مياه سيول كركوك مضت دون استغلال في ظل واقع زراعي يهدده الاستيراد
جاءت السيول المائية الأخيرة لتسلّط الضوء مجددا على أهمية استثمار الموارد المائية الطبيعية باعتماد استراتيجية طويلة الأمد لخزن واستثمار المياه لتحقيق الأمن المائي والغذائي، وذلك بعد ثلاث سنوات من شح الأمطار في عموم مناطق البلاد
مضت مياه السيول الكبيرة التي شهدتها كركوك، منتصف كانون الأول ديسمبر، بعد أن خلفت أضرارا مادية وتسببت بانهيار جسور وتضرر منازل، في طريقها عبر المجاري الطبيعية، دون استغلالها بالشكل الأمثل، في ظل غياب مشاريع حصاد المياه واستراتيجية وطنية لحفظ الموارد المائية.
وكانت محافظتا كركوك والسليمانية القريبة قد شهدت تساقطات مطرية غزيرة وصلت في يوم واحد الى 80 ملمترا في بعض المناطق، بعد نحو عامين من الجفاف وشحّ الموارد المائية، الذي قلص المساحات المزروعة واضر بالواقع الزراعي الذي يعاني أصلا من تحديات كبيرة على رأسها دخول المحاصيل المستوردة.
ومع ما حملته تلك الأمطار من أخبار جيدة للسكان عموما والمزارعين بنحو خاص، الا انها كانت أيضا مصدر حزن لآلاف الذين الحقت السيول أضرارا كبيرة بمنازلهم ومحالهم التجارية التي دخلتها المياه. في وقت عبر مختصون في مجال الثروة المائية عن خيبتهم “لغياب الاستغلال الأمثل لتلك الكميات”.
ويعاني القطاع الزراعي في العراق منذ سنوات، نتيجة شحّ المياه على خلفية التغيرات المناخية، الى جانب ضعف البنى التحتية الزراعية، ما أدى الى تراجع انتاج بعض المحاصيل والعجز عن سد الجزء الأكبر من حاجة السوق، ما فرض زيادة الاعتماد على استيراد الخضار والفواكه، بما فيها في المحافظات التي كانت تعرف بمساحاتها الزراعية الواسعة مثل كركوك.
وجاءت السيول المائية الأخيرة لتسلّط الضوء مجددا على أهمية استثمار الموارد المائية الطبيعية باعتماد استراتيجية طويلة الأمد لخزن واستثمار المياه لتحقيق الأمن المائي والغذائي، وذلك بعد ثلاث سنوات من شح الأمطار في عموم مناطق البلاد ما وضع العراق أمام عجز مائي خطير في أشهر تموز وايلول وتشرين الأول 2025.
وكان الخزين المائي قد وصل الى مستويات حرجة جداً، حيث انخفض المخزون في السدود الرئيسية في البلاد، فتراجع في سد الموصل الى أقل من مليار متر مكعب. ووصل المخزون الإجمالي للمياه في الصيف إلى حوالي 10 مليارات متر مكعب، وهو أدنى مستوى في 80 عاماً، بحسب خبراء، ما أجبر الحكومة الى تقليص المساحات المخصصة للزراعة في خطتها الموسمية.
هل تمت الاستفادة من السيول؟
كانت السيول قد تشكلت في العديد من مناطق كركوك بما فيها الزراعية لاسيما في شمال غرب قضاء الدبس وجنوب غرب قضاء الحويجة وفي داقوق جنوبي المحافظة. كما أغرقت السيول مئات المنازل بمدينة جمجمال شرقي كركوك مخلفة خسائر مادية كبيرة وموقعة ضحايا، وهو ما أعاد النقاش حول مدى استفادة القطاع الزراعي من تلك الكميات التي تتدفق بشكل سريع وتتجمع لساعات في نقاط محددة قبل ان تمضي جنوبا عبر المجاري الطبيعية.
يقول الناشط البيئي علي احمد، ان البلاد تحتاج الى مشاريع تضمن الاستفادة القصوى من اية كميات من الأمطار تهطل في أشهر الشتاء والربيع خاصة عندما تكون غزيرة وتهطل في وقت قصير مشكلة سيولا مائية كبيرة، مبينا أن انقاذ الزراعة والبيئة العراقية يتطلب اطلاق استراتيجية وطنية لحصاد المياه، تضمن الاستفادة القصوى من كل قطرة مياه يمكن جمعها.
ويضيف ان “ذلك لا يساعد فقط على مواجهة الجفاف وترطيب الجو وتنظيف البيئة وتقليل زحف التصحر، بل يمكن ان تعيد احياء القطاع الزراعي وتسهم بنحو كبير في تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، من خلال زيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الأساسية بما يغطي معظم احتياجات السوق”.
وأسهمت مياه السيول، بحسب مزارعين من مناطق شمالي وشرقي كركوك، في تحسين رطوبة التربة لتكون جاهزة للحرث والبذار، لا سيما في الأراضي التي تعتمد على الزراعة الديمية للمحاصيل الموسمية، وهو ما سينعكس ايجابيا على زراعة القمح والشعير خاصة اذا شهدت تلك المناطق هطولات مطرية أخرى متوسطة خلال شهري كانون الثاني يناير وشباط فبراير.
إلا أن هذا التحسن في التربة، وبحسب مصادر في ادارة المحافظة، يبقى محدودا من حيث المدة والتأثير، ولا يمكن اعتباره منقذا لأزمة الزراعة المستفحلة في المحافظة نتيجة شح المياه، لأن معظم كميات المياه مضت جنوبا دون الاستفادة منها عبر جمعها في مواقع محددة ومن ثم استغلالها في أشهر الصيف.
ويقول رئيس جمعية الفلاحين في محافظة كركوك، الخبير الزراعي محمود علي، ان الأمطار الغزيرة “حسنت بنية التربة وزادت من رطوبتها” وهي بالتالي ستساعد في دعم انتاج بعض المحاصيل الموسمية التي تحتاج إلى تربة رطبة وكمية مياه كبيرة.
ويستدرك: “لكن الاستفادة القصوى من الأمطار ومياه السيول تتطلب وجود مشاريع خزن مائي وحصاد مياه للاستفادة منها في أشهر الصيف، وإلا ستبقى فائدتها محدودة ومؤقتة”، مبينا أن الزراعة تأثرت كثيرا خلال الموسم الماضي بسبب الجفاف ونتيجة قلة الأمطار وانخفاض كميات المياه الواردة من دول الجوار.
المحاصيل المحلية.. موسمية ومحدودة
يقول أبو علي حسن (45 عاما)، صاحب محل لبيع الخضار والفواكه في سوق القورية بمركز مدينة كركوك، ان الأمطار الغزيرة التي هطلت في كركوك والمناطق المحاذية لها، والسيول التي شكلتها، حملت أخبار خير للمزارعين، فهي بشرت بموسم زراعي افضل وبالتالي منتجات محلية أكثر في السوق”.
ويضيف، بينما يشير الى فواكه وخضروات معروضة بشكل منظم في محله :”أمطار جيدة يعني موسم زراعي جيد وانتاج محلي وفير، هذا هو الحال لدينا. فالأمطار خاصة التي تهطل بشكل متوسط وعلى مدى أيام تساهم في زيادة المياه الجوفية ومن ثم منع جفاف الآبار التي يعتمد على مياهها الكثير من المزارعين”.
“هذه المعادلة مقلقة على نحو دائم للمزارعين ولا يمكن ان يعتمد عليها” وعلى الدولة ان تفكر ببدائل لضمان انتاج زراعي مستمر يسد الجزء الاكبر من حاجة السوق، كما يقول احسان محمد (52 عاما) وهو مهندس زراعي. يضيف: “هناك حاجة لمشاريع حصاد المياه، والى عشرات السدود الصغيرة للاستفادة من مياه السويل ورفع خزين المياه الجوفية، الى جانب اعتماد تقنيات تقلل الهدر والتبخر الى أدنى حد ممكن”.
يقول سردار محمود (38 عاما) وهو بائع فواكه وخضروات في سوق “الحصير” بكركوك، ان “الأمطار والسيول أعطت أملا للفلاحين بموسم جيد خاصة للحبوب من قمح وشعير، لكن من ناحية الخضروات والفواكه فالسوق لن يتغير، لأن معظم ما نبيعه هو انتاج مستورد فالمحلي لا يغطي حاجة السوق”.
بدوره يرى محمد عبد الله (50 عاما) وهو صاحب “بسطة” لبيع الخضار، ان الواقع الزراعي لا يمكن ان يتحسن بمجرد موجة من الأمطار الغزيرة. ويقول ان المنتج المحلي مرغوب من الزبائن، لكنه لا يستمر لفترة طويلة، موضحا ان المزارعين يحتاجون الى “دعم لكي يوفروا معظم حاجات السوق من الفواكه والخضر لغالبية أشهر السنة وليس لفترات قصيرة”.
الأراضي الديمية المستفيد الأكبر
مدير دائرة زراعة كركوك زهير علي، يقول ان السيول التي حصلت نتيجة الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال وقت قصير، يمكن ان تحقق فائدة زراعية جيدة إذا أُحسن استثمارها “فالسيول التي شملت مناطق زراعية عديدة، ساعدت في دعم الموسم الزراعي الحالي، خصوصا ما يرتبط بالمحاصيل المنتجة في الأراضي الديمية، فهي تقلل من حاجة الفلاح للري لفترة مؤقتة، وتسهم في تحسين نمو المحاصيل بشكل أفضل”.
وبحسب زارعة كركوك، فان المحافظة تضم مساحات تقدر بمليون دونم قابل للزراعة، لكن المساحة المشغولة فعليا تقدر بنحو أربعمائة ألف دونم فقط، بسبب الجفاف وانحصار الأمطار منذُ العام 2019، خاصة ان وزارة الموارد المائية لديها تحفظ كبير على استخدام المياه الجوفية في عملية الري وترى ان ذلك يؤثر بنحو كبير على مستوى المياه الجوفية التي يجب الحفاظ عليها.
ينبه علي، الى ان مياه السيول يمكن استغلالها بنحو أكبر عندما تترافق مع خطط متطورة لإدارة الموارد المائية، مثل إنشاء أحواض خزن متوسطة، وتنظيف المبازل، ومنع هدر المياه
ويضيف:”نحن نعمل على استثمار هذه السيول ضمن الإمكانيات المتاحة، لكن تحقيق نتائج أكبر وطويلة الأمد يتطلب دعما حكوميا وتعاونا من الفلاحين، ضمن مشاريع طموحة، فالحل في تبني سياسات مائية وزراعية مستدامة تضمن دعم الإنتاج المحلي بشكل فعّال”.
ويتفق مختصون في الزراعة والري، على ان الفائدة التي حققتها مياه السيول في كركوك والسليمانية مؤقتة وقصيرة ولن تدعم زيادة في المحاصيل المحلية في الأسواق، فتأثيرها يظل محدودا في القطاع الذي سيظل يعتمد على الاستيراد الى حين تفعيل سياسات حديثة مدعومة بخطة وطنية واسعة لخزن وادارة المياه.