تكشف التجربة الديمقراطية في العراق منذ عام 2005، بما في ذلك إقليم كردستان، عن إشكالية جوهرية في النظام الديمقراطي، المبني حصرا على ركن الانتخابات، تتمثل في الاعتماد على معيار الكمّ بدلاً من معيار الأهلية والجدارة والجودة، أي التمثيل الرقمي بدل النوعي.
إنها ديمقراطية تركز على الكمّ وحده وليس النوع، حيث أفرزت الانتخابات النيابية والمحلية المتعاقبة برلمانات ومجالس محلية لا تعكس بالضرورة الكفاءات الحقيقية، بل تعكس قدرة المرشحين على حشد الأصوات عبر آليات متعددة، كالولاءات العشائرية والمناطقية التي تتجاوز معايير الأهلية، والقوة المالية للحملات الانتخابية وشراء الأصوات، والخطاب الطائفي والقومي الذي يستغل المشاعر بدلاً من تقديم البرامج، إضافة إلى الدعاية الإعلامية المكثفة التي تُخفي غياب الإنجاز الحقيقي.
المشكلة ليست في الديمقراطية كمبدأ، بل في كيفية تطبيقها. نحن نطبق ديمقراطية الكمّ الخالص: من يحشد أصوات أكثر يفوز، بغض النظر عن جدارته أو نزاهته أو حتى قدرته على القراءة والكتابة أحياناً. فالديمقراطية الحقيقية لا تقتصر على إسقاط ورقة في صندوق، بل تشمل وعياً سياسياً لدى الناخب، وشفافية في العملية الانتخابية، ومحاسبة للمنتخبين على أدائهم، ومعايير واضحة لترشح من يتولون المناصب العامة.
نشهد اليوم صعود نواب ومسؤولين محليين يفتقرون إلى الرؤية والخبرة والنزاهة اللازمة لإدارة شؤون البلاد، فيما يُهمّش أصحاب الاقتدار الحقيقي لعجزهم عن مجاراة آليات التعبئة الجماهيرية والمنافسة في سوق المال والدعاية السياسية.
وتجسّد الانتخابات النيابية العراقية الأخيرة هذا الواقع بوضوح، إذ فاز العديد من النواب الكرد الذين يفتقرون إلى الخبرة السياسية الكافية لموقع تشريعي حساس كالبرلمان، ولا يجيدون اللغة العربية رغم كونها اللغة الرسمية الأولى إلى جانب الكردية وهي لغة النقاشات المحتدمة في بغداد.
هذا الخلل مقصود من طرفين: أحزاب رشّحت أشخاصاً غير مؤهلين لأداء الدور النيابي، وبرلمان لا يوفر خدمات الترجمة لضمان تواصل الأعضاء بلغاتهم الرسمية، متجاهلاً بذلك القيمة الدستورية للغة الكردية كلغة رسمية ثانية.
والسؤال المشروع هنا: لماذا لا يُخصَّص مترجمون للكردية في البرلمان أسوة ببرلمانات الدول الفيدرالية متعددة القوميات كسويسرا؟
ولأروي لكم مثالين على هذه المشكلة: في إحدى الدورات السابقة للبرلمان العراقي، فاز مرشح بمقعد نيابي وهو لا يجيد اللغة العربية إطلاقاً. سأله أصدقاؤه: كيف ستذهب إلى بغداد وأنت لا تفهم شيئاً من اللغة العربية؟ أجاب النائب جواباً مضحكاً: لا توجد أية مشكلة، لأن النواب العرب أيضاً لا يجيدون اللغة الكردية!
أما المثال الثاني، فإحدى المرشحات الفائزات في الانتخابات الأخيرة عن قائمة معارضة في الإقليم أعلنت مؤخراً، في ردها على سؤال شاب عبر منصتها على وسائل التواصل الاجتماعي، أنها لا تجيد اللغة العربية، ما يعني أنها لا تفهم ما يدور في جلسات البرلمان. وأضافت أنها ستستعين بالذكاء الاصطناعي لصياغة المشاريع القانونية. يكشف هذا عن جهل صارخ، ويعني ببساطة أنها لن تقدم شيئاً، لا للشعب ولا للناخب ولا حتى لحزبها.
لقد شاهدنا المسرحية نفسها تتكرر في كل دورة انتخابية: وعود براقة، دعاية مكثفة، استغلال للعواطف، ثم لا شيء. البرلمان العراقي، ومجالس المحافظات، وبرلمان كردستان، جميعها أفرزتها صناديق الاقتراع، لكن كم منها حقق ما وُعد به الناخب؟
النتيجة أمام أعيننا جميعاً: تلكؤ واضح في مستوى الخدمات العامة، وعدم السيطرة على ظاهرة الفساد في مفاصل الدولة، وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، إضافة إلى فجوة متزايدة من عدم الثقة تفصل المواطن عن المؤسسات التي انتخبها.
هنا يُطرح السؤال الصعب: أتتساوى قيمة صوت المواطن الواعي، المطلع، المتابع للشأن العام، مع صوت من يبيع صوته بخمسين ألف دينار أو من يصوت لأقرب عشيرة أو طائفة دون أدنى اعتبار للجدارة؟
هذا سؤال قاسٍ، لكنه ضروري. وهو يفتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة المساواة في النظام الديمقراطي: هل المساواة تعني تساوي الأصوات عددياً فقط، أم يجب أن تشمل تساوي المسؤولية في اتخاذ القرار؟ وهل من حق المجتمع أن يضع معايير للمشاركة السياسية الواعية؟
لا يعني هذا رفض الديمقراطية كمبدأ، بل يؤشر عيباً في العملية الانتخابية يحتاج الى اصلاح يضمن موازنة أفضل بين الشرعية العددية والجدارة النوعية. لا نقول بإلغائها، بل بترشيدها، بإضافة معايير جودة إلى معايير الكمّ، بجعل العملية الانتخابية مسؤولية وطنية لا مجرد طقس روتيني كل أربع سنوات.
وإذا انتقلنا من التشخيص إلى الحلول، فإن ذلك يتطلب بناء مؤسسات دولة، تقوم بدورها في رفع الوعي الانتخابي عبر برامج تثقيفية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، إلى جانب تشديد معايير الترشح بما يضمن توافر شهادات وخبرات عملية وسجل نظيف من الفساد، مع تحقيق الشفافية المالية من خلال كشف مصادر تمويل الحملات وحظر شراء الأصوات بقوانين صارمة.
الى جانب تفعيل المحاسبة الفعلية بمحاكمة من يثبت فساده أو فشله في أداء واجباته، وتمكين وسائل الإعلام المستقلة من كشف سجلات المرشحين وفضح الممارسات الفاسدة، فضلاً عن اعتماد نظام انتخابي مختلط يجمع بين التمثيل الجغرافي وتمثيل الكفاءات التخصصية، وتعزيز دور المجتمع المدني عبر منظمات المراقبة المستقلة ومؤسسات الرقابة الشعبية.
التجربة العراقية تقدم درساً مهماً للديمقراطيات الناشئة: الديمقراطية الشكلية لا تكفي. صناديق الاقتراع وحدها لا تصنع دولة ناجحة، بل نحتاج إلى ثقافة ديمقراطية حقيقية، ووعي سياسي لدى المواطنين، ومؤسسات قوية تحمي العملية من الفساد، وقوانين صارمة تضمن النزاهة.
الديمقراطية ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. وحين تتحول إلى لعبة أرقام بلا معنى، تفقد جوهرها وتصبح مجرد واجهة لإعادة إنتاج الفشل والفساد. ولعل هذه التفاصيل تشكل السبب الرئيسي لفشل ديمقراطيتنا في إنتاج الكفاءات وتحقيق التطلعات المأمولة.
السؤال الذي يبقى مطروحاً: هل نملك الشجاعة لإصلاح ديمقراطيتنا، أم سنستمر في تكرار المسرحية نفسها كل أربع سنوات؟ الإجابة تحدد مصير أجيالنا القادمة.