لم تفرز انتخابات 11 تشرين الثاني نوفمبر، أية مفاجآت أو تغييرات لافتة في المشهد السياسي العراقي، مع السيطرة الكاملة لقوى الاطار التنسيقي على مفاصل السلطة واستغلالها لموارد الدولة، في ظل غياب التيار الصدري، وفشل القوى المدنية في اقناع المقاطعين بإمكانية تحقيق التغيير عبر صناديق الاقتراع، فقد بقيت نسبة المقاطعين كبيرة وتصل الى 60% من مجموع المؤهلين للتصويت.
حصلت قوى الاطار التنسيقي، وهي ائتلاف يضم القوى الشيعية الحاكمة، بأركانها الأساسية ونواتها الصلبة، على أكثر من 140 مقعدا من أصل 329 يضمها البرلمان العراقي، وهذا الرقم الكبير يرتفع الى نحو 190 اذا تم احتساب القوى القريبة من الائتلاف.
بينما حصلت القوى السنية مجتمعة على نحو 80 مقعدا، والقوى الكردية المختلفة على نحو 60 مقعدا. لا تشكل بمجموعها ما يوازي رقم الفريق الآخر، ولا يمكنها أن تفعل شيئا اذا بقيت مفككة، لكنها ان توحدت في مواقفها فيمكنها فرض بعض مطالبها وتعطيل تشكيل الحكومة بما تملكه من ثلث معطل.
على الرغم من كل شيء فالأرقام تخبرنا بحقائق واضحة، يفترض بالقوى التي تشكل المكونين السني والكردي، كما القوى المعارضة للعملية الانتخابية برمتها، التعامل معها بفهم عميق بعيدا عن لغة الشعارات والأحلام وأوهام الانقلابات القادمة.
ائتلاف الاطار التنسيقي الذي اعلن عن تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر ومضيه في اختيار رئيس الوزراء المقبل صاحب الصلاحيات الأكبر في البلاد، ليس قويا كما يبدو عليه، او على الأقل ليس قويا بما يكفي لفرض كامل أجندته السياسية، فالإئتلاف لديه رؤوس متعددة بينها صراعات تقودها مطامح شخصية ليس بينها مصلحة المكون الشيعي الذي تعاني مدنه من تردي في الخدمات ومعدلات فقر وبطالة مرتفعة.
كما ان هذا الائتلاف محاصر بوضع اقتصادي عراقي حرج، بمعدلات دين عالية، ومطالب أمريكية صعبة، وتقلبات اقليمية معقدة، وفساد فساد فساد، في حلقات مستحكمة مدمرة ذاتيا.
في وقت البلد فيه بحاجة الى اعادة بناء الدولة – المؤسسات – السلطة- وتقليص نفوذ الفصائل او بالحد الأدنى إقناعها بوضع سلاحها جانبا والانخراط أكثر في العمل السياسي الذي يصب ربما في مصلحتها من جهة ابقائها بالسلطة وحفظ امتيازاتها، بدل دفعها للمواجهة المهلكة.
هذا الواقع، وفق قواعد اللعبة السياسية، كان يجب أن يستثمره المكونان السني والكردي، في اعادة بناء الدولة، بمنظور منفتح متفهم مدرك للتحديات والمخاطر والفرص، هو غير منظور بعض قوى الاطار التي تحمل السلاح. مفهوم جامع يركز على التوازن والتشارك.
لكن المشكلة في ان قوى المكونين (الكردي والسني) في حالة صراع داخلي، بدل ان يكونا في حالة تفاهم عميق لتشكيل جبهة توازن واعادة بناء داخل البلد الذي يظل مهددا بأزمات كبرى رغم مؤشرات الاستقرار السياسي.
في وقت يحتاج المكون السني الى توحيد صفوفه، نجده مقسما الى حد كبير بين فريقين رئيسيين متصارعين على المغانم، لا على مصلحة المكون واعادة بناء الدولة وخلق التوازنات مع الأخر المختلف.
وفي وقت يحتاج المكون الكردي الى توحيد صفوفه أكثر من أي وقت مضى لتثبيت مطالبه والتذكير بحقوقه الدستورية، نجده مقسما الى ثلاث جبهات مختلفة. وهذا الانقسام عطل منذ سنة تشكيل حكومة الاقليم بعد انتخابات اكتوبر 2024، وهو يعطل البرلمان منذ نحو ثلاث سنوات، ويعطل تشكيل اي تحالف كردي يفضي لاتفاق على استراتيجية عمل موحدة في بغداد. وادى في السابق الى اختيار رئيس كردي ضعيف وجوده كعدمه رغم أهمية موقعه، والى الاضرار بمكانة أربيل كقوة لا يمكن تجاوزها في تشكيل الحكومات.
ليس هذا فحسب
بل اكبر حزب سني (تقدم- الحلبوسي) الذي حصل على 35 مقعدا، تشكل نحو نصف مقاعد السنة، على خلاف مع اكبر حزب كردي (الديمقراطي- بارزاني) الذي حصل على 27 مقعدا تشكل أيضا نحو نصف مقاعد القوى الكردية.
وهذا يؤشر حجم الفشل المرتقب في اعادة البناء والتوازن، بل حتى التوافق وطبعا الشراكة التي ستكون في مهب الريح.
للتذكير، الخلاف الكردي السني، غيب رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي عن مؤتمر السلام والأمن في الشرق الأوسط (MEPS) الذي يعقد في دهوك.
والخلاف الكردي الكردي غيب رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني عن المؤتمر ذاته.
اذا كانت المؤتمرات الحوارية لا تجمعهم، واللقاءات الثنائية غائبة رغم الحاجة الماسة اليها.
فما المشهد المتوقع لتشكيل الحكومة الجديدة في بغداد.
غير مشهد قطار اطاري، يقفز الى أحد عرباته المكونين السني والكردي.
التحاق سيكون أكيد بالعربات الخلفية للقطار.
وحينها تماما سينسى اقوى حزبين (كردي) و(سني) نشوة الأصوات المليونية والمقاعد الكثيرة، والانتصار الوهمي على أحزاب مكونيهما.