وصفتها احدى المشاركات بأنها ثورة ناعمة تتحقق بـ"حوافر" الخيول، من خلال فارسات مشروع "صهيل" الذي يتجاوز ركوب الخيل الى قيادة المرأة لزمام التغيير وتحقيق أحلام مُؤجلة يمكنها في المستقبل معانقة السحاب، انه مشروع لإعادة نساء بعقوبة الى زمام المبادرة.
خلف غبار السنين التي تركتها النزاعات في محافظة ديالى، يرتفع اليوم صوتٌ مختلف عن ما عهدته تلال المدينة، فهو ليس صوت رصاص أو استغاثات، بل هو “صهيل” خيول تقدنها “فارسات” كسرن قيود سنوات العزلة وبتن يرمزن لعودة الحياة إلى تفاصيل حُرمت منها نساء المحافظة طويلاً.
في مضمار بسيط بمدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى شرقي العراق، التي كانت إحدى ساحات الحرب الطائفية وميدانا يومياً للإنفلات الأمني قبل سنوات، تمسك فارسة شابة، بزمام فرسها لأول مرة، معلنةً انتهاء زمن “العيب والخوف”، وبداية عهد جديد من الشجاعة الأنثوية.
من الوجع إلى الأمل
تُعد ديالى واحدة من المحافظات الخمس الأكثر تضرراً من أحداث العنف في العراق، وهي ساحة توتر وجراح، يحاول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) من خلال مشاريع ميدانية، تضميدها عبر “فرق شباب ونساء” يحملن آمال كبيرة بالتغيير.
هذه الفرق التي دخلت عامها السادس من العمل، أطلقت مبادرة “صهيل” لتكون مسك ختام العام 2025 الذي شهد استقرارا أمنيا وتطورا خدميا محدودا في محافظة توصف بأنها منسية.
تقول آسيا سلام، منسقة فرق الشباب والنساء في ديالى: “اخترنا اسم ‘صهيل’ لأنه يمثل قوة الفرس وجرأتها. أردنا إبراز رياضة تُبني الشخصية، فالخيل تعلم الإنسان كيف يكون صاحب قرار وخطوة، وهذه معايير نحتاجها بشدة في مناطقنا التي عانت من التمزق والتحريض.”
تضيف سلام: “ركزنا في هذه المبادرة على النساء تحديداً؛ لأن تمكين المرأة في ديالى يعطي رسالة سلام أقوى وأسرع انتشاراً. نحن لا نعلمهن ركوب الخيل فحسب، بل نعلمهن القوة والتحدي، ونصنع جسراً للاندماج المجتمعي بين نساء من مختلف مناطق المحافظة.”
فارسات يبحثن عن الشغف
بين الحاضرات، كانت “آية ماجد” (20 عاماً) طالبة الفيزياء في سنتها الرابعة، تتقدم الفتيات المتحمسات لركوب الخيل، لم تمنعها معادلات الدراسة وقيود متوارثة، من البحث عن هواية قديمة ظلت حبيسة أحلام الطفولة.
تقول آية وهي ترقب خطوات خيلها: “أنا ابنة منطقة شفتة، وحبي للخيل قديم جداً لكن الفرصة كانت غائبة. جئت لأتعلم وأكتسب هواية جديدة، ولن تكون هذه مجرد مشاركة عابرة؛ الخيل بالنسبة لي طريق للاستمرارية والثبات.”
شيماء سعد، وهي خريجة تربية لغة إنجليزية، وتعمل حالياً في القطاع الخاص، ترى أن انضمامها الى مشروع “صهيل” تحقيقاً لآخر أهدافها في العام 2025.
تتحدث شيماء بنبرة تملؤها الثقة: “كان أحد أحلامي الكبرى لهذا العام أن أتعلم ركوب الخيل، والآن في نهاية السنة أستطيع القول إنني حققت إنجازاتي. عام 2026 سيكون حافلاً بمزيد من الطموح، والفروسية أعطتني الدافع لأخطط لكل ما هو قادم.”
رسالة إلى “أصحاب الشأن”
لا تقتصر المبادرة على تدريب 15 أو 20 فتاة، بل تحمل في طياتها “دعوة” لتسليط الضوء على واقع رياضة الفروسية في المحافظة، فالمشاركات والمنسقات يجمعن على أن المحافظة تمتلك سلالات خيل أصيلة، لكنها تفتقر إلى الدعم والمنشآت المتخصصة.
تقول آسيا سلام: “نتمنى من اتحاد الفروسية ومن وزارة الشباب والرياضة الالتفات لهذا النوع من الرياضة في ديالى، فنحن بحاجة لتوفير احتياجات هذه الخيول والاهتمام بالبنى التحتية”، وتضيف وهي تشير الى احدى الفتيات التي بدت أنها تتعلم أولى خطواتها في رياضة ركوب الخيل، ان “المبادرة هي الخطوة الأولى، ونريدها أن تتحول إلى ثقافة دائمة”.
علاج وكسر للعزلة
بعد أنهت المتطوعة لينا خالد، جولتها في الميدان مع أحدى الخيول، وقفت تهمس اليها، في مشهد بدا كأنه يجمع بين الهدوء النفسي وقوة الإرادة، تقول نحن نرى أن “صهيل” وسيلة لإمتصاص آثار عدم الاستقرار الأمني الذي عاشته المدينة، فالفروسية ليست مجرد رياضة، بل هي “علاج بالسلام” في مدينة تقاوم النسيان بالعودة إلى أصالتها.
ينتهي العام 2025 في ديالى بصورة “فارسة” تتحدى تقاليد مقيدة وظروف صعبة، لتؤكد أن “الصهيل” اليوم هو صوت النساء اللواتي قررن قيادة حياتهن بنفس القوة التي يقدن بها خيولهن في مضامير بعقوبة، على طريق تحقيق أحلامهن.