آراء: بغداد تتخبّط بين “نوبل” وواقعة الوقائع.. هل “تشتهي” واشنطن دكتاتوراً للعراق؟

بغداد تتخبّط بين “نوبل” وواقعة الوقائع.. هل “تشتهي” واشنطن دكتاتوراً للعراق؟

"منذ سنوات والجانب الأمريكي يؤكد على حصر السلاح كطريق وحيد أمام النظام القائم، ومعارضون يبشّرون بـ"الأهوال" و"تغيير شامل"، يقابل ذلك كله موقف مكرّر من القوى السياسية ومحلليها مفاده: "نعم يجب حصر السلاح وتنظيمه، لكن النظام محمي ولا خوف عليه، والتغيير أحلام يقظة".

بغضون 3 ايام فقط، كان العراق وكأنه أُصيب بـ”غيبوبة سريعة”، كاد أن تلتبس عليه هويته، الهوية التي لا تزال مضطربة للحد الذي يصعبُ على واشنطن التي أنشأت النظام الجديد في العراق بعد احتلالها له 2003، تحديد موقفها من بغداد، ومن النظام الذي صنعته هي.

منذ طوفان الأقصى، النقطة الفاصلة في تأريخ المنطقة، اعتادت القوى السياسية التعامل مع أحاديث “تفكيك الفصائل، حصر السلاح، تغيير النظام”، بأجوبة وخطوط معروفة ومكررة حدّ الملل، ومنذ ذلك الحين، لم يحدث اختراق كبير في الافعال ولا حتى الاقوال، فالجانب الأمريكي يلمّح بضرورة حصر السلاح، ومعارضون يبشّرون بـ”الأهوال”، يقابل ذلك كله موقف مكرّر من القوى السياسية ومحلليها مفاده: “نعم يجب حصر السلاح وتنظيمه، لكن النظام محمي ولا خوف عليه، والتغيير أحلام يقظة”.

القلق من الداخل.. استثمار الغريب بـ”الابن”

لكن قلق الإطار بدأ من داخله، في خضم معادلة دولية تنتظر شيئًا جديًا من النظام، ورئيس وزراء يجرؤ على التحرك في فضاء المعادلة الدولية الجديدة هذه، ما يجعله قابلًا للاستثمار غربيًا في تصويب المعادلة العراقية الداخلية وفق الرؤية الغربية، وهي بالضرورة ليس فيها مكان لقوى اليمين الشيعي، ما يجعل مخاوفها مبررة.

تحرّك رئيس الوزراء المنتهية ولايته الأولى على الأقل محمد شياع السوداني في فضاء المعادلة الدولية تمظهر بأكثر من وجه، ابتداءً من الخطوة الجريئة في مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع في الدوحة، وصار اسم السوداني يأتي على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “المطلوب دم” لقوى الإطار ومحور المقاومة وإيران، بإعلانه أن رئيس وزراء العراق دعمه للحصول على جائزة نوبل للسلام، هذه الجملة التي صدرت من ترامب شخصيًا، كانت أكثر وقعًا وخطورة من لقاء السوداني بالشرع أو حضوره قمة شرم الشيخ ومصافحة ترامب “قاتل قادة النصر”.

فترامب “قاتل القادة” وقاصف إيران بحرب الـ12 يومًا، يراه رئيس وزراء العراق و”ابن الإطار التنسيقي الشيعي” بأنه “صانع سلام”، وهي رؤية تتطابق تماما مع رؤية قادة آخرين يقفون في جناح العداء لمحور المقاومة مثل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يشترك مع السوداني بترشيح ترامب لجائزة نوبل أيضا.

ما هي سوى 48 ساعة فقط، حتى عززت الظروف “صدمة نوبل” بواقعة الوقائع، عندما قرر أحد ما، نشر قرار “مختبئ” بجريدة الوقائع العراقية، قرار منشور منذ 17 نوفمبر الماضي، أي قبل 20 يوماً من انتباه الإعلام له، وهو قرار يأتي أيضًا في سياق “غيبوبة الهوية” التي مر بها العراق خلال 72 ساعة، عندما تضمنت النسخة قرارا للجنة تجميد اموال الإرهابيين، يقضي بتجميد ومصادرة أموال حزب الله اللبناني وانصار الله الحوثيين، لكنّ الأكثر صدمة، أن تحتوي وثيقة عراقية رسمية على اسماء هذه الحركات ومكتوب امامها تهمة “الارهاب”.

المقاومة “ارهابية” في أوراق رسمية.. للاطار خيار الانتحار او قتل ابنه

القرار قُرئ ورُوّج بصيغة أن “العراق يصنّف الحوثيين وحزب الله منظمات ارهابية”، لكن الحقيقة أنه ليس قراراً أمنيًا يفرض ملاحقة هذين العنوانين بتهمة الإرهاب، بل هو قرار مالي فقط، يمنع استفادة هذين التشكيلين من استخدام النظام العراقي المصرفي أو تمويل نفسها بنشاطات اقتصادية داخل العراق، وهو إجراء لا يعتبر غريبًا إذا ما علمنا أن العراق يجمّد أرصدة مالية لإيران في مصارفه، لكن ما اشعل الجدل هو ادراج تصنيف هذه التشكيلات بصفتها “ارهابية أو مشاركة بعمليات ارهابية”.

على الرغم من الهجوم الذي وُجِّهَ لموقف السوداني من قبل أعضاء ومحللي الإطار التنسيقي، لكن زعماء الإطار لم يصدر منهم موقف واضح تجاهه، ولا يزال السوداني يجلس على طاولة الإطار كأحد زعمائه، فيما يجلس بقية قادته بين “الحَرَجَين”، حرج إعلان الحرب على السوداني وواشنطن التي هم بحاجة مباركتها حكومتهم الجديدة، وحرج استمرار احتضان حكومة السوداني الذي سيلقي على الإطار وقواه بالضرورة بعضاً من مسؤولية “فاجعة نوبل” و”واقعة الوقائع”، لذلك، من المحتمل ان مَن أطلق سراح القرار المخبأ في هذا التوقيت، كان يستهدف إحراج من يميل إلى تجديد الولاية للسوداني، فهو أطلق رصاصة واحدة، إما أن يتركها قادة الإطار لتقتل السوداني، أو يختاروا استقبالها معه.

Whatsapp image 2025 12 14 at 4.18.01 pm

واشنطن “متعبة” من سايكس بيكو.. ونادمة على ديمقراطية العراق

على الرغم من أن العراق أصبح دائم الحضور على اللسان الاميركي خلال الأيام الماضية، سواء على لسان حاكم البيت الأبيض دونالد ترامب، نزولا إلى وزير خارجيته ومبعوثيه، لكن الصراحة الشديدة على لسان المبعوث الخاص بالعراق مارك سافايا، لم ترتقِ إلى تأثير مبعوث سوريا توم باراك، الذي دخل إلى مساحات غير معتادة، فلم يتحدث عن ضرورة نزع السلاح أو تفكيك الفصائل أو ارتباط العراق بإيران، بل صوّب سهامه الى قلب النظام السياسي في العراق بالمجمل.

كان تواجد مبعوث ترامب إلى سوريا ولبنان توم باراك في قطر لحضور منتدى الدوحة 2025، فرصة ربما ليعبر عما لم يقله للسوداني بشكل مباشر عندما جالسه خلال زيارة مفاجئة وغير مفهومة الى بغداد في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد أشهر طويلة من العمل كمبعوث في المنطقة، “فضفض” باراك عما يدور في “صدر واشنطن” من شعور بـ”العجز” واليأس من الشرق الأوسط ونتائج الحرب العالمية الثانية بالكامل وما تبعها من اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت شعوبا غير متجانسة من مخلفات وانقاض الدولة العثمانية، داخل حدود غير مدروسة، لانشاء بلدان لا ترى فيها واشنطن أملًا للإصلاح والاستقرار، فهذه الخلطة المعقدة التي انشأتها سايكس بيكو، أدركت واشنطن أنها فشلت في كيفية التعامل معها ولاسيما العراق، بعد انفاق 3 تريليونات من الدولارات و20 عاما من المحاولات وآلاف الضحايا، بحسب باراك.

يصف باراك التجربة الأمريكية في العراق بأنها خطأ يجب أن لا يتكرر: كلّ ما حدث خلال الـ20 عاماً الماضية، هو خلق فراغ ملأته إيران، وأصبحت الفصائل أكثر فعالية وقوة من البرلمان، مع وجود رئيس وزراء كفوء لكنه بـ”صفر سلطة”

يقول باراك إنه لا يعرف الإجابة عن سؤال “ما هو الشكل الصحيح للحكم في العراق”، لكنه عمومًا يعتقد أن اللامركزية والفيدرالية “من أوهام الزعماء” ولا تصلح للحكم في هذه المنطقة، ولن تحولها إلّا لدويلات متناحرة، وفي معرض استعراضه للمحاولات الأمريكية الفاشلة في معالجة مخلفات سايكس بيكو في العراق على سبيل المثال، وصف باراك التجربة الأمريكية في العراق بأنها خطأ لا يجب أن تكرره، باعتبار أن كلّ ما حدث خلال الـ20 عاماً الماضية، هو خلق فراغ ملأته إيران، وأصبحت الفصائل أكثر فعالية وقوة من البرلمان، مع وجود رئيس وزراء كفوء لكنه بـ”صفر سلطة”، في إشارة الى السوداني.

حديث توم باراك مبعوث ترامب إلى سوريا الذي يبدو أنه يعمل كمبعوث ترامب إلى بؤر صراع الشرق الأوسط بالكامل، والذي بدا ناقما من اللامركزية والفيدرالية، ونتائج اتفاقية سايكس بيكو بعد اكثر من 100 عام عليها، وشعوره بالحيرة تجاه آلية الحكم الصحيحة الواجب تثبيتها في العراق، كلّها دلائل تشير إلى أن واشنطن “نادمة” على الديمقراطية في العراق، وترى أن “الحكم الواحد” هو الأكثر انسجاما ربما مع هذه الرقعة الجغرافية، لكن صدور هذا الاعتقاد والتلميح ممّن أسّس النظام السياسي الجديد في العراق”، سببٌ كافٍ لأن تشعر المنظومة الحاكمة والنظام السياسي في العراق بالقلق، وهذا ما ظهر بوضوح في تصريحات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال لقائه توم باراك في قطر، حين عبّر عن استغراب العراق من تصريحات باراك، وعندما تحدّث عن تمسك العراقيين بالمكسب الديمقراطي، ورفض كل أشكال الديكتاتورية، ورسوخ الديمقراطية والنظام الاتحادي في الدستور، في محاولة لطمأنة “ندم واشنطن” على ما صنعته.

تصريحات باراك كانت بمثابة الكف التي مسحت الضباب من على الزجاج الشاخص بين بغداد وواشنطن، فرغم صراحة التصريحات والتلميحات والاشارات الأمريكية خلال الأسابيع الماضية، إلّا أنها لم تكن تعكس وضوح الرؤية الأمريكية تجاه العراق بقدر ما فعلته كلمات باراك، الذي أسدل ستاراً عن حيرة أمريكية تجاه المستقبل العراقي، حيرة لا تنفي رغبتها بحكومة تتوافق ومصالحها في المنطقة وتسبقها نحو التضييق على إيران وأصدقائها.

صحافي عراقي متخصص بصحافة البيانات والتحقق من المعلومات *

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":31944}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">