تقارير سردية: بعد سنوات من الحرب.. “التنوع” في نينوى من محور صراع إلى مرتكز لجذب السياح

بعد سنوات من الحرب.. “التنوع” في نينوى من محور صراع إلى مرتكز لجذب السياح

نينوى بمزيجها الثقافي وتراثها وعمقها التأريخي وتنوعها السكاني الفريد، تمثل مركز استقطاب سياحي مهم لكنها تحتاج الى تطوير في بنيتها التحتية والى تنظيم مهرجانات واعلانات ترويجية تظهر جمال وتنوع نينوى "ففي كل زاوية هناك ما يستحق الزيارة من جبال ووديان سنجار غربا، الى كنائس ومعابد سهل نينوى شمالا وشرقاً، الى معالم الحضر جنوبا، وسحر الموصل ونهرها وآثار آشور المدهشة".

:زهراء يوسف

بصوت عالٍ وابتسامة خفيفة تسرد “أسماء الشالجي” داخل سيارة نقل خاصة بالسياح، تفاصيل “رحلتها الفريدة” إلى محافظة نينوى، كما تصفها، وسط انتباه السياح القادمين من مختلف مناطق العراق لزيارة معالم نينوى التاريخية والتراثية بما فيها تلك التي دمرها تنظيم داعش وتم اعادة بنائها.

منهاج الزيارة شمل “معبد لالش” بمنطقة الشيخان والذي يُعدّ “أهم” و”أقدس” معابد الديانة الإيزيدية في العالم، ودير “مار متي” وكنيستي “مار توما وهرمز” في سهل نينوى، وهي من أقدم الآثار المسيحية في العراق، بالإضافة إلى زيارة “جامع النوري الكبير” ومنارته “الحدباء” التي فجرها تنظيم داعش عقب سيطرته على مدينة الموصل في العام 2014، فضلاً عن المناطق الطبيعية مثل “الغابات” و”الكورنيش” المطل على نهر دجلة.

الشالجي، هي رئيسة فريق “الأنقياء” وهي مجموعة تطوعية تنظم رحلتين سنوياً على الأقل إلى محافظة نينوى، تقود في كل رحلة نحو 50 شخصاً من مختلف الأعمار والإنتماءات والخلفيات والمناطق، للتعرّف على معالم نينوى وللإطلاع على حياة سكانها والتعايش السائد بين مكوناتها الدينية والقومية.

تقول:”نحن من خلال الرحلات التي ننظمها للمعالم الأثرية والدينية والتراثية نذكر الجميع بأن التعايش الممتد لقرون بين مكونات نينوى، لم تنجح سنوات العنف الديني والطائفي في تدميره”.

خلال السنوات الأربع الماضية نفذت فرق مشابهة لـ”الأنقياء” مثل “برج بابل” و” دوشفري” و “بالعطلة” وغيرها، إضافة إلى عدد من الشركات السياحية، عشرات الرحلات التي جذبت المهتمين بالآثار والتراث ومحبي إرث الديانتين الإيزيدية والمسيحية.

1111111111

صورة نينوى ما بعد الحرب

سياحة وأمان وتعايش

“حكم هشام” الذي عرف كناشط مدني من نينوى بعد العام 2014، أطلق شركته الخاصة منذ عام ونصف، ويقدّم خدماته للسياح القادمين من مختلف محافظات العراق، بالإضافة إلى الأجانب من دول العالم الذين يدفعهم الفضول لمعرفة آثار الحرب ومشاهدة المناطق المتضررة وتوثيقها.هو يريد ان يبرز صورة نينوى ما بعد الحرب، نينوى المختلفة التي تريد ان تتعافى من آثار الدمار بدعم من مختلف مكوناتها.

ويعيش في محافظة نينوى شمالي العراق، منذ قرون خليط من قوميات وأديان ومذاهب عدة، وقد عانت جميعها أبان سيطرة تنظيم داعش، الذي نفذ فيها جرائم وصفتها الأمم المتحدة بأنها “إبادة جماعية” بحق أتباع الديانة الإيزيدية والأقليات الدينية، بدءا من حزيران 2014 ولغاية استعادتها من قبل القوات العراقية في خريف العام 2017.

اليوم وبعد تدمير أجزاء كبيرة من مركز المدينة التي تضم آثارا هائلة للامبراطورية الآشورية، ومناطق واسعة في مدن تأريخية معروفة مثل سنجار، تعود نينوى لتصبح مقصداً للسياح المحليين والأجانب الذين يسعون للتعرّف على آثارها النادرة وتاريخها القديم وتراثها الغني، وللتعرف على انعكاسات مزيجها التراثي والثقافي وتجربة أطباق مطعمها الشعبي المعروف، والتمتع بالطبيعة الخلابة للعديد من مناطقها.

وكانت نينوى مركزاً للإمبراطورية الآشورية التي حكمت مناطق شاسعة من العالم القديم، بما فيه أجزاءً من إيران وتركيا وبلاد الشام ووصل توسعها إلى مصر عام 663 قبل الميلاد، وتميزت بطراز معماري فريد، ومن أشهر آثارها “الثور المجنّج”.

بعد العام 2003 كانت نينوى، ومركزها مدينة الموصل، توصف بأنها واحدة من أكثر المناطق خطورة في العراق حيث كانت تشهد تفجيرات وعمليات اغتيال وقتل يومية راح ضحيتها آلاف المدنيين، ووصلت ذروتها عام 2014 عندما سيطر عليها تنظيم داعش ونفذ فيها عمليات ابادة وقتل واسعة بحق السكان وبشكل خاص الايزيديين، وتدمير ممنهج لمعالمها، وما تلا ذلك من عمليات عسكرية كبيرة نفذتها القوات العراقية بهدف طرد التنظيم، ما تسبب بدمار كبير في البنية التحتية.

وكان تنظيم داعش قد عمد الى تدمير مرقد النبي يونس، أحد أبرز معالم المدينة، وعدد آخر من مراقد الأنبياء، الى جانب الجامع الكبير ومنارته الحدباء التي عرفت المدينة بها، وعدد من الكنائس القديمة في الموصل، إضافة إلى عدد من معابد الإيزيدية في قضاء سنجار (غرب المحافظة).

ونفذ التنظيم غالبية عمليات القتل والتدمير على خلفيات دينية وطائفية، وحاول اثارة الخلافات الطائفية لتحقيق مصالح سياسية وسلطوية وان جاءت على حساب خلق صراعات مجتمعية مدمرة.

“وعلى الرغم من ذلك فان السنوات التي تلت تحرير نينوى شهدت انفتاحا بين السكان على الديانات والمذاهب والطوائف المختلفة، واصبح هناك تفهم وتقبل أكبر بكثير للآخر المختلف، ما ساهم في اعادة بناء السلم الأهلي” كما يقول الناشط عيسى أحمد.

222222

الإبادة عرّفت العالم بالإيزيدية

وسلطت الضوء على واقع المسيحية

الإبادة التي تعرض لها أتباع الديانة الإيزيدية على يد تنظيم داعش، دفعت عشرات الملايين عبر العالم الى محاولة التعرف على تلك الديانة وأتباعها، “وسلطت الضوء على معتقادتهم ومعابدهم، حتى تحول معبد لالش الى مقصد لآلاف الزوار من غير الايزيديين”، حسب قول نصر حاجي خدر، مدير إعلام المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى.

يقع لالش ذو القبب المخروطية الذي يعد المعبد الرئيسي للإيزيديين في العراق والعالم، على سفح جبل بقضاء الشيخان شمالي محافظة نينوى، ويُعتبر رمزاً روحياً لهم. ويضم المعبد عيون ماء وأشجار زيتون معمرة وقباباً، ويقصد الزوار بشكل خاص المعبد الرئيسي وقبة العين البيضاء التي تُستخدم في طقوس التعميد.

المعبد يستقبل يومياً أكثر من 30 زائراً غير ايزيدي، أغلبهم من الأجانب، حسب قول خدر، ويشير إلى أن اهتمام الزوار ازداد بشكل واضح بعد الإبادة الإيزيدية، حيث أصبح الناس يسعون لمعرفة ثقافة وطقوس الإيزيديين. وذلك يعكس، بحسب باحثين، فجوة كبيرة في فهم المكونات الثقافية والدينية داخل العراق، إذ يعرف الأجانب عن الإيزيديين أكثر من العراقيين أنفسهم.

“بعض الزوار يدخلون المعبد بخوف نتيجة تصورات خاطئة، لكنهم يتغيرون بعد مشاهدة الواقع والتعرف على التعامل الحقيقي والبسيط داخل المعبد. زوار من الهند لاحظوا تشابهاً بين بعض طقوس الإيزيديين وديانتهم، ما يبرز الطابع الثقافي الفريد للمعبد” يوكد خدر.

الى جانب المعابد الايزيدية، التي يقصدها بعض السياح الذين يزورون نينوى، تزخر المحافظة بعشرات الأديرة والكنائس التأريخية التي تعد الأقدم في العالم والتي باتت بعضها أيضا مقصدا للسياح القادمين من وسط وجنوب العراق.

وتعد زيارة تلك المعابد والأديرة، فرصة للتعرف على ثقاقات مكونات نينوى المختلفة، وعلى ترسيخ التعايش السلمي، كما يرى منظمو تلك الرحلات والمشاركون فيها.

تقول الناشطة المسيحية بيرتا ربان، من ناحية القوش شمال نينوى، ان “التعايش السلمي السائد” يسهم بشكل واضح في تحسين صورة نينوى كمقصد للسياحة، مشيرة إلى أن إبرازها كمدينة آمنة ومتعايشة يشجع الزوار على زيارتها ويعكس صورة إيجابية عن المحافظة بعد سنوات من الدمار والمعاناة.

وتضم نينوى مواقع دينية مسيحية ذات قيمة تاريخية كبيرة مثل دير مار متي الذي يعود بناؤه إلى القرن الرابع الميلادي، وكنيستي مار توما الأثرية للسريان الأرثوذكس التي بنيت عام 640 ميلادية، وكنيسة الطاهرة للكلدان اللتان تم تدميرهما على يد تنظيم داعش عام 2014 واعيد بناؤهما بعد العام 2017.

آثار باب نرجال

السياحة تنعش الصناعات التقليدية

الراشي والطرشي على رأس القائمة

قدوم السياح إلى المحافظة شجع على إحياء وادامة الصناعات التقليدية المشهورة بها نينوى منذ عقود، وبالأخص بلدتا “بعشيقة” و”بحزاني” المعروفتان بصناعة الرُّاشي والزيتون والصابون، حسب وصف رئيسة فريق “الأنقياء” أسماء الشالجي، التي قالت ان السياح يحرصون على اقتناء تلك المنتجات مع أخرى تشتهر بها الموصل.

وهو ما يؤكده المروج السياحي “حكم هشام”، مبينا أن السياح من وسط وجنوب العراق يستمتعون الى جانب المناطق الأثرية والطبيعية بالأجواء الشعبية والطعام الموصلّي والتراث.

ويشير الى أن الاستقرار الأمني وأجواء التعايش والتعاون بين مجتمعات نينوى انعكس إيجابياً على الحركة الاقتصادية، حيث يساهم السائح في تنشيط قطاعات النقل والمطاعم والفنادق والأسواق والخدمات المختلفة.

ربيع رياض، الذي يعمل في محل لبيع المخللات (الطرشي) التي تشتهر بإنتاجها مدينة الموصل، قال وهو يقف خلف براميل زجاجية وبلاستيكية مصطفّة بعناية بينما ملأت رائحة الخل والتوابل المكان، ان السياح يأتون من محافظات بعيدة ومن بعض دول الخليج العربي، خصوصاً من المملكة العربية السعودية، لتجربة الطرشي الموصلي المميز بنكهته والمعروف بجودته عالميا.

رياض يرى أن الطرشي يمكن أن يكون جزءاً من سياحة الطعام الى جانب المأكولات الشعبية التي تشتهر بها نينوى مثل الكبة الموصلية، فالنوعية الفاخرة المنتجة من الطرشي وامكانية تعبئته واهدائه للاصدقاء تضيف قيمة سياحية للمحافظة.

كما تشتهر نينوى بانتاج انواع فاخرة من الجرزات والحلويات التقليدية، وهي جزء من ما يسعى بعض الزوار الى حمله معهم عند العودة.

3333333

الفرص واعدة لكن التحديات حاضرة

على الرغم من المقومات السياحية الكبيرة التي تتمع بها نينوى، الا ان السياحة تواجه تحديات عدة، منها نقص الفنادق النوعية وباسعار مناسبة، وقلة أماكن الراحة والترفيه كالباركات وضعف البنى التحتية وغياب المدن السياحية الحديثة، إضافة إلى غياب الاهتمام ببعض الأماكن مثل الشلالات والمدينة القديمة، بحسب نشطاء مهتمين بالسياحة والثقافة التقيناهم خلال عدة جولات ميدانية.

“كما أن بعض القوانين الجديدة المتشددة، مثل منع بيع الخمور، تؤثر على جذب السياح، بينما يؤدي الخلط بين الدين والسياسة إلى الحد من الاستفادة السياحية القصوى”، حسب قول نصر حاجي خدر.

ويحدد حكم هشام، تحديات أخرى تواجه تطوير السياحة وعمل الشركات السياحية في نينوى، أولها الازدحام المروري الخانق في مدينة الموصل وغلق الطرق في بعض المناطق بسبب أعمال الإعمار، مع غياب التنظيم المروري بالإضافة إلى صعوبة الحصول على وقود السيارات لمن يقدم من خارج المحافظة كون محطات الوقود تعتمد على توزيع البنزين بواسطة البطاقات الوقودية.

النبي سونس

رئيس لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة نينوى وسام سالم، قال ان المواقع الدينية والأثرية في المحافظة تمثل ركائز أساسية في تنشيط الحركة السياحية، مشيراً إلى أن نينوى تمتلك مقومات سياحية نادرة تجمع بين التاريخ، والدين، والطبيعة، والتنوع الإنساني.

وأوضح أن المواقع الدينية مثل دير مار متي، دير الربان هرمزد، معبد لالش، مقام النبي يونس، ومنارة الحدباء تمثل نقاط جذب مهمة للسياحة الدينية لمختلف المكونات، مؤكداً أن هناك توجهاً فعلياً لتنظيم جولات ميدانية لهذه المواقع خلال الفترة المقبلة، بهدف إعادة تفعيلها ضمن الخارطة السياحية الرسمية.

وبعيدا عن المواقع الاثرية والدينية، تجمع نينوى بين النهر والجبل والسهل، ما يجعلها مؤهلة للسياحة الطبيعية، والثقافية، والترفيهية، وحتى السياحة الطبية كما في منطقة حمام العليل، التي تحتاج إلى مزيد من الترويج والتنظيم حسب قول رئيس اللجنة.

ويشير إلى أهمية الترويج الإعلامي لتنشيط القطاع السياحي، قائلاً إن نينوى تعرّضت لظلم إعلامي كبير، حيث تُنقل عنها صورة غير واقعية، في حين أن من يزورها يكتشف مستوى عالي من الأمان والاستقرار، مؤكداً أن الواقع مختلف تماماً عمّا يُشاع، وأن مستوى الأمان فيها اليوم يعد من الأفضل على مستوى العراق.

العراق يعيد بناء جزء من سور نينوى الأثري بعد تعرضه للتدمير من داعش 780x468

وبشأن الخطط المستقبلية لتحويل نينوى إلى وجهة سياحية دائمة وليست موسمية او في مناسبات محددة، أوضح أن اللجنة تعمل على تفعيل المواقع الأثرية والدينية بشكل مستمر، مثل النمرود، المدينة الآشورية القديمة، الحضر، دير مار متي، معبد لالش وغيرها، باعتبارها مواقع ذات قيمة عالمية، مشيراً إلى وجود مشاريع استراتيجية قادمة لدعم هذا التوجه.

أحمد محمد ياسين (27 عاماً) الذي قدم للمحافظة من العاصمة بغداد، تفاجأ بأن الواقع في المحافظة أفضل بكثير مما توقع، وقال ان مخاوفه الأمنية اختفت سريعاً بعد وصوله واختلاطه بالناس، وان الترحيب الذي وجده دفعه للاستقرار والعمل في المحافظة، بل والانضمام للدراسة .في جامعة نينوى

تقول أسماء الشالجي، أن الاستقرار الأمني بات يشجع السياح على القدوم، الى جانب الترحيب الكبير من الأهالي الذين يشارك بعضهم السياح في مناسباتهم الخاصة “كأعيادهم الدينية” ويعرّفونهم بمعالم مناطقهم وطقوس دياناتهم ويوزعون لهم الطعام مجاناً.

شفان علي (51 عاما) وهو مدرس جامعي، تعود على زيارة الموصل بين فترة وأخرى قادما من مدينة زاخو حيث يعيش مع اسرته، يقول ان ارتباطه بالمدينة يعود الى والده الذي عاش في المدينة لنحو نصف قرن، قبل اي يستقر في زاخو في تسعينات القرن الماضي.

يضيف، انه في السنوات الأخيرة مع عودة الحياة لنينوى بدأ بزيارتها ولم يعد ينقطع عنها “أزورها مع الأهل والأصدقاء، للسياحة والتسوق، مع الاستقرار الحاصل، والترحيب، والطعام الشهي”.

ويتابع، ان نينوى بمزيجها الثقافي وتراثها وعمقها التأريخي وتنوعها السكاني الفريد، يمكن ان تمثل مركز استقطاب سياحي مهم لكنها تحتاج الى تطوير في بنيتها التحتية وفي قطاعات الفنادق والخدمات، والى تنظيم فعاليات متنوعة ومهرجانات، وإطلاق اعلانات ترويجية تظهر جمال وتنوع نينوى “ففي كل زاوية هناك ما يستحق الزيارة من جبال ووديان سنجار غربا، الى كنائس ومعابد سهل نينوى شمالا وشرقا، الى معالم الحضر جنوبا، وسحر الموصل ونهرها وآثار آشور المدهشة”.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32075}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">