منارة سنجار المدمرة.. ثمانية قرون من التاريخ تنتظر قراراً حكومياً يعيد لها الحياة
يقول سنجاريون يطالبون باعادة بناء منارة سنجار التأريخية الشهيرة التي نام في ظلها ابن بطوطة قبل قرون، ان تنظيم داعش أراد من خلال تدمير المنارة والمزارات الدينية، تدمير ذاكرة مكونات سنجار وتدمير التعايش فيها، وان اعادة بنائها أمر مهم كونها تمثل رمزا تأريخيا للمدينة وليس لمكون بذاته.
يتفحص كاميران كمال، مدير فريق “أورشينا” الثقافي، ما تبقى من حجارة منارة سنجار التاريخية الأثرية التي هدمها تنظيم داعش في 22 مارس/آذار 2015، قبل أن يقول بصوتٍ حاد: “الآثار روح المدينة وهويتها الحية، تدميرها محاولة لمحو ذاكرتها بكل ما فيها من بشر وهويّة وتأريخ”.
بعد استيلاء تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) على قضاء سنجار شمال غربي محافظة نينوى، في العام 2014، أقدم على تفجير منارتها التاريخية التي كانت تتوسط المدينة، وهي واحدة من المعالم الأثرية والتاريخية العديدة التي دمرها التنظيم خلال فترة استيلائه على نينوى.
وعلى الرغم من إعلان استعادة كافة مناطق المحافظة في العام 2017 واعادة اعمار بعض معالمها المدمرة مثل منارة “الحدباء” والجامع النوري وبعض الكنائس في الموصل، لم تمتد يد اعادة البناء إلى اليوم الى “منارة سنجار” التي يمتد عمرها لثمانية قرون.
منارة سنجار قبل سيطرة تنظيم داعش على المدينة وتدميرها
حسن صالح، مدير تربية سنجار، يؤكد أن المنارة جزء أصيل من الإرث التاريخي للقضاء الذي حاول “داعش” محوه، مشيراً إلى أنها لم تكن مجرد مَعْلمٍ ديني، بل كانت رمزاً مدنياً وإعلامياً، هي كانت رمزاً للمدينة بكل مكوناتها.
يضيف صالح أن المدينة القديمة بأكملها تُعد موقعاً أثرياً، البيوت والخانات كانت مبنية على مناطق أثرية، وتحولت هي الأخرى الى ارث تراثي وتأريخي كما الأسوار القديمة كالسور الروماني في المدينة، وهي معالم تعرضت للتخريب الممنهج تماماً كما حدث للمنارة.
وتعرضت المدينة القديمة التي ضمت مواقع أثرية عديدة، بما فيها كنائس ومزارات تأريخية الى التدمير خلال معارك استعادة سنجار من التنظيم، وقبلها مع قيامه بعمليات تدمير وتفجير ممنهجة لمواقع عديد في المدينة.
يذكر الرحالة الشهير ابن بطوطة (المتوفى عام 1368م) في كتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، أنه زار مدينة سنجار ونام “زُهاء الساعة تحت ظلال منارتها”.
وتشير العديد من الكتب التاريخية، الى منارة سنجار وأسوار المدينة وخاناتها التي كانت تستقبل المسافرين على طرق التجارة القديمة في الشرق، كما الطريق الرابط بين نينوى حلب.
تدمير ثمانية قرون ونيف
يقول يونس الببواتي، الباحث في تاريخ مدينة سنجار، إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر اسم المدينة هو منارتها، بإعتبارها إرثاً تاريخياً مهماً ورمزاً شاهقاً يعود عمره إلى أكثر من 850 عاماً.
ويوضح أن المنارة بُنيت عام 598 للهجرة (الموافق 1202 ميلادية) على يد قطب الدين محمد بن عماد الدين الزنكي، خلال الحقبة الزنكية، وكانت في الأصل مئذنة للجامع الكبير.
وأشار الببواتي إلى أن المنارة، تجاوزت كونها تمثل ديناً بعينه، بل كانت تجسد أطياف المدينة وأديانها كافة، فكانت علامة جامعة لهوية سنجار التاريخية، خاصة ان المنارة لم يقتصر دورها على الجانب الديني، بل استُخدمت كمرصد لمراقبة التحركات العسكرية ومكاناً لإلتقاء الحشود والجيوش، حيث كان القائد يصعد ذروتها لإبلاغ الجنود بالتعليمات أو التعامل مع الحالات الطارئة.
وتذكر مصادر تاريخية أن الإيزيديين استخدموا المنارة أيضاً لإبلاغ سكان المدينة بالأمور الهامة عبر النداء من فوقها؛ مما يؤكد أنها كانت منصة إعلامية وصوتاً للمدينة بأكملها، ترمز للتواصل والتكافل المجتمعي في مدينة يقطنها الإيزيديون إلى جانب المسلمين (السنة والشيعة) والمسيحيين.
ويرى الباحث، ان تدمير المنارة “لم يكن مجرد تفجير لمَعْلم أثري، بل محاولة لطمس هوية المدينة “هذا الفعل الشنيع ترك أثراً عميقاً في نفوس أبناء سنجار جميعاً”.
المنارة جاثمة تنتظر من يحييها
حال منارة سنجار التي تحولت الى ركام، هو حال سنجار المدينة عموماً التي مازال الدمار يطال أجزاء واسعة فيها، ولم يَعُد نحو نصف سكانها اليها على الرغم من مرور ثمانية سنوات على تحريرها من داعش.
يقول عمر علي، وهو شاب من سكان سنجار، ان “كل شيء منسي هنا، العائدون والنازحون منسيون، الخدمات وعمليات اعادة الاعمار، وتحسين الاقتصاد.. كل شيء هنا ينتظر التفاتة الحكومة”.
بعكس الوضع في سنجار، شملت عمليات اعادة البناء في محافظة نينوى اعمار بنايات تاريخية دمرها التنظيم في الموصل، مثل جامع النوري ومنارة “الحدباء” وكنيسة الساعة عام 2025، كما يجري إعمار قلعة تلعفر.
يرجع مدير فريق “أورشينا” الثقافي كاميران كمال، تأخر إعمار منارة سنجار، إلى عدم كونها من الأولويات في المرحلة الحالية خاصة أن معظم مناطق القضاء لا تزال مدمرة، واعمار المواقع التأريخية لا تُدرج ضمن أولويات مشاريع الطوارئ، فضلاً عن التعقيدات الإدارية، وغياب “قرار حاسم” وملزم بجدول زمني من قبل الحكومة.
من جهته، يرى الببواتي أن السبب يكمن في غياب المطالبات الجدّية بإعادة الإعمار عموما والمرتبطة بطبيعة الواقع السياسي والاداري في المدينة والصراع المحتدم على ادارتها بين جهات مختلفة.
بقايا منارة سنجار
ويقول ان الجهات التي تدير المدينة حالياً تعمل بصفة مؤقتة، وينصب تركيزها على المشاريع ذات الاستفادة المادية المباشرة، رغم أن البرلمان العراقي صوّت على اعتبار سنجار “مدينة منكوبة” منذ العام 2016.
ومنذ استعادة القضاء، تعثرت جهود الإعمار واعادة النازحين وتوحيد الهيكلية الادارية على خلفية التصارع على ادارة المنطقة بين حكومة اقليم كردستان والحكومة الاتحادية.
وعلى الرغم من توقيع “اتفاق سنجار” عام 2020 بين الحكومة الاتحادية وحكومة كردستان لتطبيع الأوضاع وإعادة النازحين، إلا أن الاتفاق واجه العديد من التحديات والمعوقات في التنفيذ بسبب الصراعات السياسية وتعدد القوى المسلحة المنتشرة على الأرض من قوات عراقية وحشد شعبي وبيشمركة وفصائل مسلحة.
بقايا منارة سنجار التي حولها تنظيم داعش الى ركام
مبادرات شبابية أهلية
لا يكتفي أحمد أسودكو، الطالب في جامعة الموصل، وزملاؤه بالمطالبة بحماية تراث سنجار واعادة ما يمكن منه بعد تدميره على يد داعش، بل يشاركون ميدانياً في حملات تنظيف وتشجير. يقول أحمد: “نحن مستعدون كمجموعة شبابية للمساهمة في إعادة إعمار المنارة والحفاظ على ما تبقى من آثارنا.. نعرف ان هذا العمل يحتاج الى متخصصين لكننا مستعدون لأي مساهمة تعيد لنا منارة سجنار”.
يقول رئيس فريق “نورنگ” التطوعي، علي شمو، أن وجود المنارة في قلب المدينة مع الكنائس القديمة والمزارات الدينية الايزيدية والشيعية في محيطها، كان علامة على الحضور الثقافي المتنوع لسنجار.
وأضاف، أن استهداف تلك المواقع لم يكن عشوائياً، بل جزءاً من استراتيجية لمحو آثار مجتمع كامل، مؤكداً أن تلك المحاولات فشلت في النهاية أمام تمسك الأهالي بذاكرتهم.
يعود الناشط المدني ناجي حجي علو، الى التذكير بما تعانيه سنجار من إهمال رغم اهميتها الاستراتيجية بموقعها في المثلث العراقي السوري التركي، ورغم رمزيتها الانسانية بعدما ما حصل في 2014 من ابادة بحق سكانها.
ويرى علو، أن المنارة وباقي معالم سنجار الأثرية لم تحظَ بالاهتمام الثقافي والإعلامي الكافي، وكانت طوال عقود مهملة، لم يتم رعايتها وحمايتها من الإندثار، قبل ان يأتي داعش ويدمرها.
ويحذر من أن غياب هذه المعالم الرمزية يؤثر على وعي الجيل الجديد وانتمائه “فالشباب الذين لم يعاصروا المنارة مثلا، لا يشعرون بذلك الارتباط القوي بالمدينة وتراثها، مقارنة بالأجيال السابقة”.