

“أنا الوترُ الأولُ.. أنا الوترُ الأخير”
من مقطوعةٍ سومريّة لإينانا آلهة الفنون عند السومريين، تنقلها إحدى خادماتها
يعيد بعض الباحثين إلى السومريين الفضل في ابتكار السلم الموسيقي وربطه بعدد الكواكب وأيام الأسبوع، والذهاب أبعد من ذلك حين وصلوا به إلى مفهوم القدر؛ إذ رأوا أن حياة الإنسان مقطوعة موسيقية تعزفها الآلهة، وأنّ الأقدار تُصنع بالموسيقى، ولكلّ إنسانٍ شيفرته الموسيقية وعلامته الخاصة.
كما اخترع السومريون وطوّروا عدداً من الآلات الموسيقية، لعلّ أبرزها القيثارة، وكان الغناء حاضراً في طقوسهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، في التعبّد والجنائز والفرح والترفيه والزراعة والرعي.
في الجنوب العراقي كان الماء وفيراً والأهوار ممتدةً والقصب يؤوي الطير والدواب، هناك عاش الإنسان منذ آلاف السنين وبنى حضارته وصنع ثقافته، التي كان لطبيعة المكان ومناخه تأثير فيها.
على هذه الأرض، على مقربة من زقورة أور الشهيرة، أقامت إحدى شركات الاستثمار في بناء المجمعات السكنية مهرجاناً استثمارياً، بهدف الترويج لعملها وجذب أنظار المستثمرين من خارج المحافظة، في محاولة لإظهار ذي قار على أنها محافظة آمنة وبيئة صالحة للاستثمار، حيث أُنشئ فيها مطار دولي ومدينة سياحية وعدد من المجمعات السكنية بآلاف الوحدات.
روّج عدد من المنصات والمشاهير في مجال الفن والإعلام لهذا المهرجان قبل أكثر من شهر، وعند اقتراب موعده أعلنت الشركة عن فقراته التي تضمنت فقرة غنائية للفنان العراقي محمد عبد الجبار. لاقى الخبر تفاعلاً من قبل الجمهور، لكنّ مجموعةً من الأشخاص -بعضهم يرتبط بجهات سياسية دينية- عبّروا عن رفضهم إقامة الحفل، ونظّموا وقفة احتجاجية في مدينة الناصرية، حضرها عدد قليل من الأشخاص -أقل من ثلاثين شخصاً- من بينهم رجل دين، والملفت أن هذا الاحتجاج ساهم في الترويج للمهرجان بشكل كبير، وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض. نسبة كبيرة منهم رأت أنّ هذا الحفل يقع ضمن الحريات التي يكفلها الدستور، وأنه ليس في مكان ديني وليس متزامناً مع مناسبة دينية، بينما رأى آخرون مخالفته الشريعة الإسلامية، وأن الناصرية، “مدينة الشهداء والشعائر الدينية”، لا يناسبها هذا الحفل الغنائي الذي تحضره العائلات، لأنّه يفتح باباً لانحلال المجتمع.
في الفقه الإسلامي، تُعدّ الموسيقى موضع خلافٍ بين المذاهب وحتى بين فقهاء المذهب الواحد، منهم من يجيزها ومنهم من يضع لها اشتراطات كثيرة، ولكلٍّ منهم حجج فيما يقول. أما الغناء فهو موضع خلاف أكبر، وعليه اشتراطات أكثر من الموسيقى للإباحة أو التحريم.
الدستور العراقي يقر بأن الإسلام دين الدولة الرسمي، لكنه في الوقت نفسه يكفل الحقوق والحريات، ويقر قوانين وأطر وأسس مؤسسات لإنتاج الموسيقى والغناء، ففي الدولة العراقية مؤسسات متخصصة لرعاية وتمويل الكثير من النشاطات الموسيقية والغنائية.
رغم ذلك، أثارت هذه الحادثة وغيرها سؤالاً يُردَّد بعد كلّ قانون أو قرار أو سلوك يحجّم الحريّات: هل العراق دولة دينية أم مدنية؟
وتضيفُ نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، التي حصلت فيها القوى السياسية التقليدية على كلّ مقاعد الوسط والجنوب، سؤالاً آخر: هل ستتجه الأمور إلى المزيد من التضييق على الحريات؟ وهل ستُفرَّغ الديمقراطية من محتواها لتكون حكم الأغلبية وحسب دون حفظ حقوق سائر الناس وحماية حرياتهم؟
تفتح مثل هذه الحوادث أبواباً لانقسام الناس في فضاء متوتر يُنتج خطاباً شرساً بدوافع شخصيّة لإثبات الوجود المعنوي لكلّ طرف من الأطراف، بينما يُستثمَر ذلك سياسياً من قبل القوى التقليدية ليُترجَم في الانتخابات.
حضر عدد من المسؤولين المهرجان، من ذي قار والعاصمة بغداد، من بينهم أحد أعضاء مجلس المحافظة، الذي غادر قبل بدء الفقرة الغنائية ونشر منشوراً على صفحته في فيسبوك، يطالب فيه بإلغاء فقرة الغناء منطلقاً من “ثوابته الدينية”، وحين عرف أنها لم تُلغَ نشر منشوراً آخر تبرّأ فيه من المستثمر الذي ينتمي إلى عشيرته؛ كونه -المسؤول- شيخاً للعشيرة.
فيما هدد المعترضون باتخاذ إجراءات قانونية ضد القائمين على الحفل، بهدف ضمان عدم تكرار مثل هذه الحفلات مستقبلاً، ودعوا الذين حضروا إلى جمع ما وثّقوه من إساءات أو تهديدات وجِّهت إليهم أو للشركة؛ من أجل اعتمادها قانونياً عند تقديم شكاوى إلى القضاء.
من بيتي، كنت أراقب ما أثاره الحفل عبر مواقع التواصل والأنباء، أسكن في مربع “الولاية” في قضاء الشطرة، وكذلك أبي وأمي وأجدادي وآباؤهم، وعلى بُعد بضعة أمتار، في كل اتجاه حول بيتنا، وُلِدَ أو سكن مدة من الزمن رمز من رموز الشعر والموسيقى والغناء في العراق: زامل سعيد فتاح، وزهير الدجيلي، وعريان السيد خلف، وصباح السهل، وفي ريف المدينة داخل حسنظن وحضيري أبو عزيز… تلك المدينة التي أنجبت الطور الشطراوي، طور الرفض، الذي يبدأ بكلمة “لا” التي تبقى تتكرر في الحنجرة طوال أداء الموّال.
وعلى مقربة من مدينتي ولد وعاش طالب القرة غولي، وباتجاه آخر منها حسين نعمة، وكمال محمد، وخضير ناصرية، وستار جبار، وسليم سالم، وناصر حكيم، وكمال السيد، وجمال فاضل، وكاظم الرويعي، وجبار ونيسة، وعلي جودة، وبلقيس فالح ورعد الناصري، وعادل المختار… والقائمة تطول. مثلما ولدت على أرض هذه المحافظة أطوارٌ غنائيةٌ أخرى مثل الصُبي والمجراوي والسوكاوي.
منذ آلاف السنين حتّى العصر الحديث، امتدت الموسيقى وعلا صوت الغناء واتّسعَت مساحات الفنون بالرفض والثورات، بالصمود والتضحية تشكّلت هُوية المدينة، تشرّبها أهلها وعُرِفتْ بها، لكن هنالك من لم يعجبه ذلك، فأخرج مِبْضَعه وراح يُشرّحها محاولاً حذف شيء أصيل من هوية هذه الأرض، ليعيد تشكيلها مثلما يريد، ويرغم من عليها على لون واحد وصوت واحد وإيقاع واحد، مستغلاً ما تعيشه المدينة وأهلها من تحديات تلو التحديات، وهذا ما سهّل مهمّته وفسح مجالاً للتطرّف والانقسام الشرس.
على كلّ حال تمّ الحفل، واجتمع الناس حول منصة تضجّ بالأغاني والموسيقى التي قدّمها محمد عبد الجبار، وعاشوا لحظة طبيعية في الحياة كان يُفترض أن تبقى طبيعية، لا أن تصبح حدثاً يثير جدالاً. لكنّ اكتمال الحفل لا يعني أن الطريق بات مفتوحاً للغناء والموسيقى؛ فالمشهد قابل للتكرار، وقد يعقبه منعٌ آخر، على هذه الأرض التي كانت حتى أغانيها تسقي العطاش: “للناصرية، تعطش وأشربك ماي، باثنين أدية”، لكنها اليوم أرضٌ يتناهبها العطش والخراب من كل جهة، يجفّ ماؤها، وتتراجع مواردها، ويثقل ناسها بتحديات لا تُعدّ، ومع ذلك لا يجد بعض متطرفيها ومسؤوليها سوى الجزء الأعمق في هويتها -الموسيقى والغناء- ليجعلوه موضع نزاع وجدال وتحريم، في محاولة لمنع الصوت الذي ظلّ قروناً ينهض بالناس ويواسيهم ويشدّ أزرهم.
المزيد عن آراء
آراء
آراء, تحليل","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":31589}" data-page="1" data-max-pages="2" data-start="1" data-end="1">







