تقارير إخبارية: بساتين ديالى تلفظ أنفاسها الأخيرة.. “البرتقال المحلي” يختفي والمستورد يتسيد السوق

بساتين ديالى تلفظ أنفاسها الأخيرة.. “البرتقال المحلي” يختفي والمستورد يتسيد السوق

مختصون يحذرون: "مدينة البرتقال" ستصبح اسماً بلا مسمى قريباً، ولقب "الذهب البرتقالي" الذي علق ببساتينها سيصبح شيئا من الماضي

مصطفى الكرخي

طوال عقود من الزمن، ترسخت في الذاكرة الجمعية العراقية ان ديالى هي “محافظة البرتقال” لأن حقولها الزراعية الواسعة وبساتينها التي تنتشر في الكثير من بلداتها كانت تتجمل بأشجار البرتقال، حتى شكلت رمزا لهوية المحافظة التي كانت تسوق برتقالها والعديد من فواكهها ذات الطعم المميز الى كامل المحافظات العراقية بل وتصدرها الى خارج البلاد.

اليوم لم تعد ديالى، ومركزها مدينة بعقوبة 55 كلم شمال شرق بغداد، كما كانت سابقاً “ملكة البرتقال”، ولم تعد ثمارها تملؤ الحقول، بل لا تكاد ترى حتى في الأسواق القريبة، فمن يدخل مركز المدينة والأقضية والقرى المتناثرة حتى الحدود الايرانية، سيلاحظ أن اللون الأخضر بدأ يختفي، وحلت محله المباني السكنية الكونكريتية المبنية بشكل شبه عشوائية، أو أراضٍ جرداء جردها العطش من أشجارها.

في كل البلدات والقرى، تتعالى أصوات المزارعين اصحاب البساتين الحمضية، مشتكين من ما يصفونه بـ”الإهمال الحكومي الغريب المستمر منذ سنوات” والذي كانت نتيجته اندثار مزارعهم وحرمانهم من مصدر رزقهم الأساسي الذي عرفوه طوال قرون.

22334555

يقول المزارع السبعيني، أبو أحمد، وهو يضرب كفيه ببعضهما :”ماتت بساتيننا، ولم يعد للكثير منها أي أثر.. المشكلة لا تتعلق بالجفاف وقلة المياه، بل ايضا بغلاء الأسمدة والمبيدات وقلة الدعم، وغزو المحاصيل المستوردة”.

يضيف، وهو يمسح لحيته البيضاء :”هذا الوضع كبدنا خسائر مستمرة، وفي النهاية اضطر الكثيرون الى تجريف بساتينهم وتقطيع اشجار البرتقال المعمرة فيها وتحويل الاراض الى مناطق سكنية، حدث هذا في الهويدر وخرنابات، فالزراعة لم تعد تؤكل عيش”.

الحاج أبو حسين (60 عاماً) وهو صاحب بستان في أطراف بعقوبة، يقول وهو يشير الى صف من الأشجار الميتة:”لا فائدة.. أزرع وأتعب لسنة كاملة، ومع الموسم يأتي البرتقال المستورد ليباع في السوق بنصف القيمة.. الدولة لا تحمينا”.

يتابع بكلمات متقطعة وصوت يخالطه الأنين: “قبل كانت ديالى ريحتها كلها قداح، هسه ريحتها دخان وتراب.. أنا أيضا أفكر ببيع البستان وأريح نفسي من هذا الهم.. الماء يصلنا من خلال الحوضيات، والشجرة إن لم تشرب تموت، ونحن نموت معهما من القهر.”

برتقال 5

بائع الفواكه في السوق الكبير ببعقوبة، احمد الكروي (30 عاما) كان منهمكا بترتيب عدة صناديق من البرتقال، حين رد على سؤالنا “هل هذا محلي؟”، وهو يرفع رأسه: “انه مستورد، سعره يناسب امكانات زبائننا لذا هو مرغوب في السوق.. كل هذه الفواكه مستوردة، المستورد يتسيد السوق”.

يضيف، وهو يؤشر تغيرا في رغبة الزبائن متأثرا بفارق السعر: “المواطن يبحث عن الرخيص. برتقال الديالى لا يعلى عليه بالطعم وكثرة الماء، لكن سعره مرتفع بسبب تكاليف الانتاج على الفلاح، وبالتالي تراه يباع في السوق بسعر 1500 دينار”.

يرفع ثمرتين بيديه ويعرضهما أمام الزبائن، قبل أن يتابع:”الزبون يرى البرتقال المصري أو الإيراني شكله جميل وسعره رخيص، فيشتريه بسعر 1000 دينار، أما البرتقال المحلي فأصبح عزيزا، وقليلون من يقصدوننا لشرائه.. هذا أمر يحزننا نحن أبناء ديالى لكن هذا هو الواقع”.

يرى علي حسين (45 عاما) وهو كاسب يعيل عائلة من ستة أفراد، ان المواطن يبحث عن ما يناسب دخله. ويضيف:”نحن نشتري المستورد فهو الأرخص، انا لدي أطفال يريدون كل يومين برتقال، وأنا مضطر ان اشتري لهم.. المستورد سعره مناسب مهما كان نوعه .. المهم أن نأكل برتقال بسعر مناسب”.

برتقال 3

لكن سعد الربيعي (35 عام) وهو من سكنة بعقوبة، يبدي امتعاضه من الواقع الزراعي، مطالباً الحكومة الاتحادية بالتدخل العاجل لإنقاذ ما بقي من زراعة، وتحديدا بقايا حقول وبساتين بعقوبة التي كانت ترسل منتجاتها الى اقصى منطقة بالعراق.

يقول ان على وزارة الزراعة والموارد المائية الالتفات الى ديالى “ومنع بساتينها التي تشكل ثروة وطنية، من الضياع. عليهم دعم الفلاح بالأسمدة وضمان حصص مائية معقولة، ومنع الاستيراد في موسم جني الفواكه وخصوصاً البرتقال”.

يكرر متخصصون، ان “سلة غذاء العراق” الكامنة في محافظات نينوى وديالى وواسط، باتت في خطر حقيقي، نتيجة تراجع كميات المياه المخصصة للزراعة ومع تقلص الدعم الحكومي، وغياب المبادرات الوطنية القادرة على تطوير الزراعة وتحديث أنظمة وتقنيات الري.

يقول، المهندس الزراعي سعد محمد، ان الفلاحين ينتظرون منذ سنوات “حلولاً من السماء أو من الحكومة، والا ستستمر الجرافات في تحويل البساتين الخضراء إلى كتل كونكريتية.. وسنشهد هنا في ديالى نهاية برتقالها الشهير ذو الطعم الذي لا يعوض”.

يشير بيده من نافذة سيارته الى مناطق واسعة فقدت حقولها وباتت اراض جرداء، قبل أن يردد: “مدينة البرتقال ستصبح اسماً بلا مسمى، ولقب الذهب البرتقالي الذي علق ببساتينها وحقولها سيصبح شيئا من الماضي”.

برتقال 4
تقال 6

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32013}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">