تحليل: بانتظار موقف “البرّاني”.. ما دور المرجع الأعلى في ولادة الحكومة الجديدة؟ 

بانتظار موقف “البرّاني”.. ما دور المرجع الأعلى في ولادة الحكومة الجديدة؟ 

مرجعية النجف لم تكن طوال العقدين الماضيين خارج السياسة، حتى حين أعلنت النأي عنها، لكن كيف نقرأ صمت المرجع الأعلى اليوم؟ وهل ستصدر أي إشارة من البراني عند تشكيل الحكومة الجديدة؟

في الـ29 من تشرين الثاني عام 2019، كان منبر صلاة الجمعة في مرقد الإمام الحسين بكربلاء مسرحاً لواحدة من أكثر اللحظات الفارقة في عراق ما بعد 2003، حين قرأ وكيل المرجعية الدينية العليا في العراق، أحمد الصافي، بيان آية الله السيد علي السيستاني وهو يدعو مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة إلى “أن يعيد النظر في خياراته ويتصرّف بما تُمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء أبنائه”، في إشارة مبطّنة إلى عدم رضا المرجع الأعلى عن السلطة التنفيذية وإجراءاتها المُتَّخذة، بعد قرابة شهرين من نزول العراقيين إلى الشوارع ورفعهم مطالب بإسقاط النظام السياسي في البلاد، وما نتج عنه من أحداث دمويّة رافقت “احتجاجات تشرين” في عهد رئيس الوزراء الأسبق، عادل عبد المهدي، الذي خرج بعد سويعات من هذا البيان ليُعلن تقديم استقالته من منصبه إلى البرلمان.

المرجعية في قلب المعترك


لحظةٌ تدعو إلى إعادة ترتيب أوراق علاقة السلطة الدينية “الاعتبارية” التي مثّلتها مرجعيّة النجف بالسلطة السياسية “المنتخبة”، في بلدٍ اختار النظام البرلماني التعددي بدلاً من نظام الحزب الواحد والرجل الواحد. فالمرجعية الدينية التي وجدت نفسها منذ الأيام الأولى لسقوط نظام صدام حسين في قلب معتركٍ لفرض الإرادات بينها وبين سلطة الاحتلال الأمريكي بشأن رسم ملامح العملية السياسية الجديدة في العراق، كانت تدعو في كثيرٍ من بياناتها وتصريحاتها إلى أن يحدد الشعب العراقي شكل نظام الحكم في البلاد من خلال إجراء انتخابات عامة يختار العراقيون فيها من يمثلهم في المجلس التأسيسي لكتابة الدستور، ثمّ يُطرح الدستور الذي يُقرّه هذا المجلس على الشعب للتصويت عليه، مع تأكيدها الدائم على أنّها “لا تُمارس دوراً في السلطة والحكم”، ورفضها الدائم كذلك للتوجّه الأمريكي الذي مثّله رئيس سلطة التحالف المؤقّتة، بول بريمر، بخصوص تشكيل هيئة معيّنة غير منتخبة لكتابة دستور جديد للبلاد.

لكنّ تأكيدها هذا على النأي بنفسها عن التدخل في السلطة والحكم، وترك القرار للعراقيين أنفسهم بانتخاب من يمثلهم في البرلمان، كان يصطدم كلّ أربع سنوات بواقع الحال الذي يفرض نفسه على الجميع، لنجد أنّ مرجعية النجف تدخّلت بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر في أحيان أخرى لتوجيه دفّة المسار السياسي في العراق. فالحكومة الأولى لرئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، التي تشكّلت عن أول مجلس نواب منتخب، كانت تحظى بدعم معلن من مرجعية النجف -وهذا ما تؤكّده زيارات المالكي لها، بالإضافة إلى الرسائل والبيانات الرسمية المتبادلة بينهما- مع حرص المرجعية على رسم خطوط عامّة وملامح أساسية أمام السلطة التنفيذية فيما يتعلّق بالتحدّيات الأمنيّة والظروف الاقتصادية والسلم المجتمعي، حتى وصل الأمر بها إلى إبداء رأي صريح بتقييم الخطوات العملية لحكومة المالكي الأولى بعد أشهر من تولّيه المنصب قائلة: “هم يبذلون جهداً طيباً في إعادة السلام إلى العراق، ولكن ليس بمقدورهم إحراز تقدّم ملموس إذا لم يتخذ الفرقاء العراقيون من المشاركين في العملية السياسية وغيرهم قراراً واضحاً وصادقاً بنبذ العنف واستبداله بالحوار السلميّ لحلّ الخلافات العالقة”، وذلك في معرض ردّها على الأسئلة التي وجّهتها مجلة فور سايت اليابانية للمرجع الديني الأعلى، وهي منشورة في كتاب “النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية”، الذي أصدره وكيل السيستاني في لبنان والمقرّب منه، حامد الخفاف، بالإضافة إلى نصوص ورسائل وبيانات أخرى تؤكّد كل ذلك. لكنّ هذه العلاقة المباشرة بين أفراد الطبقة السياسية العراقية والمرجعية العليا لم تدُم طويلاً، وخصوصاً بعد أن أغلقت أبوابها بوجوههم عام 2011، وفق ما ذكره الخفّاف في حوار صحفيّ معه، مشيراً إلى أنّ “المرجعية الدينية تنتظر تغييراً واضحاً في أداء من بيدهم السلطة، وتقدماً ملموساً في ملفات مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وتخفيف معاناة المواطنين”.

 أنّ مرجعية النجف تدخّلت بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر في أحيان أخرى لتوجيه دفّة المسار السياسي في العراق.

الباب مغلق.. المواقف متدفقة


ومع تأزّم الأوضاع الأمنية في البلاد منتصف عام 2014، إبّان سقوط عدد من المحافظات العراقية في قبضة تنظيم داعش الإرهابي، بعد قرابة شهرين من الانتخابات البرلمانية الثالثة، التي أفضت إلى انسدادٍ سياسي في ظل تمسّك المالكي (92 مقعداً نيابياً) بولاية ثالثة، ورفضٍ سياسي كبير لهذا التوجّه، وردت رسالة وجّهها عدد من أعضاء قيادة حزب الدعوة الإسلامية إلى مكتب المرجعية العليا في النجف يطلبون فيها “التوجيه فيما يخصّ المواقع والمناصب”، ليرد عليها آية الله السيستاني يوم الثلاثاء في الثامن من تموز 2014 بخطّ يده -والرسالة منشورة في كتاب “سنوات الاشتباك” للسياسي العراقي قاسم داود-: “بالنظر إلى الظروف الحرجة التي يمرّ بها العراق العزيز، وضرورة التعاطي مع أزماته المستعصية برؤية مختلفة عمّا جرى العمل بها، فإنّني أرى ضرورة الإسراع في اختيار رئيس جديد للوزراء، يحظى بقبول وطني واسع ويتمكن من العمل سوية مع القيادات السياسية لبقيّة المكونات، لإنقاذ البلد من مخاطر الإرهاب والحرب الطائفية والتقسيم”. وهو ما يؤكّد عدم رضا المرجعية على المساعي الحكومية السابقة، ووقوفها بالضدّ من طموح المالكي بشكل أفضى في نهاية المطاف إلى تنحّي رئيس الوزراء آنذاك عن ترشيحه لرئاسة الوزراء، ثم تكليف حيدر العبادي من قبل البرلمان الجديد بتشكيل حكومة جديدة.

وعلى الرغم من بقاء أبواب مرجعية النجف موصدة بوجه السياسيين، إلّا أنّها كانت من خلال خطب الجمعة، التي يتلوها وكلاؤها المعتمدون في كربلاء، مستمرّة في توجيه الرسائل لهم وللشعب العراقي على حدّ سواء، ففي خطبة الجمعة في الخامس من نيسان 2013، قال وكيل المرجعية العليا عبد المهدي الكربلائي على لسانها: “إنّ الانتخاب الصحيح يعتمد على ركنين أساسيّين كما بينّا سابقاً؛ اختيار الشخص المرضيّ والقائمة المرضيّة معاً، لا يكفي أن يكون المرشح مرضيّاً لدى المواطن ولكن قائمته غير مرضية، أو العكس، كما تؤكد المرجعية الدينية العليا على عدم التأثر بالولاءات العشائرية أو المناطقية أو الحزبية أو العاطفية التي تتعارض مع هذه التوصيات والتوجيهات لتكون معياراً للاختيار، لأنّ الانتخابات مسؤولية وأمانة في عنق المواطن”. وفي 29 آب 2014، قال وكيل المرجعية العليا أحمد الصافي: “إنّ على الحكومة ألا تُجازف بإعطاء المواقع الوزارية أو غيرها لمن لم يقدّم خلال الفترات السابقة خدمة للشعب، بل تفسح المجال لمن تتوفر فيه المعايير السابقة فإنّه من جرّب المجرّب حلّت فيه الندامة”.

مشروطة لا مستبدّة


وهنا لا بدّ من الإشارة إلى المنهج الفقهي الشيعيّ في التعاطي مع الظروف السياسية التي تمرّ بها البلدان الإسلامية، حيث تتّسق مواقف آية الله السيستاني مع فريقٍ من مراجع الدين الشيعة، الذين اتخذوا منذ مطلع القرن العشرين موقفاً إيجابياً من إقامة الدولة الدستورية، التي تقتصر وظيفتها على أداء الواجبات العامّة ورعاية مصالح الشعب، على أن يكون حاكم هذه الدولة مقيّداً بتلك الوظائف من دون أن يكون له الحق في تجاوز القانون ومخالفة الدستور، وهو ما يُعرف باسم “السلطة المقيّدة أو المشروطة”، التي كان من أبرز وجوهها آية الله محمد كاظم الخراساني، وآية الله الميرزا محمد حسين النائيني، وهي تقوم على ثلاثة أصول:

1ـ تدوين دستور يضمن ما للأمة من حرّيات وحقوق، ويتكفل ببيان واجبات ووظائف الحاكم، وتحديد ما يحق له التدخل فيه من غيره.

2ـ تشكيل مجلس شورى وطني من عقلاء البلاد وعلمائها، الحريصين على الأمّة، والعارفين بالحقوق الدولية العامة، والخبراء بوظائف ومقتضيات سياسة العصر، ليكون المجلس مشرفاً على عمل الدولة ومحاسبتها، والتأكد من التزامها بالقانون دون تجاوز الدستور أو التفريط بواجباتها.

3ـ اشتمال مجلس الشورى على عدد من المجتهدين لإضفاء الشرعية على أعمال المجلس والقرارات الصادرة عنه التي تخص مذهب الإمامية والمذاهب الأخرى.

وفي قبالة فريق “الدولة المشروطة” برز حينذاك توجّه آخر تزعّمه آية الله محمد كاظم اليزدي تحت مسمّى “الدولة المستبدّة”، الذي يرى أنّ الدستور والحياة البرلمانية فوضى خارجة عن التقاليد المتبعة، “وربما تتعارض مع إمامة المهدي المنتظر”، ولذلك قام اليزدي بتحريمها واتّهمها بأنّها ستؤدي إلى فساد عظيم، مؤكّداً أنّ مصلحة الدولة يجب أن تكون بيد شخص واحد مسؤول عنها لا يُشاركه فيها مشارك، ولذلك سُمّيت الدولة التي يدعو إليها بـ”الدولة المستبدّة”.

وبالعودة إلى بيان استقالة رئيس الوزراء الأسبق، عادل عبد المهدي، نجد أنّه يحمل في طيّاته إشارات واضحة إلى فهم طبيعة الدور الذي تؤدّيه مرجعيّة النجف في التعامل مع الواقع السياسي، حيث يبدأ عبد المهدي بيانه بآية قرآنية هي “يا أبتِ افعَلْ ما تُؤمر ستجدُني إن شاء الله من الصابرين” سورة الصافات / الآية 102، مُستحضراً قصّة قرآنيّة حدثت مع النبي إبراهيم الذي رأى في منامه أنّه يذبح ابنه إسماعيل، وكانت هذه الآية جواباً من إسماعيل لأبيه، أو – في سياق البيان – جواباً من عبد المهدي للسيستاني يؤكد فيه امتثاله لأمر المرجعية بمخاطبة البرلمان للتنحّي عن منصبه، مع إشارة خفيّة إلى كونه “مظلوماً” في كلّ ما جرى من أحداثٍ رافقت الاحتجاجات والعنف الذي أدّى إلى قتل وإصابة المئات من “متظاهري تشرين”.

بانتظار موقف “البرّاني”


أمّا اليوم، فبعد إجراء الانتخابات البرلمانية السادسة في العراق، وما أفرزته من نتائج وزّعت المقاعد النيابية بين الأحزاب التقليدية دون تغيّر كبير في خارطة التمثيل السياسي العراقي، عادت القوائم المنضوية تحت مسمّى “الإطار التنسيقي الشيعي” لإعلان نفسها الكتلة النيابية الأكبر المعنيّة بترشيح رئيس جديد للوزراء، وتقديم قائمة مكوّنة من تسعة أسماء مرشحة لهذا المنصب -كما أُشيع في الإعلام- إلى مرجعية النجف التي نفت من جانبها هذا الأمر جُملة وتفصيلاً.

ولا يُرجّح أن يتبنى “برّاني” آية الله السيستاني، بعد كل هذه السنوات من النأي بالنفس أمام الإعلام، أيّة مواقف واضحة تضع المرجع الأعلى في مسرح العمل السياسي، إذ ليس نفي المرجعية النجفية لقائمة مرشحي الإطار إلّا حلقة أخرى من مسلسل الموقف المعلن هذا. لكن قادة الإطار، وعلى الرغم من علمهم بأن الباب موصد بوجه قوائمهم، لم يكونوا ليستمروا باجتماعاتهم دون اتخاذ هذه الخطوة، في محاولة لإضفاء بعض الشرعية على عملهم.

هذه المرّة ليست كسابقاتها. إنها ليست 2014 التي كان داعش ينهش خارطة العراق أثناءها، لكنها أكثر حساسية، حيث لم يشهد الشرق الأوسط منذ احتلت الولايات المتحدة العراق 2003 أشهراً بهذا التوتّر، ولم يتّخذ تنافس القوى العالمية والإقليمية في المنطقة شكل الحرب التي عاشتها بعد السابع من أكتوبر، ولم تكن سوريا سدّاً شاهقاً أمام إيران إبان الحكم الأسدي كما هي اليوم، ولم يقترع العراقيون وحزب الله في لبنان بلا قائده الرمز ويتلقّى الضربات، ولم تكن إسرائيل متمدّدة إلى هذا الحد. كل تلك التفاصيل هي أكثر من مجرّد تفاصيل؛ تجعل عملية اختيار رئيس جديد للوزراء أكثر أهمية عما سواها، وتدفع طاولة الإطار التنسيقي إلى خيارات “براغماتية” تراعي الحالة أو تنحني لها، وليست مرجعية النجف، التي مرّرت موقفاً صريحاً في حزيران الماضي على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي يدعو فيه إلى “حصر السلاح بيد الدولة”، بعيدةً عن كل هذه التحوّلات الكبيرة التي تشتبك على خارطة العراق وتتسلّل إلى طاولات القرار، وهنا، يمكن القول إن مرجعية السيستاني لن تضع عراقيل في طريق رئيس وزراء جديد يقدم تعهدات تتماشى مع دعواتها السابقة ورغبة الولايات المتحدة في حصر سلاح الفصائل، لكن فتح أبوابها مرة أخرى لن يكون يسيراً، خصوصاً مع نهجها الأخير الذي صار يغلقها أحياناً أمام عامة الناس وليس أمام ممثليهم السياسيين فحسب.

لأكثر من 20 عاماً كان لمؤسسة المرجعية، وشخص المرجع، أدوار سياسية حاسمة بتدخلها المباشر من خلال توصياتها وإشاراتها السياسية الصريحة، أو حتى من خلال سكوتها أو غلق بابها، فلذلك الباب لغة وهو مفتوح وأخرى وهو موصد، ما يعني أن نأي مرجعية النجف بنفسها عن المواقف المباشرة لا يبعدها عن تلك الطاولات التي تصدر منها القرارات، كما أن استمرار هذا النهج لا يمكن أن يكون مضموناً إذا ما رحل السيد السيستاني وتصدّر مرجع آخر، بحاشية أخرى ومواقف أخرى.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32178}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">