آراء: من قوة الصراع إلى شراكة الدولة: الفصائل المسلحة واستحقاق العراق

من قوة الصراع إلى شراكة الدولة: الفصائل المسلحة واستحقاق العراق

تُظهر تجارب لبنان وليبيا وجيبوتي وساحل العاج، أن الفواعل المسلحة إذا بقيت خارج الإطار المؤسسي، تتحول مع الوقت إلى عبء على الدولة، مهما كانت نواياها الأولى. أما حين تُدمج ضمن بنية قانونية واضحة، فإنها تسهم في الاستقرار بدل إدامة الهشاشة. والعراق ليس استثناءً من هذه القاعدة.

رامي الشمري

تظهر الفواعل المسلحة ما دون الدولة عادةً في لحظات الانكسار الوطني، حين تضعف المؤسسات، ويتقدّم الخطر على النظام، وتفرض الضرورة نفسها قبل اكتمال الدولة. وفي مثل هذه السياقات، لا تكون هذه الفواعل نقيضا للدولة بالضرورة، بل تعبيرا عن فراغها المؤقت، ومحاولة لحمايتها حين تعجز عن حماية نفسها. غير أن لحظة ما بعد الصراع تفرض سؤالا مختلفا: كيف تتحوّل قوة الضرورة إلى قوة دولة؟

في العراق، نشأت الفصائل المسلحة في ظروف استثنائية ومعقّدة، وأسهمت في مراحل حاسمة بحماية المجتمع، والتصدي للتنظيمات الإرهابية، ومنع انهيار الدولة في واحدة من أخطر لحظاتها. وهذه المواقف الوطنية، التي لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، شكّلت جزءًا من ذاكرة الدولة الحديثة، وتستحق التقدير بوصفها فعل دفاع عن العراق، لا بوصفها غاية دائمة بحد ذاتها.

غير أن العراق اليوم يقف عند عتبة مختلفة. فبعد التحولات السياسية الأخيرة، وازدياد التمثيل البرلماني للقوى المرتبطة بهذه الفصائل، لم تعد معادلة التأثير محصورة بمنطق السلاح، بل باتت الشرعية السياسية والدستورية هي المجال الأوسع والأبقى. وهنا يصبح الكسب الأكبر ليس في الاحتفاظ بالقوة خارج الدولة، بل في تحويل هذه القوة إلى شراكة كاملة داخلها.

تُظهر تجارب دول أخرى، مثل لبنان وليبيا وجيبوتي وساحل العاج، أن الفواعل المسلحة إذا بقيت خارج الإطار المؤسسي، تتحول مع الوقت إلى عبء على الدولة، مهما كانت نواياها الأولى. أما حين تُدمج ضمن بنية قانونية واضحة، فإنها تسهم في الاستقرار بدل إدامة الهشاشة. والعراق ليس استثناءً من هذه القاعدة.

لقد كان تعدد الفصائل والانتماءات مصدر قوة في زمن المواجهة، لكنه بات تحديًا في زمن البناء، مع بروز تداخل مؤسسي، وازدواج في القرار، وامتدادات سياسية واقتصادية لا تنسجم مع منطق الدولة الواحدة. كما يتعرض العراق لضغوط إقليمية متناقضة: ضغوط تدفع نحو إقصاء هذه الفصائل بالكامل، وأخرى تسعى إلى تضخيمها وتحويلها إلى نموذج عابر للحدود. وكلا المسارين يُبعد العراق عن مصلحته الوطنية.

الطريق الأكثر عقلانية، والأكثر إنصافًا، يتمثل في مأسسة الفصائل المسلحة ضمن جسد الدولة، لا نزع تاريخها ولا إلغاء دورها، بل إعادة توجيهه. فالسلاح، مهما بلغت أهميته، يبقى جزءًا صغيرًا من معادلة القوة، بينما الدولة هي الإطار الأوسع الذي يحفظ التضحيات، ويمنحها معنى مستداما. والاندماج المؤسسي يفتح الباب أمام مكاسب أكبر: تشريع مستقر، قرار موحّد، احترام داخلي، وطمأنة خارجية.

إن تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل عبر قانون واضح، وهيكلية منضبطة، وفصلٍ صريح بين العمل العسكري والسياسي، من شأنه أن يقضي على مظاهر السلاح في الشارع، ويمنع التحركات العسكرية داخل المدن، ويُنهي التداخل بين المؤسسات. كما يضمن حقوق عشرات الآلاف من المقاتلين عبر الدمج النظامي، والتقاعد وفق السن القانونية، والترقية أسوةً بأقرانهم في المؤسسات الأمنية.

ويمكن لتحويل هذه الفصائل إلى قوة احتياط وطنية، ببرامج تدريب وجدولة واضحة، أن يعيد تعريف الانتماء من الفصيل إلى الدولة، ومن الجهة إلى الوطن، ويُسهم في تذويب السيطرة الجهوية، وقطع الارتباطات السياسية، وتجفيف الاقتصاديات الموازية التي بدأت تُنهك جسد الدولة والنظام السياسي.

في المحصلة، لا يقف العراق اليوم أمام معادلة كسر عظم، بل أمام فرصة تاريخية. فالفصائل المسلحة التي دافعت عن العراق في زمن الخطر، قادرة اليوم على أن تربح الرهان الأكبر: أن تكون جزءا من دولة قوية، موحّدة، تحترم تضحياتها، وتمنحها موقعا مستقرا في مستقبل البلاد. فالدولة لا تُبنى ضد من حماها، بل تُبنى معهم، حين يلتقي السلاح مع الشرعية، وتكون الغاية النهائية اسمًا واحدًا: العراق.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32140}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">