يعد توظيف وسائل الإعلام والمنصات الصحفية لخدمة الأهداف والمصالح الشخصية، تجاوزاً أخلاقياً ومهنياً فادحاً لأسس وقيم الصحافة. هو يلحق أضراراً جسيمة بمصداقية المهنة الإعلامية وشرفها ومكانة سلطتها، إلى جانب تقويض ثقة الجماهير في نزاهة وموضوعية وسائل الإعلام.
تكمن خطورة هذا الاستغلال المتصاعد، والذي نشهده كل يوم على عشرات المنصات الاعلامية، في أنه يحوّل الإعلام من سلطة رابعة تراقب وتسائل، إلى أداة للتلاعب بالرأي العام وفق مصالح ضيقة، والى وسيلة للتضليل لا لنشر الحقيقة وكشف العيوب، مما يفتح الباب أمام انتشار الشائعات والمعلومات المزيفة.
ذلك التجاوز الخطير للقيم المهنية والأخلاقية للصحافة، على مرأى من النقابات الصحفية الغارقة في قيودها الحزبية، وفي ظل غياب “مجالس الصحافة”، سمح لعشرات الإعلاميين والمدونين من دخول هذا المجال المهني الحساس لإستغلاله وسيلة لجني الأموال أو الحصول على منافع شخصية وامتيازات سياسية.
انتهاكات مهنية وبإفتخار
نجد اليوم، مقدمي برامج ومذيعي أخبار، يستعرضون أنفسهم أثناء تقديم النشرات الإخبارية، يلوون عنق الحقائق عبر تقديم أنصافها “بلغة وهيكلية وفلتات وسائل التواصل، لا رصانة القواعد المهنية والاخلاقية” وباسم الصحافة الجديدة.
فيما يحول آخرون المحتوى الإعلامي إلى مسرحية سياسية واجتماعية، فيطلقون الوعود للمواطنين بتوزيع الأموال والمعونات من حساباتهم الشخصية أو من ميزانيات مؤسساتهم، متناسين أن دورهم الحقيقي هو نقل الأخبار وتحليلها وليس صناعة الأحداث أو التدخل فيها.
يظهر ذلك جلياً في بعض القنوات ذات الامكانات المالية الكبيرة، حيث يتخطى المذيع أو الصحفي دوره المهني المحايد ليصبح مروجاً بدلاً من كونه شاهداً.
وهناك من يندسون وسط الجماهير متخفين بعباءة الإعلام، عقب ظهورهم على الشاشات كمعلقين او محللين للأحداث، بينما يبثون رسائل وخطابات سياسية، مستغلين شهرتهم والمنصات الإعلامية التي تسندهم لبناء قواعد جماهيرية تمهيداً للانخراط في العمل السياسي أو الحزبي.
شهدنا حالات متكررة لمراسلين ومذيعين استغلوا شهرتهم الإعلامية لأغراض سياسية شخصية، حيث تحولوا بين ليلة وضحاها من إعلاميين إلى مرشحين سياسيين، مستفيدين من سنوات التواجد الإعلامي اليومي، دون ان يمتلكوا الخلفية السياسة ولا الرؤى المنفردة الداعية لخط ثالث أو رابع من التوجهات السياسية.
هذه الممارسات تخلق خللاً خطيراً في العملية الديمقراطية وتطرح تساؤلات جدية حول نزاهة التغطية الإعلامية السابقة واللاحقة.
استغلال لمصالح خاصة
الأخطر من استغلال الصحفيين الأفراد لمنصاتهم، استغلالُ أصحاب المؤسسات الإعلامية ومديريها لهذه المؤسسات لمصالح شخصية بعيدا عن الرسالة المعلنة لتلك المؤسسة.
فهناك أشخاص في المجال الإعلامي يستغلون عملهم لأهداف شخصية، ومن أبرز مظاهر هذا الاستغلال: توظيف المؤسسات الإعلامية للترويج لمصالح حزبية أو عشائرية، والاستيلاء على عائدات مؤسساتهم، وحرمان الصحفيين من رواتبهم ومكافآتهم، وتحويل خط التحرير ليخدم أجندات شخصية، ومنح الامتيازات والترقيات على أساس الولاء لا الكفاءة.
هم يهيمنون على المؤسسات الإعلامية بأساليب حزبية، وأحياناً عشائرية واجتماعية، ويتعاملون معها كممتلكات خاصة ويحولونها إلى مصادر ربح شخصية.
هذه الظاهرة لها تأثيرات سلبية كبيرة على القطاع الإعلامي، لكن للأسف لم تحظَ باهتمام يُذكر، فهي لا تُناقش في أي منبر إعلامي ولا حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، مع الضرورة الملحة لإثارتها على أمل معالجتها وعلى الأقل التخفيف منها.
لدينا أمثلة كثيرة على صحفيين تعرضوا “للخيانة المهنية” من مؤسساتهم أو من مدراء المؤسسات الإعلامية الذين استولوا على أموالهم، والمتورطون في هذه الظاهرة المشينة يفلتون من العقاب بسهولة، لا يخشون القانون ولا يهتمون بسقوط سمعتهم الاجتماعية.
فخ شراء المعلومات
في موازاة الاستغلال الإعلامي، تندرج ايضا أشكال من التجاوزات الأخلاقية، كشراء المعلومات. من الناحية المبدئية والأخلاقية، لا يجوز للصحفي دفع المال مقابل الحصول على المعلومات، إذ يُعتبر ذلك شكلاً من أشكال الرشوة التي تتعارض مع أخلاقيات المهنة الصحفية.
عندما يُدفع المال مقابل المعلومات، يتم تشجيع العرض والبيع والابتزاز، ويصبح المصدر لديه حافز مادي قوي للمبالغة أو تحريف الحقائق أو حتى اختلاق معلومات ووثائق كاذبة، وهذا يجعل الصحفي غير قادر على الوثوق بما يحصل عليه من معلومات.
المعلومة الصحفية هي “حق عام” وليست سلعة خاصة قابلة للبيع والشراء، وعندما نسمح بشراء المعلومات، فإننا نحوّل الحقيقة إلى بضاعة، وهذا ينتهك المبدأ الأساسي للصحافة كخدمة عامة. كما أن الدفع مقابل المعلومات يخلق علاقة تبعية بين الصحفي ومصدره، مما يؤثر على استقلالية التغطية الصحفية.
مع ذلك، ثمة فرق جوهري بين دفع المال مقابل المعلومات وبين تغطية النفقات المعقولة والضرورية التي تكبدها المصدر فعلياً. في كثير من الحالات، يكون مصدر المعلومات أشخاصاً عاديين من ذوي الدخل المحدود يتحملون تكاليف مادية حقيقية للتواصل مع الصحفي.
هنا ربما تقع على عاتق الصحفي أو المؤسسة الإعلامية مسؤولية أخلاقية لتغطية نفقات مباشرة ومشروعة، مثل بطاقات شحن الهواتف المحمولة، وتذاكر المواصلات للوصول إلى موقع الحدث، او تغطية تكلفة انقطاع المصدر عن العمل ليوم واحد أثناء تفرغه للإدلاء بمعلوماته للصحفي. وإلا فإن عدم تغطية هذه النفقات سيحرم الفئات الفقيرة والمهمشة من إيصال أصواتهم إلى الإعلام، مما يخلق تحيزاً طبقياً في التغطية الإعلامية.
المنطقة الرمادية الواسعة
بين شراء المعلومات “المحظور” وتغطية “النفقات المشروعة”، تقع منطقة رمادية أخرى تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية، وهي تقديم المساعدات الإنسانية للمصادر.
قبل عدة سنوات، كنت أعمل على تغطية صحفية بالتعاون مع مؤسسة إعلامية يابانية. أثناء إجراء مقابلة مع إحدى العائلات التي عانت من مأساة الاختفاء القسري، حيث فُقد معظم أفرادها ولم ينجُ سوى الأب وابنه الصغير، كان الطفل، الذي لا يتجاوز عمره السبع أو الثماني سنوات، جالساً في ركن من أركان الغرفة المتواضعة، منهمكاً في اللعب بهاتف والده المحمول. تملّكتني مشاعر الشفقة والتعاطف الإنساني العميق تجاه هذا الطفل البريء، فقدمت له مبلغ خمسة وعشرين ألف دينار عراقي كهدية، وكذلك فعل المترجم الصحفي المرافق.
بعد اختتام المقابلة، لاحظت أن تعابير وجه الصحفي الياباني تغيرت بشكل واضح، وبدت عليه علامات الانزعاج الشديد.
قال بنبرة حازمة: “التصرف الذي قمتما به يُصنّف ضمن إطار تقديم الرشوة أو المقابل المادي للمصادر الصحفية، وهذا يتناقض تماماً مع المعايير الأخلاقية والمهنية للصحافة. في بلادنا، مثل هذا السلوك محظور تماماً، حتى لو كانت النية حسنة”.
حاولنا أن نشرح له أن ما قمنا به كان مجرد مبادرة إنسانية عفوية، لكن الصحفي الياباني ظل متمسكاً بموقفه الصارم، مصراً على أن هذا التصرف غير مقبول مهنياً.
هذه الحادثة، تظهر حجم التحديات المعقدة التي يواجهها الصحفيون في الموازنة بين إنسانيتهم ومهنيتهم، والمساحة الرمادية الواسعة، وتؤكد أن الحدود الأخلاقية في الصحافة ليست دائماً واضحة وقاطعة.
إن جميع أشكال الاستغلال التي استعرضناها تشكل منظومة متكاملة من الانحرافات التي تهدد أساس المهنة الإعلامية وتقوض دورها في خدمة المجتمع.
لمواجهة هذه الظواهر، يجب وضع مواثيق شرف إعلامية صارمة تمنع استغلال المنصة الإعلامية لأغراض شخصية، وإلزام الإعلاميين الراغبين في الترشح للانتخابات بالاستقالة من عملهم الإعلامي لفترة كافية، وتفعيل دور النقابات الإعلامية في محاسبة المخالفين، ورفع الوعي الجماهيري بخطورة هذه الممارسات.
كما يجب وضع آليات رقابية فعالة لحماية حقوق الصحفيين من استغلال أصحاب المؤسسات، وضمان حصولهم على رواتبهم ومستحقاتهم.
لكن في ظل غياب “مواثيق الشرف” لدى الغالبية الساحقة من المؤسسات الاعلامية، ومع عدم وجود “مجالس للصحافة”، والموت السريري للنقابات الصحفية، والتلاعب والتجاوز على القوانين المتعلقة بالصحافة، يبدو ان كل أشكال الانتهاكات والاستغلال الممنهج ستستمر وبكل فخر من قبل أصحابها.
جوهر الرسالة الإعلامية، تؤكد إن المهنة الصحفية تحمل مسؤولية عظيمة تجاه المجتمع، وهي مسؤولية تقتضي الالتزام بأعلى معايير النزاهة والشفافية والاستقلالية، مع لائحة طويلة من الأخلاقيات.
أي انحراف عن هذه المعايير، سواء بشراء المعلومات أو باستغلال المنصة الإعلامية لأغراض شخصية أو بتحويل المؤسسات الإعلامية إلى ملكيات خاصة تخدم مصالح ضيقة، يمثل خيانة لهذه الأمانة ويضر بالمهنة والمجتمع على حد سواء.
الإعلام الحقيقي هو الذي يخدم المصلحة العامة لا المصالح الخاصة، وينقل الحقيقة دون تزييف أو استغلال. وحين نحافظ على هذه المبادئ، نحافظ على دور الإعلام كسلطة رابعة حقيقية تراقب وتحاسب وتنير الطريق أمام المجتمع نحو مستقبل أكثر تقدما وشفافية وعدالة.