من طين ديالى إلى زحام بغداد.. “النرجس” رزق الفلاحين وعطر المدينة في شتاء كانون
موسم قطف النرجس هو "فزعة خير" لدى بعض المزارعين، فالأرض التي تزرع بأشجار الحمضيات من برتقال وليمون، تُستغل المساحات تحت الأشجار لزراعة أبصال النرجس، التي تزهر في كانون لتوفر دخلاً إضافياً للمزارعين
في وقت تلف السماء سحب الشتاء، وتبدو شوارع بغداد وأبنيتها رمادية اللون، يبرز مشهد مختلف على بعد بضع عشرات من الكيلومترات شمالا، وتحديدا في البساتين والحقول التي تقاوم الإندثار في محافظة ديالى، هناك بين التراب المعطر بالمطر والأشجار الخضراء المورقة تنبعث ألوان زاهية ورائحة زكية معلنة عن موسم “النرجس”.
انه موسم الإحتفاء بالجمال، في الأرض التي تنبض بالحياة، فزهرة النرجس بأوراقها البيضاء والصفراء، ليست مجرد نبتة للزينة، بل هي بشارة على موسم وفير، وهي ضيف عزيز يقبل شهرين فقط من كل عام، ليقلب مزاج محبي الحياة ممن يصادفون باقات النرجس وهي تزين يد باعته على الطرقات.
يقول أحمد علي (30 عاما) من ديالى، وهو مدرس حديث التعيين، ان له ذكريات لا تنسى مع باقات النرجس، حيث كان يحملها الى مدرسته في بعقوبة، ولاحقا الى كلية التربية حين درس في بغداد. يضيف :”انها بألوانها الزاهية وعطرها الساحر، مبعث جمال وفرح، وهي كذلك مصدر رزق لمئات العائلات التي تعمل على قطفه من الحقول وبيعه في الأسواق”.
في بساتين بعقوبة والخالص وبهرز، يتم الاعتناء بشتلات النرجس، والمزارعون هناك يعتبرونها “فاكهة الشتاء” رغم أنه لا يؤكل. الصباح عندهم يبدأ قبل شروق الشمس، يلبسون “جزمات العمل” ليخوضوا في الطين البارد، ويبدأوا بقطف الزهور المتفتحة بعناية.
“العملية ليست سهلة، وتتم بلطف” يقول المزارع الشاب فارس عبدالله، فالزهرة حساسة ويجب قطفها وهي “ندية” لتعيش أطول فترة ممكنة، كما يجب جمعها وترتيبها ووضعها في صناديق او سلال خاصة بعناية.
يضيف فارس، انه مع تراجع مساحات الحقول والبساتين في ديالى، فان كميات “النرجس” التي يقطفونها باتت أقل مما كانت عليه قبل سنوات.
بعد القطف، يقوم العاملون بما يسمونه “الصرّ”، أي تجميع الزهور في باقات صغيرة متساوية، وربطها بخيوط بسيطة، لتصبح جاهزة للبيع.
تُحَمَل صناديق الزهور، الى سيارات حمل صغيرة، تنطلق بها مسرعة صوب العاصمة بغداد قبل أن يصحو الموظفون والكسبة وينطلقوا الى مواقع عملهم ومصادر رزقهم. هذا المشهد يتكرر بشكل شبه يومي طوال شهري كانون الأول ديسمبر وكانون الثاني يناير.
“ذهب ديالى الأبيض” مورد مالي اضافي
بالنسبة للفلاحين في ديالى، موسم النرجس هو “فزعة خير” كما يقولون، فالأرض التي تزرع بأشجار الحمضيات من برتقال وليمون ويوسفي، تُستغل المساحات تحت الأشجار لزراعة أبصال النرجس، التي تعد بيئة جيدة لنموها، وهو ما يوفر دخلاً إضافياً لهم.
يقول المزارع ابو احمد (55 عاما) ان “النرجس رزقه سريع، ننتظره في هذا الموسم من كل عام، ونكسب منه رزقا حلالا يعيننا على تأمين مصاريف ومتطلبات الشتاء ودراسة الأولاد وشراء احتياجاتهم”.
تصل الباقات إلى بغداد، وتتوزع على الباعة المتجولين عند الإشارات الضوئية المزدحمة مثل تقاطعات “الجادرية، اليرموك، والكرادة. هناك وسط دخان السيارات وأصوات المنبهات العالية وتوتر الزحام الصباحي، يظهر بائع النرجس حاملاً “دلو” الماء المليء بالباقات.
يتراوح سعر الباقة الصغيرة بين 1000 الى 2000 دينار. “انه مبلغ بسيط مقابل مفعولها الساحر”، يقول فتى صغير، كان يتحرك بين السيارات حاملا عدة باقات منها وهو يعرضها مع ابتسامة صغيرة، على أصحاب سيارات الصالون المتوقفة في انتظار عودة حركة السير.
تقول عالية سامي، موظفة، معلقةً على رغبة البعض لشرائها:”نشتريها لنضعها على مكاتبنا، هي يمكن ان تزين اي طاولة توضع عليها، فجمالها وعطرها يسران القلب. على الرغم من صغر الباقة، الا انها ربما تشكل لحظة هدنة صغيرة مع قسوة الحياة اليومية”. تضيف:”يشتريها الشاب ليهديها لخطيبته، أو حتى سائق تكسي ليعطر بها سيارته”.
بائع النرجس، حسين (17 عاماً) الذي اعتاد الوقوف يوميا عند احدى تقاطعات العاصمة، يقول: “النرجس هو الرزق الوحيد الذي لا يجادلني الناس في سعره (محد يكاسرني عليه) يشترون او يمضون مكتفين بالابتسامة. عندما يفتح السائق زجاج السيارة، أشعر أنه يشتري راحة بال وليس مجرد ورد”.
يتابع، بينما يقرب احدى الباقات الى وجهه الذي تغالبه حمرة شكلها برد الصباح :”أرى الملل في وجوه الموظفين صباحاً، لكن بمجرد أن يشموا عطر الباقة تتغير ملامحهم.. البعض يبادلني كلمات طيبة حتى وان لم يقم بشرائها، وهذا يهوّن عليّ وقفة الشارع الطويلة”.
في اقليم كردستان العراق، مثل زاخو ودهوك، يتأخر ظهور النرجس الطبيعي في الوديان الجبلية والسهول عادة الى نهاية منتصف شهر شباط وبداية آذار حين يخف البرد، لكنه يظهر في بعض مناطق أربيل وعقرة في نهاية العام وبدايته ومعها ينتشر الباعة على تقاطعات الشوارع الرئيسية وهم يعرضون باقاتهم الذهبية.
كما ان مزارع خاصة في اقليم كردستان بإنتاج الورود بدأت منذ سنوات قليلة بزراعة النرجس، لذلك يمكن ان تجد الزهرة في اوقات أخرى تباع في محلات بيع الزهور المستوردة، لكن بائعي النرجس الطبيعي يصرون على ان “رائحتها تختلف، فلا شيء يظاهي الطبيعي منها”.
تقول مروة (29 عاماً) وهي صاحبة محل لتنسيق الزهور في منطقة المنصور: “رغم أن محلي يمتلئ بأفخر أنواع الجوري والتوليب المستورد، إلا أن للنرجس هيبة خاصة لا يُنافسها أي ورد عالمي، زبائني يدخلون المحل ويسألون عنه بالاسم؛ فالنرجس بالنسبة لهم ليس مجرد زينة، بل هو ريحة العراق وذكريات بيوت أهاليهم القديمة”.
مروة التي تحرص على وجود النرجس في محلها بشكل دائم طوال أشهر الشتاء والربيع، تقول وهي تشير الى عدة باقات جاهزة للبيع:”الغريب أن الزبائن بما فيهم العشاق الذين يشترون باقات باهظة الثمن، يطلبون معها (شدة نرجس) صغيرة، وكأن الهدية لا تكتمل بدون عطر وجمال النرجس”.
موسم النرجس الطبيعي القادم من بلدات ديالى، ينتهي سريعا بحلول نهاية شهر كانون الثاني يناير، ومعها تختفي تلك التيجان البيضاء والصفراء من التقاطعات، ويتوقف فرح العاملين في هذا النشاط الموسمي من فلاحين ومسوقين وباعة، لكن الذكريات الجميلة لزهرة تخرج من “طين المعاناة” لتصنع الفرح، تظل عالقة في بيوت البغداديين.