدولة، وضمان ولاء المقاتلين للوطن فقط.

سيناريو دمج تدريجي غير تصادمي

يقترح هذا المسار أربع مراحل:

1. التهيئة والاحتواء: حوار وطني مغلق، الاتفاق على مبادئ عامة (وحدة الدولة، حصرية السلاح، عدم الإقصاء)، ووقف أي ضغوط قسرية.

2. التنظيم القانوني: إقرار قانون الدمج، تسجيل الأفراد والعتاد، توحيد الرواتب والإدارة المالية.

3. الدمج الوظيفي: توزيع المقاتلين وفق الاختصاصات، دمج تدريجي ضمن الوحدات العسكرية، تحويل بعض التشكيلات إلى احتياط استراتيجي.

4. التحول الكامل: إنهاء أي وجود مسلح خارج الدولة، منع التحركات العسكرية داخل المدن، انتقال الولاء من الفصيل إلى المؤسسة والوطن.

هذا النهج يمنح الفصائل مسافة أمان، ويحول دون ردود فعل عنيفة غالبًا ما تنتج عن الإكراه أو الإذلال.

المكاسب المتوقعة

• قرار أمني موحد،

• استقرار سياسي وتشريعي،

• طمأنة الداخل والخارج،

• تجفيف منابع الاقتصاد الموازي،

• حفظ كرامة المقاتلين وتضحياتهم ضمن إطار الدولة.

يقف العراق اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة. الفصائل المسلحة التي دافعت عن الدولة في زمن الخطر، قادرة على أن تتحول من قوة استثنائية إلى شريك مؤسسي موثوق. الدولة الذكية لا “تخلع مخالب النمر” بل تغيّر اتجاهه؛ أي أنها لا تسعى إلى نزع القوة بالقوة، بل توجهها داخل جسد الدولة بطريقة تحفظ كرامة الفاعلين وتمنع ردود الفعل العنيفة.

الدمج المؤسسي والاحتواء التدريجي يمثلان الحل الأمثل لتحقيق:

• استقرار الدولة ووحدة القرار،

• حماية التضحيات والحقوق المكتسبة،

• تذويب السيطرة الجهوية وفك الارتباطات السياسية،

• القضاء على الاقتصاديات الموازية،

• بناء جيش احتياطي وطني مرن يخضع للسلطة الرسمية ويضمن الولاء الكامل للوطن.

الدولة لا تُبنى ضد من حماها، بل تُبنى معهم، حين تلتقي القوة مع الشرعية، وتصبح الغاية النهائية اسمًا واحداً هو العراق.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32365}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">