حشدٌ وهمي.. مقعد حقيقي .. عن الخديعة الانتخابية المتكرّرة
هذه ليست قصة عابرة، ولا يمكن التعامل معها كحدث فرديّ، فهي تعبّر عن آلية كاملة تحوّل التعيين إلى سلعة انتخابية، والفرص الوظيفية إلى صفقات سياسية، والشباب العاطل إلى جمهور سهل الانقياد تحت ضغط الحاجة، في ظل غياب منظومة رقابية حقيقية قادرة على وقف هذا الانحدار الذي أصبح جزءاً من بنية المشهد الانتخابي العراقي.
لم تكن قصة مهند الخزرجي في بغداد، أو الحكايات التي تشابهها سوى فصولٍ مكشوفة من مسلسل الخداع الانتخابي الذي لم يعد مفاجئًا لأحد.
النائب، الذين تصدّر عناوين النقاش الشعبي بعد ظهور تسجيلات وشهادات ووقائع حول وعود بالتعيين على الحشد الشعبي مقابل الأصوات، كشف نموذجاً متكرّراً لما يحصل في مواسم الاقتراع في العراق: سياسي يلوّح بشبح البطالة أمام شبابٍ يائس، ثم يبيع لهم وهماً مصاغاً على ورقة مطبوعة أو “استمارة” مزوّقة، وفي لحظة اليأس يصبح الوهم نفسه قيمة قابلة للتسويق والشراء.
ليست هذه القصة عابرة، ولا يمكن التعامل معها كحدث فرديّ، فهي تعبّر عن آلية كاملة تحوّل التعيين إلى سلعة انتخابية، والفرص الوظيفية إلى صفقات سياسية، والشباب العاطل إلى جمهور سهل الانقياد تحت ضغط الحاجة، في ظل غياب منظومة رقابية حقيقية قادرة على وقف هذا الانحدار الذي أصبح جزءاً من بنية المشهد الانتخابي العراقي.
الإنفاق الانتخابي، اقتصاد ظلّ خارج المساءلة
وراء هذه الوعود الوهمية، تقف معضلة أكبر وهي مشكلة الإنفاق الانتخابي المنفلت، في العراق، ورغم وجود قانون ينظّم الإنفاق إلّا أن تطبيقه يكاد يكون معدومًا.
الأموال التي تُصرَف في الحملات تأتي من مصادر مجهولة، بعضها مرتبط بشبكات نفوذ، وبعضها الآخر مأخوذ من المال العام بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تحت غطاء مشاريع مؤقتة وخدمات انتخابية.
وعلى الرغم من وجود حدٍّ أعلى للإنفاق، ليس هنالك من يمنع تجاوزه ولا وجود لهيئة تراقب مصادر التمويل ولا وجود لعقوبات رادعة وبذلك تحوّلت العملية الانتخابية إلى سباق مالي لا سباق برامج، فالفقر والبطالة يفتحان الباب أمام شراء الأصوات والولاءات، وكلّما اشتد الفقر اتّسع سوق المتاجرة السياسية.
ومن كان يمتلك شبكة علاقات داخل المؤسسات الرسمية يستطيع ببساطة أن يقدّم خدمات شكلية تُموّل من المال العام، ثم يوظّفها كدعاية انتخابية، وهكذا يصبح المواطن نفسه هو من يدفع ثمن الخدمات التي تُستخدم لاحقًا لاستمالته.
استغلال النفوذ و المنصب تحوّل إلى ماكينة انتخابية
إلى جانب المال، برزت مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن السابقة وهي عدم إلزام شاغلي المناصب بالاستقالة أو الإجازة الإلزامية قبل الترشح، فالمسؤول الذي يملك توقيعاً رسمياً يستطيع التحكم في الموارد، وتوجيه الخدمات، وإطلاق مشاريع مؤقتة لكسب التأييد وبذلك تتغيّر قواعد المنافسة؛ إذ يصبح الموظف المرشح صاحب أفضلية ساحقة على المرشح العادي الذي لا يملك نفوذاً ولا قدرة على التأثير داخل المؤسسات.
قبل انتخابات مجالس المحافظات لعام 2023، رفعت منظمات المجتمع المدني وعدد من الشباب -الفاعلين والمهتمين بالشأن السياسي والفضاء المدني- توصيات واضحة لتطبيق الإجازة الإلزامية ومنع أي تواصل وظيفي للمسؤول المرشح مع مؤسسته خلال فترة الانتخابات، لكن هذه التوصيات بقيت حبراً على ورق، ولم تتحوّل إلى قواعد نافذة رغم أهميتها ووجود نصوص قانونية وإدارية تفرضها، مما سمح بتكرار نفس السيناريو: نفوذ يُستغَل، ومناصب تُسخَّر، وموارد تُدار على أساس الولاء لا على أساس المصلحة العامة.
وعود التعيين.. من حق دستوري إلى (كوبون انتخابي)
أخطر ما في هذه الظاهرة هو تحويل التعيين الذي يفترض أن يكون استحقاقًا دستورياً مبنياً على حاجة الدولة وكفاءة المتقدّم، إلى رشوة انتخابية، حيث أصبحت الوظيفة العامة ورقة مساومة، تُقدَّم لمن يمنح صوته، لا لمن يستحقها وهذا بحد ذاته خرقٌ واضح لمبدأ العدالة والمساواة في الفرص.
صار لبعض السياسيين “مكاتب تعيين” غير رسمية، تُدار من بيوت وشقق ومقار حزبية، وتوزّع الاستمارات بلا أيّ سند قانوني، وكأن مؤسسات الدولة أصبحت ملحقاً انتخابياً لأحزاب وشخصيات تبحث عن الأصوات، وفي كل دورة انتخابية تتكرر الحكاية نفسها حيث هناك آلاف الشباب يجمعون أوراقهم، ينتظرون، يصدّقون، ثم يكتشفون أن الأمر كله كان خدعة موسمية لا أكثر.
فشل النظام الرقابي وردود أفعال لا تصنع دولة
مفوضية الانتخابات اتخذت هذه المرة خطوة غير مسبوقة بسحب عضوية النائب الذي تورّط بوعود التعيين الوهمية، وهي خطوة تُحسب لها وتُظهر أن الرقابة يمكن أن تعمل حين تتوفر الإرادة لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تبقى استثناءً لا قاعدة، لأن مئات الحالات المشابهة مرّت سابقًا دون إجراءات حقيقية، ودون سحب عضوية أو محاسبة أو حتى تحقيقات جادّة، فما زالت القاعدة العامة هي غياب الردع، وضعف تطبيق القانون، والتعامل مع أغلب ملفات الخداع الانتخابي على أنها حوادث فردية سرعان ما تُغلق بالتسويات أو ضغط النفوذ ولا توجد منظومة راسخة تضمن محاسبة كل من يستغل مؤسسات الدولة لأغراض انتخابية، ولا توجد شفافية كافية تكشف للناس حجم التجاوزات التي تمر مرور الكرام.
لذلك، ورغم الخطوات التي تحققت، ما نحتاجه ليس معاقبة فردٍ هنا أو هناك، بل نحتاج جديًا الى إصلاح هيكلي يعيد تشكيل العملية الانتخابية من جذورها، ويحوّلها من سوق للوعود الزائفة إلى عقد واضح بين الدولة والمواطن، مبني على البرامج، والكفاءة، والنزاهة، والرقابة المالية الصارمة.
الإصلاح المطلوب حالياً هو قانون وبيئة تعاقب المخادع لا تكافئه. ولكي يتوقف هذا النزيف السياسي والأخلاقي، هناك ثلاثة مسارات يجب أن تُشرَّع وتُطبّق بصرامة وبشكل جاد:
اولاً: تجريم استغلال الوظائف العامة في الحملات الانتخابية، بما يشمل توزيع الوعود والامتيازات وربط الخدمات بالصوت الانتخابي.
ثانياً: مراقبة مالية حقيقية تفرض سقفًا صارمًا للإنفاق، وتكشف مصادر التمويل، وتعلنها للرأي العام.
ثالثاً: إلزام المسؤولين بالاستقالة أو الإجازة الإلزامية قبل الترشح، لمنع تحويل الوزارات والدوائر إلى آلات انتخابية.
بدون هذه القوانين والإجراءات، سيبقى المشهد الانتخابي مسرحاً يسمح لكل مخادع جديد أن يشق طريقه نحو السلطة مستخدمًا الأساليب ذاتها التي أثبتت فعاليتها مرارًا عن طريق شراء العوز، واستغلال اليأس، وبيع الأوهام للشباب العاطل عن العمل.
من المخادع التالي؟
ليس السؤال “من هو المخادع القادم” فحسب، بل كيف نوقف دورة إنتاج المخادعين؟ وكيف نضمن أن يكون العقد الانتخابي بين الناخب والدولة، لا بين الناخب والمرشح الذي يقدّم وعودًا أكبر مما يملك، وينتهي دوره بمجرد إعلان النتائج؟
حتى ذلك الحين، سيبقى الشباب العراقي وقودًا لأساليب انتخابية رخيصة، وسيبقى المال السياسي والأوراق المزورة ونفوذ المناصب أدوات تُستخدم لنهب المستقبل قبل أن تبنيه.