في مدينة العمارة جنوبي العراق يروي جدٌ لحفيده قصصاً عن ثورة العشرين، وكيف تحولت إلى ملحمة دينية انخرط فيها رجال من عشائر مختلفة؛ دفاعاً عن دينهم وكرامتهم، بينما في نينوى شمالي غربي البلاد تُروى الحكاية ذاتها من منظور مختلف أكثر عروبية، فتبرز فيها مقاومة العشائر العربية للمحتل البريطاني، وفي السليمانية شمالي العراق لا تكاد تحضر الثورة بأي شكل في الذاكرة العامة، فالتاريخ يبدأ في إقليم كردستان العراق من مقاومة الجبل والبيشمركة ومن الأنفال وحلبجة. صُنفت الثورة، وفقاً لكتاب تاريخ العراق للمؤلف تشارلز تريب، في سياق ديني حيث يعيش العرب الشيعة، خاصة في النجف وكربلاء، فقد استندت إلى فتوى السيد محمد الشيرازي بحرمة انتخاب غير المسلم، فجاءت بمشاركة عشائر مثل بني حچيم، وبني مالك، والغراف، وصوّرت الثورة على أنها صرخة دينية ضد الظلم أكثر من كونها صراعاً سياسياً.
أتت الرواية بمنظور مختلف في مناطق غربي البلاد، حيث يعيش العرب السنة، فصوّرت على أنها حركة وطنية عربية ضد الاستعمار البريطاني. في مناطق مثل الموصل، والفلوجة، والرمادي كان الصراع هو صراع أحقية حكم الدولة وإدارتها أكثر من كونه صراعاً مبنياً على أسس دينية وعقائدية.
ووفقاً للرواية الكردية، فإن ثورة العشرين هي حدث عربي خالص لا مكان له في الهوية الكردية، ولهذا لم تمتد لا هي ولا سردياتها إلى أربيل والسليمانية، فالحركات الكردية في الثلاثينات والأربعينات كانت تقود تمرداتها الخاصة المطالبة بالاستقلال بقيادة الشيخ محمود الحفيد.
منذ تلك الفترة ظهرت المشكلة الجوهرية، الذاكرة العراقية بُنيت على ثلاث سرديات مختلفة بدلاً من ذاكرة جامعة.
يرجع الاختلاف في السرد إلى اختلاف خفي في طبيعة العراق نفسه: وطن واحد بـ”ذاكرات” متعدّدة. نشأت الدولة العراقية الحديثة عام 1921 في ظلّ الانتداب البريطاني، الذي رسم حدوداً جغرافية واضحة وحّدت أراضيه لكنها لم توحد ذاكرته، فبقيت الهوية العراقية مشروعاً معلّقاً غير واضح الصورة والملامح، رغم مرور قرن كامل على بناء المؤسسات. حتى إن أول ملوك هذه الدولة، الملك فيصل الأول، اعتبر في مذكراته أن الأُمَّة العراقية ناقصة التكوين، وهو ما يوضح أن بناء الدولة سبق بناء الهوية.
البنائية: الهوية التي تُصنع من الذاكرة لا من الدستور
يقول الأب الروحي للنظرية البنائية ألكسندر وندت: “الدول لا تمتلك هويات جاهزة، بل تصنعها من خلال التفاعل الاجتماعي”. ووفق ذلك لا يمكن فرض “هوية” عن طريق القوانين، بل تُبنى الهويات من خلال التفاعلات الاجتماعية التي تتكوّن من خلال الرموز، والأغاني، والقصص، والعادات المشتركة، ما يساهم في رصّ أرضية موحدة يقوم عليها بناء هوية واحدة.
تضمّن القانون العراقي الأساسي عام 1925، الذي يُعتبر أول دستور للدولة العراقية الحديثة، قوانين ومواد تمنع كل أشكال التمييز العرقي والطائفي والديني. إلّا أن التمييز بقي حاضراً على الساحة وساهم في خلق ذاكرات مختلفة. فذاكرة الجنوب تغذّت على الحزن العاشورائي، والمآتم، وصور الشهداء، ما أنتج شعوراً مستمراً بالمظلومية السياسية مسنوداً بتهميش السلطات لهذا المجتمع. أما ذاكرة المناطق الغربية فقد بُنيت على المساهمات العسكرية وبناء هيبة الدولة من خلال الانخراط بصفوف الجيش، والاتصال بالقبائل والعشائر العربية في الشرق الأوسط، لكنها تحولت بعد 2003 إلى ذاكرة النزوح والمدن المدمرة. بينما ذاكرة الشمال بُنيت فوق قمم الجبال والأغاني الكردية المليئة بقصص المقاومة والظلم والأنفال.
لم تصبح هذه “الذاكرات” هوامش، بل صارت أنظمة أساسية تبني الهوية وتعمل على أساسها. ووفق البنائية، فإن الهوية التي تتكرر داخل الذاكرة الشعبية تتحول إلى حقيقة سياسية حتى لو تعارضت مع رؤية الدولة.
ولهذا لم يكن ممكناً إنتاج هوية عراقية موحدة؛ لغياب الذاكرة المركزية. فعلى الرغم من أن مصطلحات الدولة تتبنى مفردة “شعب واحد” إلّا أن الذاكرة تُبرِز دائماً وجود ثلاثة شعوب برؤى مختلفة.
الدولة تحاول كتابة الذاكرة والذاكرة تكتب نفسها
حين وصل حزب البعث إلى السلطة اعتمد في نهج عمله على الدستور المؤقت لسنة 1970، الذي ركّز تركيزاً واضحاً على مبادئ معلنة تمثلت في الوحدة والحرية والاشتراكية ويفترض أن يُبنى عليها شكل الدولة. غير أن الحزب واقعياً كان ينافي هذه المبادئ من خلال محاولة فرض ذاكرة رسمية موحدة، عن طريق أدوات مثل الأناشيد، والتماثيل، والمهرجانات، والخطاب القومي، فـ”أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة” كانت تنافس وجود أمة كردية، وتقمع أخرى عربية شيعية.
كان هذا الإصرار البعثي على بناء هوية موحدة بعمق ديكتاتوري يفتقر إلى رؤية جامعة تنصف كلّ مكوّن وتعوّضه عن الاضطهادات السابقة التي مرّ بها، فتصدّرت هذه الأمة بالبندقية وليس برغبة وقناعة اجتماعية بالانتماء لها، بل واجهت أيّ محاولة للانقسام أو الخروج من الهوية الموحدة بالقمع الممنهج، فتم قمع الشيعة ومنعهم من ممارسة طقوسهم الدينية، وقمع الكرد ومنعهم من التحدث باللغة الكردية، ومُلأت السجون حتى ببعض السُّنّة الذين عارضوا السلطة أو خرجوا عن رايتها. ما ساهم في وجود عراقَيْن، عراق الدولة المتمثل في فرض السلطة والهوية، وعراق الواقع المتمثل بالتآكل والاختلاف الاجتماعي.
1991 لحظة انهيار الرواية المركزية وصعود الأطراف
بعد عام 1991 والهزيمة التي تلقاها العراق في الكويت، حدث تحوّل كبير في شكل الهوية العراقية الحديثة، حيث انهارت قدرة الدولة على إنتاج المعنى وبدأ المجتمع يلوذ بالذاكرة الجزئية المقسّمة إلى ثلاث سرديات مختلفة.
هذه اللحظة تُفسَّر بوضوح بواسطة نظرية المركز والأطراف، حيث يُنتج ضعف الدول سيطرة الهويات الفرعية على الهوية المركزية. تتحول هذه الأطراف أو الهويات الفرعية إلى بدائل للهوية الوطنية، في محاولة للتشبث بشعور الانتماء أو الحفاظ على ما يربط الإنسان بالمكان الذي يعيش فيه.
في الجنوب، أُنعشت ذاكرة القهر بعد قمع الانتفاضة الشعبانية ضد نظام حزب البعث، التي بدأت من البصرة. وفي الشمال ولد عام 1992 أول برلمان كردي بعد إعلان المنطقة الآمنة، ليكون نقطة تأسيس لذاكرة سياسية جديدة متحرّرة جزئياً من هيمنة بغداد. ولم يبق مكان للسردية المركزية غير العاصمة والمناطق ذات الغالبية السنية التي لم تنجُ من ذاكرة الاختناق الاقتصادي.
في هذا المشهد، دخل العراق فعلياً إلى خندق الانتماءات الفرعية كهويات رسمية بديلة للهوية الوطنية، بعد أن فشلت بجمع شتات ما تبقى من الشعور بالانتماء لـ”الدولة العراقية”.
2003 سقوط الدولة وصعود الذاكرة
بالاحتلال الأمريكي، لم يسقط النظام لوحده، بل سقطت سلطة كانت تفرض بالحديد والنار رواية واحدة لقصة العراق، فارتفعت الذاكرات المكبوتة إلى السطح وتحولت إلى سرديات سياسية.
رأى الشيعة أن الأولية لهم بتولي مقاليد الحكم بعد مرور عقود من الاضطهاد والإقصاء السياسي وبحكم أغلبيتهم، ودخل السُنة مرحلة الذعر والشعور بفقدان السلطة وعدم السيطرة على زمام الأمور، أما الكرد فعملوا على تعزيز مقومات الهوية الخاصة بهم والحفاظ على إقليم مستقل ومنعزل عن تحولات وصراعات الوسط والجنوب. ثلاث سرديات يُمكن فهمها من خلال نظرية الذاكرة الجمعية التي ترى أن الجماعات لا تتذكّر الماضي كما حدث، بل كما تحتاج أو تريد أن تتذكره.
وجاءت المحاصصة لتساهم في ترسيخ الذاكرات الفرعية داخل بنية الدولة، وليس لمجرد منح الطمأنينة بتقسيم السلطة وإعطاء حصة لكل مكون. فصارت الذاكرة الشيعية “استحقاقاً”، والذاكرة السنية “اعتراضاً”، والذاكرة الكردية “حقاً مكتسباً بتقرير المصير”، فدخل العراق إلى مرحلة جديدة: مرحلة الهوية بوصفها حصة سياسية.
في العام 2006، تكشّفت هشاشة البنية الجديدة مع تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء شمال بغداد، وبان عجزها عن الحفاظ على الأمن العام والثقة المجتمعية في ظل غياب الهوية الجامعة. وخلال أشهر قليلة، لم تعد بغداد مدينة واحدة تضم كل المكونات، بل تحولت إلى خريطة خوف تتوزع فيها الهويات على الأحياء المختلفة.
تشرح نظرية الصدع الطائفي أن المجتمعات المحمّلة بجروح جمعية غير معالجة تنزلق مع أقل صراع هوياتي حين تتوفر الشرارة المناسبة. وهو ما ساهم مساهمة كبيرة في إشعال الحرب الطائفية في العراق 2006-2008، وحينها تحولت الذاكرة من قصة تروى إلى شرط للنجاة.
الإعلام والذاكرة: حين أصبح الخطاب نفسه خريطة هويّة
بعد 2003، لم تتشكل الذاكرات الشعبية من الخوف من الآخر فحسب، بل تشكلت أيضاً عبر الإعلام، إذ تحولت القنوات التلفزيونية والصحف والمنابر الرقمية إلى أداة تُعيد إنتاج صورة خاصة للعراق بحسب موقع كل مكون.
الوسائل الإعلامية التي دعمتها أحزاب شيعية ركزت على سرديات الشهداء والطقوس والرمزية الدينية، مثل قناة كربلاء والعهد والغدير والفرات وغيرها. بينما القنوات التي موّلتها شخصيات وأحزاب سنية من غربي العراق ركزت على الخطاب المناهض للمركز، وعلى ذاكرة المغيبين والنزوح والعمليات العسكرية، مثل قناة الفلوجة والرافدين والبغدادية وسامراء. الإعلام الكردي المنطلق من إقليم كردستان العراق ركّز على سرديات الاضطهاد القومي وحلبجة والأنفال وبطولات البيشمركة والحقوق في كركوك وسنجار، مثل قناة كوردستان وكوردسات ورووداو وكوردسات وk24.
لم يكن هذا المشهد الإعلامي مجرد انعكاس للذاكرة، بل أصبح أحد أهم عناصر صناعتها واستمراريتها وإعادة إنتاجها. وهنا يبرز دور الإعلام في الدول والمجتمعات المنقسمة بإعادة إنتاج الانقسام أكثر من محاولة معالجته. وبذلك، ومع كل أزمة سياسية تُدعم إعلامياً، تُعاد صياغة الهويات الثلاث أمام الجمهور، فتزداد قدرتها على أن تكون هوية فرعية صلبة، ويتكرر ذلك في كل موسم انتخابي ومع كل مفاوضات لتشكيل حكومة جديدة أو إقرار قانون موازنة.
داعش: حرب واحدة… بثلاث ذاكرات
عندما سيطر تنظيم داعش على ثلث العراق عام 2014، خاض العراقيون حرباً واحدة، لكنهم خرجوا منها بثلاث ذاكرات لا تتقاطع إلّا في العنوان: في الجنوب العراقي سادت ذاكرة شهداء الحرب وتضحيات أبناء المذهب، وفي الغرب سيطرت ذاكرة النزوح والغياب وموت المدن، وخرج أهل الشمال بذاكرة الدفاع الذاتي والتوسع في كل منطقة وجدوا فيها أحقية تاريخية لهم خارج الإقليم. وبدلاً من أن يخرج المجتمع العراقي موحداً من هذه الحرب، زادت انقساماته إلى شيعي حشداوي/ شيعي مدني، سني نازح/ سني إرهابي، كردي مقاتل/ كردي انفصالي.
هذه الذاكرات لم تؤسس لهوية وطنية جديدة، بل رسّخت التشطير الهوياتي، وأعادت رسم صورة مجتمع يعيش ثلاثة حروب مختلفة داخل الحرب الواحدة.
تشرين 2019: محاولة كتابة ذاكرة وطنية جديدة
مع بلوغ جيل جديد، لم يعش ما فعله نظام حزب البعث وصدام حسين، ولم يشهد الانتفاضة الشعبانية، ولا يعرف ثورة العشرين، جيل كان شاهداً على شيء واحد، وهو فشل النظام السياسي بعد عام 2003 في تأمين احتياجاته الأساسية، ظهرت محاولة لإنبات ذاكرة جديدة، ذاكرة مختلفة.
ما يراه النظام أحقية طبيعية في الحكم نتيجة الأغلبية ومظلوميات سابقة، رآه هذا الجيل مظلومية جديدة تُمارس من هذا النظام تجاهه. ومن هنا جاء جوهر حراك تشرين 2019 وما سبقه من تظاهرات، وعلى الرغم من أن “حراك تشرين” بما حمله من تضحيات ومطالب ورؤى لم تُرسّخ ذاكرة جديدة، إلّا أنها كسرت احتكار الذاكرات المتوارثة للمرة الأولى.
فلم يكن المتظاهر يرى أن الخطر يأتي من المكوّن الآخر، أو من محاولة هيمنة هوية على هوية أخرى، بل تمثّل الخطر الحقيقي بالشعور بعدم الانتماء لوطن جامع وبالحاجة إلى الإحساس بعراقيته التي مزقتها مصالح فئوية متكئة على الذاكرات الثلاث، وبالوضع الاقتصادي الذي لا يتيح له فرصة للعمل، وبسوء الخدمات التي تفقده إنسانيته بغض النظر عن هويته، وبسوء التعليم، وبالاستبداد السلطوي الذي مارسته طبقة ما بعد 2003 بأركانها المختلفة.
تعزز ذلك الشعور مع لجوء السلطة إلى الأساليب نفسها التي انتقدتها حين كانت معارضة في زمن نظام البعث، من خلال استخدام الرصاص الحي والقنابل الدخانية ضد الشباب المحتج، وحتى القتل المتعمد إلى جانب التهديد والإقصاء بحجج مختلفة. عملياً لجأ النظام السياسي إلى حماية الذاكرات القديمة لإبقاء غطاء شرعية منهجية الحكم السائدة لنفسه، ونجح بوأد هذه المحاولة الاستثنائية التي مضى بها حراك تشرين، خصوصاً مع انقسام سردية تشرين نفسها من داخلها واختلاف أصواتها وقوعها في فخاخ وأخطاء، وبعد السابع من أكتوبر وما مرّت به المنطقة من تحولات جيوسياسية كبيرة، تراجعت أكثر فرصة سماع هذا الصوت وتعززت أكثر السرديات الفئوية الخائفة من القادم.
وطن واسع… وهوية ضيقة
بعد مئة عام على تأسيس الدولة العراقية الحديثة، مازال العراق يعيش تناقضاً واضحاً، جغرافياً هو موحد، لكنه يحمل هويات مشتتة.
ففي الجنوب تُروى الهوية بالحزن والطقوس، وفي الغرب صارت تُروى بالخوف والخراب، وفي الشمال تُروى بالقومية والنجاة، ويتم تغذية كل ذلك من خلال شبكات مصالح. بالنتيجة هذه ليست مجرد اختلافات ثقافية، بل منظومة فكرية كاملة تعمل في اتجاهات مختلفة، بينما الدولة تحاول جمعها في هوية واحدة لا تمتلك إلى اليوم أدوات صناعتها.
تكمن أزمة العراق اليوم في أن الهوية الوطنية ليست مشروعاً تاريخياً مكتملاً، بل مشروع لم يبدأ بعد، ولهذا بقيت الهوية العراقية أضيق من الوطن، وبقي الخندق أوسع من المظلّة.