تقرير: الحريات في مأزق .. ناشطون خلف القضبان وقوانين تُقيّد حرية التعبير
حكم على الناشط السياسي ياسين مجيد ثلاث سنوات، بسبب آرائه السياسية على خلفية شكوى من وزير الداخلية، في حالة ليست استثناءً، فخلال العامين الماضيين، شهد العراق عشرات حالات الاعتقال والاستدعاء التي طالت مدونين، صحفيين، وناشطين مدنيين، على خلفية التعبير عن الرأي أو نشر محتوى ناقد.
“لم يقترف ابني أي جريمة، كل ما فعله أنه عبّر عن رأيه ودافع عن حقوق الشعب”، بهذه الكلمات التي جاءت على لسان والد الناشط السياسي المعتقل ياسين مجيد، استهل موقع “الحرة” الامريكي، تقريرا له عن واقع الحريات والقوانين المقيدة لها في العراق.
يصف والد ياسين، معاناة عائلته بعد الحكم على نجله بالسجن ثلاث سنوات، في قضية أثارت جدلا واسعا حول الحريات وحرية التعبير في العراق الذي شهد في انتخابات تشرين الثاني نوفمبر 2025 تزايدا في نفوذ قوى الاطار التنسيقي الذي يضم قوى مسلحة متهمة بتقييد الحريات.
يذكر التقرير “كان ياسين أحد الناشطين البارزين في احتجاجات تشرين 2019، التي شهدها العراق على مدى عام كامل، واستمر بعدها في نشاطه في مجال الحريات المدنية، وفي منتصف إحدى الليالي، داهمت قوة أمنية كبيرة منزل العائلة واعتقلته، ليُحكم عليه بعد أسبوع واحد فقط بالسجن، وفق المادة 226 من قانون العقوبات العراقي، على خلفية شكوى قدّمها وزير الداخلية بدعوى «الإساءة الشخصية» عبر مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي”.
بعد أكثر من شهر وتحديدا في 5 كانون الأول ديسمبر 2025 تنازل الوزير عن الشكوى لدواعٍ إنسانية، إلا أن ياسين لم يُفرج عنه، بسبب فوات المدة القانونية للطعن، كما تقول “نوال فجة”محامية الدفاع، والحكم أصبح باتا بعد تصديق محكمة التمييز، ولم يتبقَّ سوى تقديم طلب تصحيح القرار التمييزي، وهو إجراء استثنائي.
اعتقالات على خلفية الرأي
قضية ياسين ليست استثناءً، كما يؤكد تقرير “الحرة” فخلال العامين الماضيين، شهد العراق عشرات حالات الاعتقال والاستدعاء التي طالت مدونين، صحفيين، وناشطين مدنيين، على خلفية التعبير عن الرأي أو نشر محتوى ناقد.
الناشط المدني مجتبى أحمد، الذي أُصيب بشلل دائم في قدمه إثر قنبلة دخانية خلال احتجاجات تشرين، يقول إن منزله تعرض لمداهمات متكررة، كما اختُطف لساعات من قبل جهات مسلحة، أُطلق سراحه بعدها إثر تدخلات عائلية. ويشير إلى تصاعد واضح في ملاحقة الناشطين منذ انتخابات مجالس المحافظات عام 2023.
ويرى مجتبى أن المشكلة لا تكمن في القضاء بحد ذاته، بل في غياب مواد قانونية واضحة للتعامل مع القضايا السياسية، حيث تُستخدم مواد عامة من قانون العقوبات الصادر عام 1969 أي في حقبة حزب البعث، لمعاقبة الصحفيين والناشطين.
أرقام مقلقة
وثّق المرصد العراقي للحقوق والحريات نحو 68 حالة اعتقال أو احتجاز لصحفيين وناشطين بين يناير 2023 وديسمبر 2024 بسبب منشورات أو آراء، إضافة إلى 142 حالة تهديد ومضايقة، بعضها وصل إلى الابتزاز والتهديد الجسدي.
كما سجّل المرصد 93 ملف ملاحقة قانونية استندت إلى تهم «الإساءة، التشهير، إثارة الفوضى، أو إهانة مؤسسات الدولة»، فضلًا عن 30 حالة إغلاق وتقييد لوسائل إعلامية ومنصات رقمية.
ويقول مدير المرصد عادل الخزاعي إن «واقع الحريات في العراق يمر بأسوأ مراحله منذ عام 2003»، مشيرا إلى ارتفاع الانتهاكات بنسبة 40% خلال العامين الماضيين، مقارنة بما قبل 2020. ويضيف أن مواد قانونية، إضافة إلى لوائح هيئة الإعلام والاتصالات، تحوّلت من أدوات تنظيم إلى وسائل تقييد.
مخاوف من “الدولة البوليسية”
وتفاقمت المخاوف بعد صدور كتاب عن مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى في 26 تشرين الثاني نوفمبر 2025، وجّه الادعاء العام إلى تحريك دعاوى ضد كل من «يحرّض أو يروّج لإسقاط النظام السياسي» عبر الإعلام أو المنصات الرقمية. ورغم التراجع لاحقا ومعاقبة مدير المكتب بتوبيخ رسمي، إلا أن القرار خلّف أثرا واسعا.
ويؤكد الخزاعي، أن المرصد رصد 22 حالة استدعاء وتحقيق مرتبطة مباشرة بمنشورات رقمية، في الأيام التي تلت صدور الكتاب، قبل أن تتباطأ الإجراءات إثر الضجة المحلية والدولية، التي وصلت أصداؤها إلى الكونغرس الأميركي.
وينقل تقرير “الحرة” عن أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي، قوله ان سرعة التراجع عن القرار تعكس وجود رغبة في الحفاظ على هامش من حرية التعبير، لكنه يحذّر من استخدام مفاهيم فضفاضة لتجريم الخطاب السياسي، ما قد يقود البلاد نحو نمط دولة بوليسية.
قوانين معلّقة ومخاوف مستمرة
إلى جانب قانون العقوبات، يثير مشروعا قانون جرائم المعلوماتية وقانون حرية الاجتماع والتظاهر السلمي مخاوف واسعة، رغم عدم إقرارهما حتى الآن. ويحذر ناشطون من أن هذه القوانين قد تفرض عقوبات تصل إلى 10 سنوات وغرامات مالية كبيرة بحق صحفيين ومدونين.
بدورها، ترى المحامية “نوال فجة” أن القيود المفروضة على حرية التعبير «قديمة ومتراكمة»، وتتمثل في تطبيق مواد قانونية لا تنسجم مع المعايير الدولية، إلى جانب تعليمات ولوائح تحدّ من حق انتقاد السلطات.
يحدث ذلك في وقت يؤكد رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان، علي العبادي، أن الدستور العراقي لا سيما المادة 38، يكفل “حرية التعبير والصحافة والتظاهر السلمي”، داعيا الحكومة والبرلمان الجديدين إلى تضمين احترام الحريات ضمن برامجهم السياسية.
ويحذر العبادي من أن القرارات الأحادية والتوسع في الملاحقات القانونية تمثل تقويضا للديمقراطية، ويؤكد أن أي تشريع أو قرار يجب أن ينسجم مع الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الانسان.
ويخشى صحفيون وكتاب وناشطون، من غلبة منهجية التضييق على الحريات وملاحقة المنتقدين، في السنوات الأربع المقبلة مع سيطرة قوى الاطار التنسيقي على السلطة التشريعية الى جانب السلطة التنفيذية، وفق نتائج الانتخابات البرلمانية في 2025.
ويحذر حقوقيون، من تشريع قوانين واتخاذ اجراءات تهدد أهم مكسبين حققهما العراقيون بعد 2003 وهما “مسار الديمقراطية” و”فسحة الحريات”، مذكرين من أن العراقيين خسروا مئات آلاف من أبنائهم لمواجهة الممارسات الدكتاتورية ولا يمكن القبول بعودتها تحت اي غطاء.