تحليل: سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم 

سحب على المكشوف.. عن الدَّين الداخلي الذي يربك الحاضر ويهدد القادم 

هذا المقال يكشف كيف تحوّل الدَّين الداخلي في العراق من أداة إنقاذ مؤقتة إلى عبء يلتهم الموازنات ويقيد مستقبل الاقتصاد، ويبيّن كيف أدّى ذلك إلى تجفيف سيولة المصارف، وإضعاف القطاع الخاص، وخلق “ثقب أسود” مالي سيرثه الجيل القادم..

في كل صباح، تشرق شمس النفط لتُضيء العراق بالدولارات، لكن خلف هذا الوهج، يكمن شبح صامت ينمو في الظل: الدين العام الداخلي، إنه ليس ديناً للحكومات الأجنبية أو المؤسسات الدولية، بل دينٌ على الحكومة العراقية لشعبها وبنوكها، أشبه بسيف ديموقليس المُعلَّق فوق الخزينة العامة.

الدين العام الداخلي ليس مجرد رقم في كشف الحسابات الحكومية، بل هو في جوهره “شيك مؤجل الدفع وقيد على سيادة الأجيال”. وبمعنى آخر هو تحويل التزامات الأجيال القادمة إلى سيولة حالية؛ إنه عقد ضمني تبرمه الحكومة اليوم لسد نفقاتها التشغيلية والاستهلاكية، وتُحمِّل بموجبه أحفادنا مهمة سداد الفواتير ضمن خيارات اقتصادية محدودة ومستقبل مرهون. باختصار، هو “سحب على المكشوف” من ثروة الوطن غير المُستغلَّة.

منقذ الضرورة أم عادة السوء؟


في قلب الأزمة يكمن الحجم المتضخم للدين الداخلي، الذي تحول من إجراء مؤقت في أوقات الأزمات -كحرب داعش أو انخفاض سعر النفط الحاد- إلى عادة مزمنة في إدارة الموازنة. على الرغم من أن الدين الخارجي قد تراجع نسبياً، إلّا أن الدين الداخلي يستمر في النمو. ووفقاً لآخر الأرقام الحكومية المعلنة، فإن إجمالي الدين العام الداخلي والخارجي لا يزال عبئاً كبيراً، ويُقدَّر الدين الداخلي بـ91 تريليون دينار، منها 56 تريليون دينار متراكم لغاية نهاية عام 2022، والمبالغ المضافة هي 35 تريليون دينار، ديون السنوات 2023-2024-2025، وإن الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الأرقام لا تشمل كافة الالتزامات المتراكمة وغير المسددة للمقاولين والمستثمرين، والتي تمثل ديناً داخلياً غير مباشر.

وأوضح البنك المركزي العراقي في بيانه المنشور في 19 تشرين الأول، أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز 43 بالمئة، وتعد هذه النسبة -وفق التصنيف المتعارف عليه دولياً- معتدلة وضمن الحدود الآمنة ولا تشكل عبئاً على الاقتصاد.

والتركيز هنا لا ينبغي أن يكون على القيمة المطلقة للدين فقط، بل على نسبته مقارنة بقدرة الاقتصاد على السداد، عندما تتجاوز هذه النسبة المستويات الآمنة فإنها تعيق النمو وتزيد من مخاطر عدم الاستقرار المالي. في العراق، على الرغم من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بفضل النفط، فإن هيكلية الدين (استخدامه في الإنفاق الجاري لا الاستثماري) تُضعف قدرة الاقتصاد على استيعابه. ومن ثم فإن الدين العام في الاقتصادات الريعية لا يؤدي وظيفته الاقتصادية أداء صحيحاً؛ لأنه لا يخضع في إدارته لدورة الموازنة العامة والقواعد المالية والاقتصادية، وبالتالي فإن حجمه سواء كان كبيراً أو صغيراً لا يعكس استدامته بدقة، لذا كان من الأجدر على البنك المركزي العراقي أن يستخدم معيار نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، كونه يعكس القدرات الإنتاجية الحقيقية للاقتصاد العراقي بعيداً عن العوائد النفطية المتقلبة وغير المستقرة.

وفي السياق ذاته صرح الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، بأنه لا توجد مخاوف من الدين الداخلي، فهو دين داخل الجهاز المصرفي الحكومي ولا يمثل عبئاً على الجمهور.

لكن الحقيقة التي لم يوضحها مستشار رئيس مجلس الوزراء بأن العبء الأكبر يظهر في تخصيص جزء متزايد من الموازنات السنوية القادمة لـ“خدمة الدين”، من فوائد وأقساط للسداد. هذا يعني أن جزءاً من إيرادات النفط يخصص لسداد الديون بدلاً من الاستثمار في الصحة أو التعليم أو البنى التحتية، مما يخلق “ثقباً أسود“ في الموازنة العامة.

المكونات الأساسية للدين العام الداخلي ومصارف عجز الدولة


على عكس الاقتراض الخارجي الذي قد يستغرق شهوراً من المفاوضات والشروط القاسية، يمثل الاقتراض الداخلي الطريق الأسرع والأكثر سهولة للحكومة العراقية لسد الفجوات المالية المفاجئة.

يتألف هذا الدين بشكل أساسي من أدوات تمويل قصيرة ومتوسطة الأجل، يتم تداولها غالباً في حلقة مغلقة بين وزارة المالية (جهة الإصدار)، والبنك المركزي العراقي (جهة التسهيل)، والمصارف التجارية والحكومية (جهات الاكتتاب والاستثمار). هذه الأدوات هي التي تشكل الهيكل المالي لعجز الدولة.

الجدول (1) الدين العام الداخلي لغاية أيلول 2025:

التفاصيل أيلول 2024 أيلول 2025 الدين على وزارة المالية 755,519 555,519 حوالات الخزينة 48,165,617 51,999,130 حوالات الخزينة على نظام CDS 2,030,000 1,500,000 حوالات الخزينة لصالح المصارف الحكومية 1,870,000 السندات 8,538,294 14,826,907 قروض مؤسسات مالية 13,384,702 12,853,107 قروض المصارف الحكومية 6,000,000 5,700,000 قروض مصرف الرافدين لعام 2025 1,310,000 المجموع 78,874,132 90,614,663 ارتفع إجمالي الدين الداخلي في أيلول 2025 إلى أكثر من 90 تريليون دينار، وهو يمثل زيادة كبيرة بالمقارنة مع 78 تريليون دينار في أيلول عام 2024، إذ كان مكون حوالات الخزينة (T.Bills) هو الأكبر، حيث بلغ 50.9 تريليون دينار؛ أي أكثر من 56 بالمئة من إجمالي الدين العام الداخلي، وهذا يؤكد استمرار الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل لتمويل العجز. ومن ضمنها حوالات الخزينة المخصومة من الاحتياطي القانوني للمصارف الحكومية لدى البنك المركزي العراقي.

الاحتياطي القانوني: هو نسبة من ودائع العملاء يجب على المصارف التجارية، مثل الرافدين والرشيد، إيداعها كاحتياطي إلزامي لدى البنك المركزي العراقي، ولا يمكن التصرف بها في الإقراض العادي. هذا الاحتياطي هو بمثابة شبكة أمان واستقرار نقدي.

ومن هنا لابد من توضيح أن الحكومة لجأت في فترات العجز الحاد إلى آلية غير تقليدية تُمكّنها من تمويل عجزها، من خلال إصدار حوالات خزينة واستخدام جزء من الاحتياطي القانوني المودع من قبل المصارف الحكومية لدى البنك المركزي للاكتتاب بها، (الحكومة هنا تقترض من المصارف باستخدام ضمانات المصارف)، وإن هذا الإجراء يُحوِّل الأموال المخصصة للضمان والاستقرار النقدي والسيولة الطارئة للمصارف إلى تمويل الإنفاق الحكومي المتنامي، بالرغم من أن هذه الأموال لا تزال مسجلة كأصول للمصارف على شكل حوالات إلّا أنها تقلّل من السيولة الحقيقية المتاحة لها، والتي تمكنها من الاستجابة لطلبات السحب الكبيرة أو تمويل القطاع الخاص بشكل فعال.

كما شهد بند السندات (Bonds) ارتفاعاً كبيراً ليصبح ثاني أكبر مكوّن، حيث وصل إلى 14.8 تريليون دينار، وبنسبة 16 بالمئة من إجمالي الدين العام الداخلي، وهذا يشير إلى تحول الحكومة نحو أدوات تمويل متوسطة وطويلة الأجل بصورة أكبر مما كانت عليه في العام الماضي.

وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن الجزء الأكبر من السندات التي تُعرض على الجمهور للبيع يتم شراؤها من قبل المصارف، وليس من قبل الأفراد أو القطاع الخاص، وهذه الظاهرة لا تعني فقط أن المصارف هي الممول للعجز الحكومي، بل تعني أنها تسبب أثراً جانبياً على الاقتصاد العراقي، حيث تُحوَّل السيولة التي جمعتها المصارف من ودائع الأفراد والشركات من خانة الإقراض الاستثماري للقطاع الخاص إلى خانة الإقراض الحكومي لسد العجز الجاري.

وهذا يخلق ما يُعرف اقتصادياً بتأثير المزاحمة (Crowding Out Effect)، فالحكومة بكونها مقترضاً كبيراً وموثوقاً ولا يتعرض للإفلاس فإنها تستحوذ على أغلب السيولة المتاحة في النظام المصرفي، إذ تجد المصارف أن الاستثمار في السندات الحكومية -بعائد مضمون ومخاطر صفر تقريباً- أكثر أماناً وجاذبية من إقراض شركات القطاع الخاص بمخاطر أعلى، مما يقلل بشكل كبير فرص الشركات ورجال الأعمال في الحصول على التمويل اللازم للتوسع وخلق فرص العمل، وبذلك “تُجمَّد شرايين التنمية“ للجانب غير النفطي من الاقتصاد العراقي.

وبهذه الحال، فإن اعتماد الحكومة على المصارف لتمويل ديونها يحوّل هذه المصارف من أداة لتحفيز النمو إلى “خزائن لحفظ أوراق عجز الدولة”، ويدفع بالاقتصاد نحو الاعتماد الكلي على الدولة بدلاً من تحفيز الإنتاجية الخاصة.

الإنفاق المرتفع الثابت … وهم الوفرة


اعتمدت الموازنات العراقية على فرضية ارتفاع أسعار النفط، وبُني على هذه الفرضية إنفاق تشغيلي ضخم وشبه ثابت، يشمل الرواتب والتقاعد والدعم. هذا الإنفاق أصبح بمثابة “حق مكتسب“ لا يمكن المساس به، بغض النظر عن أسعار النفط، مما يجعل نقطة التعادل السعرية (السعر الذي يحتاجه العراق لتغطية نفقاته) ترتفع باستمرار، وبما أن الإنفاق التشغيلي يتضخم باستمرار نتيجة التعيينات والتضخم في الرواتب، فهذا يعني أن العراق يحتاج إلى أسعار نفط أعلى كل عام ليظل فقط في حالة “الصفر” المالي.

نقطة التعادل السعرية: هي السعر الذي يجب أن يُباع به برميل النفط العراقي حتى تتمكن الدولة من تغطية جميع نفقاتها في الموازنة دون اللجوء إلى الاقتراض.

وفي مواجهة العجز المالي الناجم عن تذبذب أسعار النفط وثبات الإنفاق التشغيلي، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام مفترق طرق، إما الخيار الصعب المتمثل في إجراء إصلاحات هيكلية مؤلمة لترشيد الإنفاق وتنويع الإيرادات من خلال جباية الضرائب والرسوم، لكنه يواجه مقاومة سياسية وشعبية شديدة، مما يجعله الخيار الأقل جاذبية للحكومات التي تبحث عن الاستقرار الآني. أو الخيار السهل المتمثل في اللجوء الفوري والأسرع إلى الاقتراض الداخلي.

يحوِّل تكرار الاقتراض، من أجل تمويل الإنفاق الجاري لا المشاريع الاستثمارية، الدينَ الداخلي من “مُنقِذ ضرورة” في لحظة وقوع الأزمة الطارئة إلى “عادة سوء” في الإدارة المالية، لأن سهولة الحصول على الأموال عبر المصارف الحكومية يقضي على حافز إجراء الإصلاحات الجذرية اللازمة لإنهاء دورة التبعية للنفط، مما يضمن أن الدولة ستعود للاقتراض مرة أخرى في الدورة النفطية التالية.

إن فك العقدة العراقية يبدأ من قرار سياسي شجاع، يتمثل في التوقف عن النظر إلى البنوك المحلية على أنها مصدر لا ينضب للتمويل السهل، والبدء بإعادة هيكلة الاقتصاد ليقف على قدمين صلبتين، قدم النفط وقدم الإنتاج، هذا هو قرار البداية لضمان مستقبل غير محمل بأعباء الماضي.

هل سيبقى العراق قادراً على الاقتراض؟


في نهاية المطاف، يكشف تحليل أرقام الدين الداخلي، التي تجاوزت 90 تريليون دينار في أيلول 2025، عن حقيقة مؤلمة: العقدة العراقية ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة مالية هيكلية. فالدين الداخلي ليس مؤشراً على نقص النفط، بل مؤشر على فشل في إدارة فائض النفط وتوقع عيوبه. لقد تحول هذا الدين من أداة إنقاذ مؤقتة إلى إدمان مزمن، حيث باتت الحكومة تراهن على ثروة أجيال الغد لتمويل نفقات الأمس واليوم.

إن لم نتخذ قراراً شجاعاً اليوم بوقف إدمان الدين، فإن أيادي الأجيال القادمة، التي ستدفع كلفة هذه السندات، لن تسامحنا على رهن مستقبلهم.

خلال السنوات القادمة، ستتفاقم مشكلة أخرى، سبق وأن أشار إليها البنك المركزي العراقي، تتمثل في حقيقة أن مجموع قيمة القروض والسندات لا يمكن أن يمول العجز المخطط في الموازنة الثلاثية، لضخامة الرقم المدرج في القانون بما لا يتناسب مع أرصدة المصارف القابلة للإقراض، ما يعني أن التحول نحو بيع السندات للمصارف الخاصة بفائدة أعلى بمثابة خطوة حتمية؛ لأن المصارف الخاصة تشتري السندات بهدف الربح ولديها بدائل استثمارية أخرى غير منح الدين للحكومة، لذا لن تكتتب إلّا إذا قدمت الحكومة فائدة أعلى من تلك التي كانت تقدمها. هذا يرفع بشكل مباشر من كلفة خدمة الدين ويزيد من حجم “الثقب الأسود” في الموازنات القادمة.

بلغة أخرى: إن قدرة العراق على الاقتراض الداخلي (الاستدانة من مصادر داخلية عراقية) بالشروط السابقة تتضاءل شيئاً فشيئاً طالما بقيت السياسات على ما هي عليه. وليست إمكانية الاقتراض الخارجي بحال أفضل؛ نظراً للشروط الأكثر قسوة التي تفرضها الجهات الخارجية المقرِضة، ونظراً لتصنيف العراق الائتماني.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":32166}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">