الآلاف فقدوا حياتهم أو أطرافهم بسببها.. لماذا يفشل العراق في إزالة المخلفات الحربية والألغام؟
تبلغ المساحات الملوثة في ذي قار 95 كيلومتراً مربعاً، منها 43 كيلومتراً مغطاة بالمخلفات الحربية و52 كيلومتراً بالذخائر العنقودية، وما جرى معالجته حتى الآن لا يتجاوز 2 كيلو متر مربع فقط.
في صباح الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2025، كان المفوض شعلان عبد الحسين طوفان، يراجع معداته قبل خروجه إلى مهمة جديدة ضمن فريق الدفاع المدني في محافظة ذي قار جنوبي العراق، لفعل ما اعتاد عليه منذ سنوات، وهو تفكيك المخلفات الحربية التي تنتشر في المحافظة التي كانت بعض مناطقها مسرح حرب في ثمانينات ومطلع تسعينات القرن الماضي كما في 2003.
موقع المهمة كان في منطقة “تل اللحم”، بقضاء سوق الشيوخ (30 كم جنوب الناصرية مركز ذي قار)، حيث تختلط آثار الذخائر العنقودية غير المنفجرة بالرمال. تعين على شعلان التعامل مع أحدها بمهارته وخبرته المتراكمة، وبمعدات عمل وسلامة بسيطة، لكن أمراً ما حصل أدى الى انفجار كبير.
لم يمنح المقذوف شعلان فرصة للنجاة، فتهشم وجهه وتمزقت أطرافه تحت قوة العصف، وسقط مضرجا بدمائه قبل أن يفارق الحياة خلال نقله إلى مستشفى القضاء.
يقول شقيقه سلمان، بنبرة تجمع بين الصدمة والمرارة: “خبر استشهاد شعلان صدمنا، على الرغم من طبيعة وظيفته الخطرة وإدراكنا لما يعنيه التعامل مع ألغام ومقذوفات قاتلة تنتشر بشكل كبير في مناطق واسعة”.
يضيف بأن شقيقه كان يردد باستمرار عند مطالبته من قبل أي من افراد عائلته بالتوقف عن نزع الالغام: “إذا لم نعالجها نحن، فمن سيفعل ذلك؟ من سيحمي الناس؟”.
يقلب سلمان صوراً متعددة لشقيقه في هاتفه الجوال، ويتساءل:”كيف يخرج فريق يفترض أنه متخصص لمهمات خطيرة بلا معدات سلامة؟ هذا استهتار… نفقد إخوتنا وأبناءنا، ولا أحد يضع حدًا لهذه الفوضى”.
ويؤكد :”أخي لم يمت بسبب المقذوف فقط، بل لأن الجهات المسؤولة لم توفر له الحد الأدنى من شروط الحماية، كان يواجه الموت كل يوم مباشرة دون درع او مصد يقيه”.
سلمان، يؤكد ان ماحدث لشقيقه، أمر تكرر مع آخرين غيره كثر:”في كل مرة يقتل فيها واحد من فرق التعامل مع المخلفات الحربية، نشعر أن دماءهم تهدر بلا حساب وأن سوء التخطيط والفساد يمهدان لمزيد من الضحايا، وسيلحق بشعلان عشرات ويمكن مئات آخرون إذا بقى الوضع على ما هو عليه الآن”.
يكشف هذا التحقيق أبرز مواقع التلوث بالمخلفات الحربية والذخائر العنقودية في ذي قار، وأسباب تعثر عمليات المسح والإزالة فيها بعد سنوات من العمل؟ وعلى من تقع مسؤولية استمرار سقوط ضحايا؟
وعلى الرغم من أهمية عمليات “إزالة الألغام والمخلفات” وضرورة إطلاع المواطنين على التقدم الحاصل فيها، رفضت العديد من الدوائر الأمنية والمنظمات العاملة في عمليات المسح والإزالة عن تقديم بعض المعلومات، أو كشفت عن أرقام متضاربة، كما منع “معد التحقيق” من الاطلاع على العديد من الوثائق المتعلقة بخطط الإزالة وتخصيصاتها المالية “لأسباب أمنية” كما قيل له من قبل موظفين رسميين.
الإحصائيات الرسمية المسجلة بين الأعوام 2017-2022 تشير إلى مقتل 10,546 شخصاً وإصابة 24,458 آخرين نتيجة المخلفات الحربية في عموم البلاد، بينما سجل برنامج تسجيل ضحايا الألغام والمخلفات الحربية في ذي قار الذي أطلق في العام 2015 مقتل وإصابة 4658 شخصاً
خطر صامت يمتد لمساحة 95 كم²
تنتشر المخلفات الحربية والذخائر العنقودية ضمن مساحات واسعة في محافظة ذي قار التي يسكنها زهاء المليونين ونصف المليون نسمة، وأحيانا في مواقع قريبة من مناطق انتشار السكان، ما يؤدي الى وقوع حوادث قاتلة سواء مع مواطنين او عاملين في فرق رفع المخلفات الحربية والذخائر غير المنفلقة.
مدير بيئة المحافظة، موفق حامد، يصف المشهد بمرارة: “المساحات الملوثة تبلغ 95 كيلومتراً مربعاً، منها 43 كيلومتراً مغطاة بالمخلفات الحربية و52 كيلومتراً بالذخائر العنقودية، وما جرى معالجته حتى الآن لا يتجاوز 2 كيلو متر مربع فقط”.
ويضيف أن “الأراضي الصالحة للزراعة التي ماتزال ملوثة، تجاوزت مساحاتها المشخصة عن 21 مليون متر مربع، فيما بلغت المساحات الملوثة ضمن الحقول النفطية أكثر من 28 مليون متر مربع”.
الخرائط الميدانية تكشف أن التلوث يتركز في جنوبي المحافظة، قرب الطريق السريع الرابط بين ذي قار والبصرة، وفي مناطق (حقل الصبة، الخميسية، مطار الجليبة، وتل اللحم)، حيث يعيش المواطنون على وقع الخطر اليومي، خصوصاً رعاة الأغنام الذين يقودون مواشيهم في أراضٍ مفتوحة لم تطهر بعد، حسبما يقول مدير بيئة ذي قار.
وتكشف وثيقة رسمية حصل عليها معد التحقيق، صادرة عن مدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام في 12 آذار/مارس 2025، عن مساحات واسعة ملوثة تتوزع على أقضية المحافظة، أبرزها سوق الشيوخ بـ 66.8 مليون متر مربع، والناصرية بـ 22.3 مليون متر مربع، والجبايش بـ 105 آلاف متر مربع، ليبلغ المجموع 89.4 مليون متر مربع من الأرض الملوثة.
أرقام كبيرة وأنواع مختلفة
تظهر وثيقة صادرة في العام 2023 من دائرة شؤون الألغام في محافظة ذي قار، أن إجمالي المخلفات العنقودية الفعالة و(المطلوقة) وقيد المعالجة، في المحافظة تبلغ نحو( 552,922,29) مخلفاً، في حين وصلت مخلفات مناطق المواجهة إلى( 1,311,419). أما المخلفات الحربية المتفجرة فقد بلغت (156,718,219)، بينما سجلت مخلفات حقول الألغام المطلوقة ( 99,728).
وعن جهود عمليات الكشف والإزالة، تظهر إحصائيات مديرية الدفاع المدني في ذي قار، خلال العامين 2023-2024 تطهير 7 مواقع نفطية بواقع أكثر من 5 مليون متر مربع ومشروع كهربائي بواقع 626,589 متر مربع فيما تم تحديد 10864 الف مخلف حربي وائتلاف 5254 مخلف حربي.
مدير المركز الإقليمي الجنوبي لشؤون الألغام، نبراس فاخر، يوضح أن “التلوث في ذي قار يتمثل أساساً في القنابل العنقودية والمخلفات الحربية”، مؤكداً أن خطورتها لا تقل عن خطورة الألغام، وأي تعامل غير احترافي معها يؤدي إلى الانفجار”.
ويكشف أن “المحافظة تضم أكثر من 90 موقعاً خطراً، بعضها في مناطق مأهولة بالسكان وأخرى في أراض زراعية ونفطية” ويشير إلى أن ذلك يجعل ذي قار، واحدة من أكثر المحافظات العراقية المتضررة من إرث الحروب”.
ويضيف: “نحن نعتمد على فرق وزارة الدفاع ودائرة المتفجرات في الحشد والدفاع المدني، إلى جانب جهد منظمات المجتمع الدولي المدعومة من الدول المانحة، لكن حجم التلوث أكبر بكثير من إمكانياتنا”.
تقارير دائرة شؤون الألغام بوزارة البيئة، تؤكد أن العراق مازال واحداً من أكثر بلدان العالم تلوثاً بالمخلفات الحربية، التي تشمل ألغاماً مضادة للأفراد والعجلات والدبابات، فضلاً عن الذخائر العنقودية التي انتشرت بعد حرب عام 2003
ويلفت نبراس فاخر إلى أن المركز افتتح خلال الأشهر المنصرمة مقراً للمنظمة النرويجية المتخصصة في تقييم المناطق الملوثة، لتنفيذ مشاريع في ذي قار، كما “قدم مقترح لتطهير المناطق الأثرية من المخلفات الحربية بالتنسيق مع هيئة الآثار، لما لذلك من أثر مباشر على السياحة”، لكنه يقر أيضا بأن العمل المتواصل في ذي قار، والمحافظات الجنوبية “لا يتناسب مع حجم المساحات الملوثة، بسبب الحاجة إلى موازنات مالية ضخمة ودعم إضافي”على حد قوله.
ويؤكد الحاجة إلى:”أعمال مسح تقني لوضع خطة واضحة للتطهير، ومن خلاله نصنف المناطق الخطرة، لان بعض المساحات ما تزال مجهولة لدينا لعدم إجراء المسح، وحتى الآن نكتشف باستمرار مناطق جديدة ملوثة وخطرة”.
المسح التقني، بحسب نبراس فاخر:”يمنح صورة دقيقة عن عمق التلوث وحدوده ونوعه، إضافة إلى تحديد المساحات غير الملوثة”، كما يشير إلى أن مناطق الأهوار تعد من المناطق المشتبه بها، وتحتاج إلى أجهزة استشعار تحت الماء للتحقق من وجود مخلفات.
مشكلة ذي قار مع الألغام والمخلفات الحربية، هي جزء من مشهد أكبر يعيشه العراق كله، فتقارير وزارة البيئة – دائرة شؤون الألغام – المرسلة إلى ديوان الرقابة المالية عام 2023 تؤكد أن العراق مازال واحداً من أكثر بلدان العالم تلوثاً بالمخلفات الحربية، التي تشمل ألغاماً مضادة للأفراد والعجلات والدبابات، فضلاً عن الذخائر العنقودية التي انتشرت بعد حرب عام 2003، والمقصود بها الحرب التي اسقطت بها الولايات المتحدة الامريكية النظام العراقي السابق في نيسان/ابريل 2003.
وتقع مهمة معالجة هذه المخلفات على عاتق وزارة الدفاع/ كتائب الهندسة العسكرية، ومفارز تفكيك المتفجرات في هيئة الحشد الشعبي، ووزارة الداخلية عبر مديرية الدفاع المدني، التي تتولى رفع وتفجير الذخائر في المناطق السكنية والزراعية والمنشآت الحيوية، بالتنسيق مع وزارة البيئة.
ويرى مسؤولو البيئة، أن المشكلة تعود إلى ما هو أبعد من ذلك، فالخرائط الأصلية لحقول الألغام التي زرعت في العقدين الأخيرين للقرن المنصرم فقدت بعد 2003، ومع غيابها فقدت الجهات المختصة البوصلة التي يمكن أن تهتدي بها في عمليات التطهير.
وبينما تستند بعض الدول في برامج إزالة الألغام إلى أرشيف عسكري دقيق، يعتمد العراق اليوم على ما تجمعه الفرق عبر مسوحات أولية وتقارير السكان، وهذا وحده كفيل بجعل الجهود أشبه ببحث عن إبر في صحراء مترامية، وفقاً لمعلومات أدلى بها مسؤولون.
وأضافوا بأن الإحصائيات الرسمية المسجلة بين الأعوام 2017-2022 تشير إلى مقتل 10,546 شخصاً وإصابة 24,458 آخرين نتيجة المخلفات الحربية، أما في محافظة ذي قار، فقد سجل برنامج تسجيل ضحايا الألغام والمخلفات الحربية الذي أطلقته دائرة البيئة عام 2015، مقتل وإصابة 4658 شخصاً نتيجة هذه المخلفات.
وعلى الرغم من ذلك، فإن قاعدة بيانات دائرة شؤون الألغام لا تميز بدقة بين ضحايا المخلفات الحربية وضحايا العمليات الإرهابية، ما يضعف القدرة على رسم صورة واضحة لحجم المشكلة.
الخرائط المفقودة
المستشار في وزارة البيئة، جمال العطا، يصف مشكلة الألغام بأنها “من أخطر التحديات التي تواجه العراق اليوم”، ويعيد جذورها إلى الحرب العراقية–الإيرانية 1980-1988، حين زرعت حقول ألغام واسعة على طول الحدود بين البلدين الجارين، ثم جاءت حرب الخليج الأولى 1991 لتضيف القنابل العنقودية إلى المشهد، ملوثة مناطق في جنوبي العراق مثل السماوة والبصرة وذي قار.
العطا يوضح أن “الخرائط التي كانت تحدد مواقع الألغام فقدت مع سقوط النظام السابق، ما جعل مهمة تحديد المناطق الملوثة أكثر تعقيداً”، ويشير إلى أن العراق عضو في ثلاث اتفاقيات دولية (أوتاوا، أوسلو، CCW)، لكنه يواجه صعوبات مالية كبيرة في تنفيذ التزاماته.
ويؤكد أنه وعلى الرغم من ذلك فان نسبة المناطق الملوثة انخفضت من 6000 كم² إلى نحو 2100 كم²، مع استمرار الجهود للوصول إلى عراق خال من الألغام بحلول 2028، مع توقعه بأن الأمر قد يحتاج إلى عشرة سنوات إضافية.
وكانت زارة البيئة العراقية أعلنت عن وضع خطة شاملة لإزالة الألغام والمخلفات الحربية، تهدف الى أن تكون البلاد خالية منها بحلول عام 2028.
لكن وكيل الوزارة كاميران علي، يرى بأن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب “دعما دوليا وتخصيصات مالية كافية في الموازنات الحكومية”. وهو ما يبدو غير متاح، ما ينعكس على عدد الفرق العاملة وعلى ما تملكه من معدات عمل وسلامة.
ما يعقد المشكلة، بحسب خبراء ونشطاء بيئيين، أن الحروب التي أمتدت لأكثر من أربعين عاما لم تترك وراءها فقط أعدادا كبيرة من الألغام والمخلفات الحربية القاتلة، بل أيضا خلفت بقايا أسلحة وعربات ملوثة باليورانيوم المنضب، لتصبح تهديدا وجوديا للمواطنين والبيئة على حد سواء.
الاتفاقيات المنسية.. إخفاقات في الأداء
في دراسة أعدتها دائرة البحوث والدراسات النيابية للمدة 2020-2023 بشأن الألغام والمخلفات الحربية الخطرة، جرى تشخيص إخفاقات واضحة في أداء المؤسسات المعنية بهذا الملف.
الدراسة أكدت أن دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة “لم تلتزم بالمهام المناطة بها”، وأن الإمكانيات الفنية لفريق معالجة المتفجرات في وزارة الداخلية “لا تتناسب مع حجم المهام المكلف بها”، وان مديرية الهندسة العسكرية في وزارة الدفاع تحتاج إلى تأمين “العديد من الاحتياجات الفنية لإتمام أعمالها”.
فيما كشفت عن وجود “حيود” في تنفيذ الاتفاقيات الدولية التي انضم إليها العراق، ومنها اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد عام 2007، واتفاقية حظر الذخائر العنقودية CCM عام 2009.
بررت دائرة شؤون الألغام هذا الحيود بأن “حجم التلوث في الأراضي العراقية كبير جداً ولا يتناسب مع الإمكانيات المتوفرة، فضلاً عن عدم تحديد نسب تنفيذ تلك الاتفاقيات لمعرفة نسب التقدم بالعمل، ما جعل من الصعب تقييم الإنجاز الفعلي”.
وأشارت الدراسة إلى أن وزارة البيئة أبرمت أربعة عقود منذ عام 2015 مع شركات محلية ودولية لتنفيذ أعمال المسح والسيطرة النوعية بقيمة 11 مليار دينار، بينها شركات الصفصفا وABC للهندسة العامة والشركة العربية الاستشارية وشركة الخليج العربي لإزالة الألغام.
الدراسة أوضحت أن “توقيع هذه العقود جاء خلافاً لقانون وزارة البيئة رقم 37 لسنة 2008، الذي لم يتضمن مهام تنفيذية لمسح وإزالة الألغام، ما يثير تساؤلات حول قانونية هذه العقود وفاعليتها”.
الدراسة شخصت أيضاً وجود عدد من المعدات وأجهزة الكشف عن الألغام مخزونة ضمن أقسام دائرة شؤون الألغام، حصلت عليها الوزارة ضمن منح دولية ولم يتم التعامل بها والاستفادة منها، وذلك لعدم وجود أي نشاط تنفيذي للدائرة فيما يخص شؤون الألغام.
هذه المعدات تضمنت كاشفة نوع PG وكاشفة معادن نوع جيا، ولم تقم الدائرة بتزويد وزارات الداخلية والدفاع والحشد الشعبي بها للاستفادة منها في عمليات الكشف والمعالجة.
الدراسة أشارت أيضاً إلى وجود نقص في فرق الدفاع المدني المتخصصة بمعالجة القنابل غير المنفلقة في ذي قار، إذ يبلغ عددهم 48 شخصاً، فيما تحتاج الدائرة إلى 12 عنصراً آخر.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، أكدت مديرية الدفاع المدني، حاجتها إلى أجهزة وآليات ومعدات متخصصة في كشف ومعالجة ورفع الصواريخ والقذائف غير المنفلقة، إضافة إلى معدات وقاية شخصية، مثل جهاز الكاشفة السطحية “شونستد”، جهاز تحديد المواقع GPS، حقيبة استطلاع أولي، بطانية ضد الانفجار وصندوق ضد الانفجار لنقل الذخائر.
أما وزارة الدفاع، فقد أصدرت كتاباً رسمياً في 8 كانون الثاني/يناير 2024 أوضحت فيه حاجة سرايا معالجة الألغام والمخلفات الحربية الخطرة ضمن كتائب الهندسة العسكرية إلى آليات متقدمة، منها آلية (سفتر) لإزالة الألغام، آلية (فليير) لعمل الفالقات، آليات (كاسحة ومعالجة) للألغام، حقيبة معالجة محمولة على الظهر، كاشفة (Large Loop ) لكشف الألغام حتى عمق سبعة أمتار، جهاز تصوير الصاعق لكشف المتفجرات، جهاز تنصت على الصواعق، جهاز ثقب القنبلة لتفكيكها، وجهاز كشف الطرود وأجهزة تحديد المواقع.
المعدات الأساسية التي تحتاجها وزارة الدفاع، ومديرية الدفاع المدني، لتطوير عمليات المسح والازالة، تؤشر وجود مشكلة مستمرة في تأمين المتطلبات الضرورية لتسريع خطط تنظيف البلاد من الألغام والمخلفات وإنهاء وقوع مئات الحوادث المميتة سنويا بسببها.
وهناك تحديات آخرى تقف أمام نجاح عمليات إزالة الألغام في البلاد، ترتبط بسوء ادارة الملف، فتقرير ديوان الرقابة المالية الصادر في 2024 يؤكد عدم إمكانية الاستفادة من القرض البريطاني المخصص إلى وزارة البيئة ضمن قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنوات 2023-2024-2025، والبالغ قيمته 400 مليون دولار أمريكي مقدم من وكالة ضمان الصادرات البريطاني (UKEF)، لتنفيذ أعمال شؤون الألغام.
السبب يعود إلى عدم وجود أي مهام تنفيذية للدائرة فيما يخص كشف ومعالجة وتفجير الألغام ضمن وثيقة تنظيم شؤون الألغام وتحديد المسؤوليات، واقتصار دورها على أعمال الرقابة والإشراف.
وقد أوصى الديوان بتشكيل لجنة من الجهات ذات العلاقة لدراسة إمكانية إلغاء القرض البريطاني المخصص لوزارة البيئة، والاعتماد على الجهد الحكومي في عمليات مسح ومعالجة الألغام والمخلفات الحربية الخطرة، من دون اللجوء إلى القروض وما يترتب عليها من فوائد مالية كبيرة.
فساد يعرقل الإنقاذ
الخوف والتهديد الذي يعيشه عشرات آلاف العراقيين يومياً في مناطق انتشار الألغام والمخلفات الحربية، لن يتوقف على المدى القريب، مع تداخل ملفات فساد في الملف، وهو ما يكشف جانب آخر من المشكلة. كما يرى النائب السابق في البرلمان العراقي رحيم الدراجي، الذي يقول ان العراق “غير قادر على الإيفاء ببنود معاهدة أوتاوا الخاصة بالتخلص من الألغام ورعاية الضحايا”، واصفا الملف بأنه “بوابة من بوابات الفساد”.
يستعيد الدراجي قصة تعود إلى العام 2016، حين قدمت شركة يابانية عرضاً لإزالة الألغام في جنوب العراق مقابل 40 مليون دولار لكنه قوبل بالرفض، فقد ذهبت عقود الإزالة تلك إلى شركات محلية مرتبطة بجهات سياسية بمبالغ هائلة، تعدت مئات ملايين الدولارات.
هذه الشركات، بحسبه، كانت “وهمية، تلتقط صوراً لمقذوفات قديمة وتقدمها كدليل على إنجازات غير حقيقية، بينما تبقى الأراضي ملوثة وخطرة” على حد تعبيره.
ويكشف الدراجي، أن “تحديد موقع الألغام والمخلفات الحربية يكلف ما بين دولارين إلى خمسة دولارات للمتر الواحد، اعتماداً على طبيعة التربة ونوع اللغم أو المخلف الحربي، بينما يكلف رفع المخلف أو اللغم أحيانا مبالغ تتراوح بين 500 إلى 2000 دولار أمريكي”.
ووفق تقديرات دولية، تبلغ تكلفة إزالة اللغم الواحد بشكل آمن وبما يتطلبه من وقت، ما بين 300 الى 1000 دولار، في حين إن تكلفة إنتاج اللغم لا تتجاوز في المتوسط 75 دولارا.
ويقول الدراجي ان العراق يمتلك اليوم أكثر من 125 كتيبة هندسية متخصصة برفع الألغام والمخلفات الحربية، ويتساءل هنا:” لماذا يتم التعاقد مع شركات أهلية لإزالة الألغام رغم وجود هذه القدرات المحلية؟”.
من جانبه يكشف النائب باسم الغرابي، العضو في لجنة الصحة والبيئة النيابية، عن وصول ملفات إلى القضاء “بعد اكتشاف تقارير وهمية عن تطهير أراضٍ ملوثة”.
ويضيف: “الكثير من الضحايا لم يتم تعويضهم، والفساد أفقدنا ثقة التعامل مع المنظمات الدولية.”
ويشير الغرابي، إلى أن “عدد الضحايا كبير جدا ومعظمهم أطفال، يحتاجون إلى أطراف صناعية بتكلفة تتراوح بين 2000 و3500 دولار للطرف الواحد، في وقت تتعثر فيه برامج الدعم والتعويض بسبب الفساد وسوء الإدارة”.
في الاثناء، يلخص الخبير الأمني أحمد الشريفي، التحديات قائلاً إن هناك “عقبات تتعلق بنقص الموارد المالية والفنية والبشرية لتنفيذ عمليات إزالة الألغام بشكل فعال وآمن، إضافة إلى غياب بيانات دقيقة وموثوقة عن مواقع وأنواع وأعداد الألغام والمتفجرات الموجودة في الأراضي العراقية”.
ويشير الشريفي إلى عدم وجود تشريعات ومعايير وطنية موحدة ومحدثة لتنظيم ورصد وتقييم الأعمال المتعلقة بالألغام، فضلاً عن غياب التوعية الكافية للمجتمعات المحلية بمخاطرها وكيفية التعامل معها.
ويقول ان انتقال العراق من الشريحة السفلى إلى الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل عام 2020 أفقده بعض المزايا والامتيازات التي كان يحصل عليها من المانحين الدوليين، ما أسهم في تلكؤ العديد من المشاريع، ومنها مشاريع إزالة الألغام والمتفجرات.
وبدوره يشير الى الخطة الاستراتيجية الوطنية لإزالة الألغام التي أطلقها العراق في أغسطس/آب 2024 “هنالك تنسيق بين الوزارات المعنية والمنظمات الدولية والشركات النفطية في المناطق الجنوبية وغيرها، لوضع خطة مستقبلية لجعل العراق خالياً من الألغام بحلول عام 2028”.
لكن المبلغ المخصص في الموازنة لثلاث سنوات (2023-2025)، والذي يقدر بنحو 60 مليون دولاراً، لا يكفي لتنفيذ هذه الخطة، فالعمل يحتاج إلى تحديد أولويات مواقع التطهير، ومن ثم برامج للتنمية والاستقرار، ومن دون ذلك، يقول الشريفي، “لن نستفيد من إزالة الألغام كما هو مطلوب”.
ويعزو الشريفي، أسباب قلة تمويل برامج إزالة الألغام إلى عوامل عدة، أبرزها “انعدام الاهتمام الحكومي بهذا الملف الخطير، إضافة إلى آفة الفساد التي تعيق جهود التخلص من هذه المخلفات، حيث تورط بعض أصحاب الشركات والمنظمات العاملة في المجال بعمليات ازالة وهمية ضمن صفقات فساد كبيرة”.
في بلد يضم نحو 20 مليون لغم وما بين 2.6 إلى 6 ملايين قنبلة غير منفجرة، وفق ارقام وزارة البيئة، ومع بطء عمليات الإزالة وسوء إدارة الملف وما يكتنفه من فساد، ستتكرر حوادث الانفجار القاتلة كما حصل مع المفوض “شعلان” أو حوادث البتر التي غيرت مجرى حياة آلاف العراقيين وراكمت من معاناتهم.
كمال عدنان، هو واحد من ضحايا المخلفات، يعرف جيدا ما يعنيه ألم فقدان شخص أو بتر طرف، وما يحمله ذلك من معاناة وصعوبات حياتية، كما يقول. فقد عاش تلك القصة في العام 1992، يوم كان طفلا يرعى أغنامه في البادية الغربية بناحية البطحاء غرب ذي قار حين التقط جسماً معدنياً صدئاً، فانفجر بين يديه وأدى إلى بتر كفه اليسرى.
اليوم، أصبح كمال في عقده الرابع وأباً لثلاثة أطفال، لكن آثار تلك اللحظة لم تفارق حياته أبدا “بل رسمت حدود معاناة طويلة وأوقات عصيبة” كما يؤكد، لتظل شاهداً على خطر لايزال قائماً منذ خمسين عاماً بلا حلول، مهددا حياة المدنيين كما عناصر الأمن.
• أنجز التحقيق بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية ضمن مشروع “قريب”.