تحليل, تدريبات: السلطة الرابعة في قبضة الأحزاب: أزمة الإعلام في العراق وإقليم كردستان

السلطة الرابعة في قبضة الأحزاب: أزمة الإعلام في العراق وإقليم كردستان

اكتسبت وسائل الإعلام لقب “السلطة الرابعة” بعد عقود طويلة من العمل المؤثر، تقديراً لدورها الأساسي في المجتمعات الديمقراطية، حيث تقف إلى جانب السلطات الثلاث التقليدية “التشريعية والتنفيذية والقضائية” بوصفها رقيباً مستقلاً يحمي المصلحة العامة ويُساءل أصحاب النفوذ، ويُنبه ويُثقِّف المجتمعات.

في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، تضطلع وسائل الإعلام بدور محوري في تكريس القيم الوطنية والإنسانية والأخلاقية، وفي التوعية الشاملة، كما في بناء الهوية الوطنية المشتركة وتعزيز التكامل والتضامن المجتمعي، ومواجهة التحديات المفصلية والأزمات الكبيرة وتحقيق التحولات التاريخية.

تُسهم الصحافة الحرة بفعالية في نشر الوعي المجتمعي وتعريف المواطنين بحقوقهم والتزاماتهم المدنية، وتشجيعهم على المشاركة الفاعلة في الشأن العام واتخاذ القرارات المصيرية. كما تُعد حلقة وصل حيوية بين السلطات الحاكمة والمواطنين، وأداة رقابية تُحاسب المسؤولين وتكشف الفساد والانحرافات في مؤسسات الدولة، وتُمثل منصة للحوار البناء وتبادل الأفكار المختلفة، مما يُعزز النسيج الاجتماعي ويدفع نحو التقدم والازدهار.

تشوه الدور الإعلامي

لكن هذا الدور الجوهري، يتعرّض لتشوهات خطيرة لا سيما في المجتمعات التي تشهد صراعات وانقسامات عميقة. حيث تتحوّل وسائل الإعلام من منابر للحقيقة، إلى منافذ للدعاية تخدم أجندات ضيقة، لتصبح أداة للتضليل والاستقطاب بدلاً من أن تكون جسراً للتواصل والتفاهم والبناء.

هذا التحوّل الخطير يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإعلام ودوره في بناء مجتمعات ديمقراطية صحية، وحول السبل الكفيلة باستعادة استقلاليته ومصداقيته المفقودة.

معارك إعلامية

يشهد إقليم كردستان، بين فترة وأخرى معارك إعلامية شرسة، تقودها القنوات والمؤسسات الحزبية الممولة بسخاء، يتم فيها توجيه الاتهامات وقلبة الحقائق وتغذية الانقسامات، مع تبني تغطيات تفتقد الحد الأدنى من الموضوعية والحياد والدقة والتوازن. وهو ما حصل بوضوح في تغطية أحداث قرية لاجان الهركية، حيث تحولت المؤسسات الإعلامية إلى جبهات صراع ومنصات للبيانات والرؤى الحزبية.

ويتكرر ذات الأمر، بين فترة وأخرى في مجمل مناطق العراق، حيث تتبادل وسائل الإعلام وجيوشها الإلكترونية، الهجمات ضد بعضها، وينشرون سيلاً لا ينقطع من الأخبار المضللة والمفبركة والمزيفة، كما يتحولون إلى منصات دعائية تُلمع صورة هذا الطرف أو ذاك.

تدخلات الفاعلين السياسيين

يرى الكثير من الصحفيين المحترفين، من خلال تجاربهم المهنية، أن المعوّق الرئيسي أمام التطور المهني للعمل الصحفي وتقدمه نحو المعايير الاحترافية العالمية، يتمثّل في تدخلات الفاعلين السياسيين الذين يعملون لتحويل المؤسسات الصحفية إلى أدوات دعائية خاضعة لسيطرتهم المباشرة، واستخدام الإعلام والصحفيين كوسائل لتنفيذ وترويج أجنداتهم الخاصة.

في السياق العراقي ومن ضمنه إقليم كردستان، بات واضحاً أن وسائل الإعلام الحزبية والموجهة أيديولوجياً، تخلت عن قيم المهنية والموضوعية، واتخذت مواقع متحيزة ومتصارعة فيما بينها، وباتت منهمكة في إشعال الصراعات وبث الانقسامات بين مختلف الفئات والمكونات الاجتماعية.

فقدان الموضوعية والاستقلالية

بدلاً من أن تكون جسرًا للتواصل، تحولت هذه المؤسسات إلى معاول هدم تُفتت اللحمة الوطنية وتُعمّق الجراح المجتمعية، وتُغذي خطاب الكراهية والعداء المتبادل بين أبناء الوطن الواحد.

انحرف الإعلام عن مساره الأصيل المتمثل بنقل الحقائق دون انحياز، وإعلاء الحقيقة دون تلاعب خدمة للصالح العام. انحرف الإعلام ليزيد من أزمات مجتمعات تعاني أصلاً من انقسامات حادة، وبات الصحفي يظهر بخطاب يفتقد الموضوعية، يظهر وكأنه يُمثّل امتداداً للعمل الحزبي وجزءاً عضوياً من منظومته السياسية المصلحية المعقدة.

بل إنه في بعض الأحيان يمارس في حياته الشخصية والعامة ذات الأنماط السلوكية التي يمارسها السياسيون المحترفون، وكأنه ينتمي إلى فئة مغايرة تتمتع بامتيازات خاصة ومكانة استثنائية، أو يُفصح علناً عن نيته في تمثيل تيار محدد والعمل كناطق رسمي باسمه في المحافل العامة، متناسياً أن الصحافة في أبرز أدوارها هي صحافة إعلان المواقف، صحافة الوقوف مع الحقيقة ومع قيم الحق والعدالة لا مع مصالح من يدفع.

آليات السيطرة الحزبية

تُؤسس الأحزاب كيانات إعلامية ضخمة بتمويل غامض المصدر، لتوظفها لاحقاً في صراعاتها بأساليب تنتهك أبسط قواعد الأخلاقيات المهنية. كما تُطلق عشرات المنصات على وسائل التواصل الاجتماعي، تارةً بهوياتها الرسمية المعلنة، وتارةً بأسماء وهمية، لتستخدمها كأسلحة دعائية في تصفية خصومها وتشويه سمعتهم.

وتوظف الأحزاب صاحبة النفوذ، وسائل الإعلام، لتحويلها إلى أداة دعائية، وهي على هذا المسار تسعى لاستقطاب العاملين في الحقل الصحفي من أصحاب الأقلام والأصوات الصحفية، وإغرائهم بالمال والمناصب واستيعابهم ضمن المؤسسات التابعة لها، وتخصص لتحقيق هذا المسعى موارد مالية هائلة.

وتأمل الأحزاب النافذة من خلال الإقناع والإغراء، في إقناع الصحفيين بالخضوع الكامل لأجنداتها وتوجهاتها، وضمان ولائهم في خدمة مصالحها. وإذا لم يتحقق ذلك بنحو واسع، فإنها تُنشئ مؤسسات صحفية خاضعة لها بالكامل من حيث التمويل والإدارة والتوجيه، وتدفع بأسماء صحافية إلى واجهة المشهد من خلال دعاية كثيفة. والهدف في النهاية خلق مؤسسات تُروّج لخطابها وتُهاجم خصومها بلا هوادة.

الانتهازية المهنية

لقد أصبح من المألوف أن نرى صحفيين يخوضون غمار الانتخابات البرلمانية أو المحلية تحت راية أحزاب معينة، أو يسعون جاهداً للحصول على مواقع إدارية رفيعة في الجهاز الحكومي. يتصرف هؤلاء على نحو انتهازي واضح، فيتكالبون على المكاسب المادية والمناصب والرواتب المرتفعة، دون أي اعتبار لكيفية توظيف تلك المؤسسات لهم كأداة لتحقيق مصالحها الخاصة، ودون إدراك لحجم الضرر الفادح الذي يُلحقونه بمصداقية المهنة وبصورة الصحفي، وقبل كل ذلك بمصلحة المجتمع.

إنها حالة لم تعد شاذة، وهي تُمارس بكل وقاحة تحت مسمى العمل الصحفي الحر، في حين أنها تُمثل في جوهرها خيانة صريحة للمبادئ الأساسية للمهنة، خيانة للأسس المهنية والأخلاقية، وللثقة التي يضعها الجمهور في الصحافة.

غياب الرقابة وتداعياته

في ظل غياب أي جهة رقابية انضباطية كمجالس الصحافة أو سلطة قانونية تتصدى لهذا الانفلات، يستمر المشهد الإعلامي في التدهور. هذا الواقع المُقلق لا يقتصر تأثيره على الحياة السياسية فحسب، وعلى مستقبل المجتمعات في تثبيت أسس الديمقراطية والحريات والعدالة، بل يمتد ليطال الصحة النفسية للمواطنين ويُفاقم حالة الاستقطاب والتوتر المجتمعي.

ووسط خيبة الأمل، يبرز سؤال آخر: كيف تُهدر هذه المبالغ الطائلة على آلة الدعاية في وقت يرزح فيه الشعب تحت ثقل أزمة اقتصادية خانقة وظروف معيشية متردية؟

ولماذا تلتزم المؤسسات الرقابية كالبرلمان والسلطة القضائية الصمت المُطبق حيال هذه المسألة المهمة والخطيرة، ولا تُبادر إلى فتح تحقيقات جادة في مصادر التمويل وآليات الإنفاق والتأثيرات المدمرة لهذه الممارسات على الاستقرار الوطني والسلم الاجتماعي؟

الحلول المقترحة

للوصول إلى النتيجة المرجوة المتمثلة في تمكين العمل الصحفي من ممارسة دوره الفعلي كسلطة رابعة مستقلة وحرة وقوية، يجب وضع تشريعات صارمة تحمي استقلالية الصحافة وتضمن حريتها، وسن قوانين تُلزم بالشفافية في مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية، وتفعيل الرقابة القضائية والبرلمانية على انتهاكات حرية الصحافة.

كما يجب إنشاء نقابات ومؤسسات مهنية قوية تدافع عن حقوق الصحفيين، ووضع ميثاق شرف صحفي ملزم وآليات واضحة لمحاسبة المخالفين، وتطوير برامج تدريب مستمر على المعايير المهنية والأخلاقية.

من الضروري أيضًا توفير الحماية القانونية والجسدية للصحفيين المستقلين، وإنشاء صناديق دعم للصحافة الحرة والمستقلة، وضمان حقوق العاملين في المجال الإعلامي.

ولا بد من تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الصحافة المستقلة في بناء الدولة الحديثة والمجتمعات الحية، وتثقيف الجمهور حول كيفية التمييز بين الإعلام المهني والدعاية الموجهة، ودعم مبادرات التربية الإعلامية في المدارس والجامعات.

لا يزال هناك أمل في الإصلاح

رغم سوداوية المشهد الحالي، لا يزال هناك أمل في إصلاح الإعلام واستعادة دوره الجوهري كسلطة مراقبة ومساءلة وتثقيف وتنبيه للمخاطر. فما زال هناك صحفيون شجعان يرفضون الانصياع للضغوط، ومؤسسات إعلامية صغيرة تحاول الحفاظ على استقلاليتها رغم الصعوبات، ومواطنون واعون يميزون بين الحقيقة والدعاية.

التغيير ممكن، لكنه يتطلب إرادة جماعية وعملاً دؤوباً من النخب الصحفية الملتزمة بالمعايير المهنية، ومن المجتمع المدني الداعم للإعلام الحر، ومن القوى الوطنية التي يجب أن تحمي حرية التعبير، ومن المواطنين الذين يجب أن يطالبوا بالشفافية والمحاسبة.

إن استعادة السلطة الرابعة لدورها ليست خياراً ثانوياً، بل هي ضرورة وجودية لبناء مجتمع ديمقراطي صحي ومستقر، قبل فوات الأوان. فالصحافة الحرة ليست فقط مرآة للمجتمع، بل هي ضميره الحي نحو التقدم والعدالة. وحين تُقيّد هذه الحرية، أو تُشوه ويتم مصادرتها لصالح الدعايات والإعلانات، يُقيّد معها المجتمع بأسره.

المزيد عن تحليل

تحليل, تدريبات","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":31874}" data-page="1" data-max-pages="2" data-start="1" data-end="1">