تقارير سردية: تشكل 30% من مرشحيها.. القوائم الكبرى تستعين بمتنفذين في السلطة وشيوخ عشائر في “معركة” الحفاظ على مواقعها

تشكل 30% من مرشحيها.. القوائم الكبرى تستعين بمتنفذين في السلطة وشيوخ عشائر في “معركة” الحفاظ على مواقعها

تظهر قوائم مرشحي التحالفات الكبرى، ضمها لنسبة عالية من المسؤولين التنفيذيين والتشريعين، فاكثر من 30% من مرشّحي قائمتي (دولة القانون) و(التنمية والإعمار) في محافظة ذي قار، ينتمون إلى هذه الفئة الى جانب شيوخ العشائر، ما يثير أسئلة جوهرية بشأن مدى الفصل بين "السلطة والسباق الانتخابي"، في ظل "الاتهامات الموثقة" باستغلال موارد الدولة والإمكانات الحكومية في كسب الأصوات وشراء الولاءات السياسية.

قبل أيام من موعد الاقتراع النيابي، تحتدم المنافسة بين كبرى القوائم الشيعية في جنوب البلاد، وبشكل خاص في أكبر محافظتين، البصرة (25 مقعدا) وذي قار (19 مقعدا) بسبب ثقلهما الانتخابي ومواردهما المالية، ومع ترشح عدد كبير من المسؤولين التنفذيين الطامحين لدعم مواقعهم الحكومية بمقاعد برلمانية وحضور سياسي أكبر.

على رصيف شارع يؤدي إلى مركز مدينة الناصرية التي تُعد واحدة من أكثر الساحات الانتخابية سخونة، حيث تتراصف صور ولافتات عشرات المرشحين للانتخابات البرلمانية التي ستجري في 11 تشرين الثاني/نوفمبر، أوقف الشاب علي نعمة (27 سنة) رفيقيه، وطلب منهما أن يعددا وجوه المسؤولين والسياسيين الذين يعرفونهم.

أخذ أحدهما يعد موجها سبابته للوجوه “من بين هذه اللافتات أعرف خمسة مسؤولين”، قال الآخر:”أنا أعرف ستة”. تبادل الثلاثة النظرات بينما ارتسمت على وجه “علي”، ابتسامة صغيرة وهو يردد:”كل الناصرية تعرفهم، وسمعت بصفقات فساهم، لكنهم يصرون على الترشح”.

يمسك علي، بذراعي رفيقيه ويواصل الحديث:”بعد كل ما شهدته المدينة من أزمات، هؤلاء يطلون علينا وهم يبتسمون ويطلبون منا دعمهم .. مسؤولون ونواب وشيوخ، كذبوا علينا طوال ثلاث سنوات ويريدون مواصلة الكذب وبذات الوعود والشعارات”.

ويخوض عدد كبير من المسؤولين الحاليين والسابقين، السباق الانتخابي في ذي قار كما البصرة من خلال قوائم التحالفات الكبيرة، وهو ما يثير القلق بشأن امكانية استغلال سلطة الدولة لصالحهم، وبالتالي التأثير على نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المرشحين، ولاسيّما بين أصحاب النفوذ الحكومي من جهة، والمستقلين والشباب من جهة أخرى.

تظهر قوائم مرشحي التحالفات الكبرى، ضمها لنسبة عالية من المسؤولين التنفيذيين والتشريعين، فاكثر من 30% من مرشّحي قائمتي (دولة القانون) و(التنمية والإعمار)، وهما الأبرز في محافظة ذي قار، ينتمون إلى هذه الفئة الى جانب شيوخ العشائر، ما يثير أسئلة جوهرية بشأن مدى الفصل بين “السلطة والسباق الانتخابي”، خصوصا في ظل “الاتهامات الموثقة” باستغلال موارد الدولة والإمكانات الحكومية في كسب الأصوات وشراء الولاءات السياسية.

مرشحون من فئة السلطة!

تُعدّ ذي قار، رابع أكبر محافظة عراقية من حيث عدد السكان، يتنافس فيها 569 مرشحا، من بينهم 153 امرأة، للفوز بـ 19 مقعدا برلمانيا تمثل حصة المحافظة في مجلس النواب المقبل، بحسب مدير مكتب انتخابات ذي قار فلاح الموسوي.

ويرى البعض هناك، أن دخول شخصيات تمتلك نفوذا تنفيذيا أو تشريعيا إلى السباق الانتخابي يمنحهم امتيازات غير متاحة لغيرهم من المرشحين، خصوصا المستقلين والشباب. ويتساءلون عن وجه العدالة في أن يترشح للإنتخابات عضو مجلس محافظة او نائب سابق أو موظف كبير أو ضابط سابق ذي نفوذ في مؤسسات الدولة، يسهل عليه التحشيد وحتى استغلال موقعه، مقابل مرشح شاب بلا مال او نفوذّ.

يقول الناشط المدني، حيدر علي، عن ذلك: “التنافس غير متكافئ ولا يعطي فرصة حقيقية لبيان ايهما الأفضل والأكفأ لإدارة المنصب التشريعي”. ويقر بأن حاجة الناس هي التي تدفعهم نحو المسؤولين المتنفذين في الدولة من اجل قضاء حوائجهم وتلبية مطالبهم.

Photo 2025 11 07 19 31 48

ويضيف:”مواطنون يرون أن في هذه الأيام فرصة للحصول على مكافأة مالية او تعبيد طريق او تسهيل معاملة نقل من دائرة الى اخرى، من المرشحين اصحاب النفوذ والمال السياسي. وفي المقابل المرشحون الذين لايملكون شيئا من المال والنفوذ، غير قادرين على الحركة، والأضواء تكون محدودة عليهم”.

ويشير مراقبون في شبكات الرصد الانتخابي، إلى أن بعض المرشحين للانتخابات هم من “فئة السلطة” وما زالوا يشغلون مناصب حكومية فعالة، ما يثير الشكوك بشأن استخدام نفوذهم للتأثير على الناخبين أو توجيه الموظفين والموارد نحو خدمة حملاتهم، وهو ما يُعدّ خرقا واضحا لقانون الانتخابات الذي يمنع استخدام موارد الدولة لأغراض سياسية أو دعائية.

وينص قرار مجلس المفوضين رقم 10 للمحضر الاستثنائي 62 المؤرخ في 18-9-2025 على عدم جواز استغلال النفوذ الوظيفي من قبل موظفي الدولة والسلطات المحلية للترويج لصالح انفسهم او لمرشحين بعينهم بما في ذلك الاجهزة الأمنية والعسكرية.

ويعد من قبيل الاستغلال الوظيفي خلال فترة العملية الانتخابية، منح كتب الشكر والتقدير أو قطع الأراضي السكنية كجزء من الوعود الانتخابية، واصدار أوامر تعيينات في مؤسسات الدولة ودوائرها واستخدام امكانيات الدولة المادية والبشرية بأنواعها لأغراض انتخابية.

Unnamed

د.علي العتابي، من مركز البوصلة للدراسات والحوار، يرى بأن دخول المسؤولين الحاليين والسابقين في العملية الانتخابية “يعكس رغبة واضحة في استمرار النفوذ أو استعادته”، ويلفت إلى أن العُرف السائد في العراق هو “توجه المسؤول بعد انتهاء خدمته إلى خوض الانتخابات بحثا عن موقع جديد داخل السلطة”.

ويضيف بأن العملية الانتخابية “حق ديمقراطي مشروع للجميع” لكنه يحذر من أن استخدام بعض المسؤولين لنفوذهم أو موارد الدولة في الدعاية الانتخابية “يشكل خرقا صريحا للقانون والعرف”.

ويقول أيضاً ان “استخدام السلطة والنفوذ وموارد الدولة لإستقطاب الجمهور باتجاه مسؤول مرشح، لانتخابه وهو موجود في منصبه الوظيفي، يعد خرقا انتخابيا وقانونيا وشرعيا وعرفيا”.

ويصف تكتل عدد من كبار المسؤولين داخل قوائم معينة، خاصة تلك التي تقودها شخصيات نافذة في الدولة بأنها “عملية تخادم سياسي”، إذ “تجري عملية تبادل المصالح بين القيادات العليا والمسؤولين المحليين لاستثمار مواقعهم في كسب التأييد الجماهيري”.

ويستدرك:”هذا النمط من التحالفات لا يُرسّخ التنافس الديمقراطي، بل يعيد إنتاج النفوذ نفسه بأدوات انتخابية”، لذلك هو دعا إلى رقابة صارمة لمنع استغلال موارد الدولة وضمان عدالة السباق الانتخابي.

Photo 2025 11 07 19 31 47

عضو مجلس النواب والمرشح عن ائتلاف دولة القانون في ذي قار حسن وريوش الأسدي، يعتقد بأن القانون الانتخابي الحالي “بحاجة ماسة إلى تعديل يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين”. ويشير إلى أن المشكلة لا تقتصر على النواب فقط بل تمتد لتشمل “مرشحين من مختلف المستويات، من رئيس الوزراء والمحافظين إلى المدراء العامين والوكلاء وأعضاء المجالس المحلية”.

القانون بحاجة الى تعديل

وذكر أن احدى فقرات التعديل التي كانت مطروحة في مجلس النواب الذي لم يأخذ دوره للتصويت تنص على “تقديم الشخصيات المسؤولة التي تريد الترشح للمنافسة، استقالتها قبل الانتخابات بستة اشهر ويتم اشغال شخصيات اخرى محلها وهم البدلاء. ولكن للأسف لم يتم تعديل القانون”.

كما تحدث عن تأييده لإدخال تعديلات إضافية على القانون، أبرزها اشتراط أن “لا تقل خدمة المرشح في المؤسسات الحكومية عن 25 سنة لضمان الكفاءة والخبرة في العمل التشريعي، وتقليص عدد المرشحين في القوائم الانتخابية بحيث يتوافق مع عدد المقاعد المخصصة لكل محافظة، ما يرفع مستوى التنافس بين الشخصيات الكفوءة ويمنع التشتت الانتخابي”.

المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أكدت تسجيلها عددا من الخروقات الدعائية في محافظة ذي قار ارتكبها بعض المرشحين الذين خالفوا الضوابط والتعليمات الخاصة بالحملات الانتخابية. وجاءت المخالفات من شخصيات نافذة في الدولة.

وأوضحت المفوضية أن المخالفات جاءت وفق المادة 2/ ثانيا والمادة 1 من نظام الحملات الإنتخابية رقم 4 لسنة 2025، وأنها اتخذت الإجراءات اللازمة بفرض غرامات مالية بحق المخالفين، ومن بينهم وزير النقل الحالي رزاق محيبس، ومستشار رئيس الوزراء عبد الأمير تعيبان، وعضو مجلس النواب غزان المنشد، وعضو مجلس محافظة ذي قار أحمد غني الخفاجي.

33

وشددت المفوضية على أن هذه الإجراءات تأتي في إطار حرصها على ضمان نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين جميع المرشحين، مؤكدةً أنها تواصل رصد الحملات في مختلف مناطق المحافظة لمنع أي تجاوزات قد تمسّ العدالة الانتخابية.

يرى عضو مجلس النواب قسطل آل عجيل الحجامي، المرشح ضمن قائمة تحالف قوى الدولة الوطنية، أن غياب “تكافؤ الفرص” بين المرشحين لا يرتبط فقط بامتلاك السلطة أو النفوذ، بل يتجاوز ذلك إلى “حجم الأموال الضخمة التي تُنفق في الحملات الانتخابية، وإلى استغلال بعض المرشحين لعناوين وشعارات ذات رمزية تمسّ مشاعر المواطنين وتؤثر في وعيهم الانتخابي”.

ويضيف:”الكل يجمع على ان هذه الانتخابات هي أخطر انتخابات على المستوى المادي”، نظرا لما تشهده الساحة من إنفاق غير مسبوق في الدعاية وشراء الولاءات، ما يجعل المال السياسي عاملا حاسما في التأثير على إرادة الناخبين ونتائج الاقتراع، وفقاً لتعبيره.

قوائم المتنفذين الانتخابية

تشهد القوائم السياسية الكبرى في الانتخابات البرلمانية المقبلة على مستوى ذي قار تنافسا محتدما حيث يجتمع فيها خليط من المتنفذين قوامه نواب حاليون وسابقون ومستشارون وقادة أمنيون وأكاديميون وشيوخ عشائر، مقابل شخصيات مستقلة وشباب وسياسيون كانوا جزءا من احتجاجات تشرين 2019، في مشهد يعكس ثراء التنوّع السياسي والاجتماعي في المحافظة.

ويقدّم ائتلاف دولة القانون نموذجا واضحا لاستثمار شبكة السلطة والخبرة التنفيذية داخل المحافظات فقائمته في ذي قار، التي تضم 36 مرشحا تحتوي على 12 شخصية نافذة بين نواب حاليين وسابقين ومستشارين أمنيين وإداريين أبرزهم النواب حسين نعمة البطاط وعارف الحمامي وحسن وريوش الأسدي، إلى جانب شخصيات تشريعية وتنفيذية سابقة مثل كاطع الركابي وضياء الدين الناصري مستشار رئيس الوزراء الحالي.

وتمتد جذور هذا الائتلاف في ذي قار، إلى المؤسسات الأمنية والإدارية، ما يمنحه ثِقلا تنظيميا وقدرة على الحشد الرسمي، لكن هذا التنوّع يطرح تساؤلا بشأن مدى تجديد الخطاب الانتخابي وتطوير الأداء النيابي، إذ تبدو القائمة أقرب إلى استمرار المنظومة منها إلى التجديد السياسي.

ويقدم ائتلاف الإعمار والتنمية، 38 مرشحا من بينهم 14 اسماً معروفا في المشهد السياسي والعشائري والأكاديمي، من أبرزهم النائب كاظم جرو الطوكي، والشيخ عبد الهادي موحان السعداوي، والنائبة السابقة زينب وحيد الخزرجي، والمستشار لرئيس الوزراء الحالي ناصر تركي.

والشيخ حسين ماجد فايز والنائب فلاح حسن الهلالي، والأستاذة الجامعية رجاء صبار الشريفي والمستشار لرئيس الوزراء الحالي عبد الأمير حسن تعيبان، ومعاون محافظ ذي قار محمد خالد، والشيخ لؤي جواد بهلول، والنائب السابق شاكر دشر وقائد شرطة ذي قار الاسبق الفريق المتقاعد ريسان كاصد الإبراهيمي، والنائب الأسبق هلال السهلاني، ورئيس مجلس ذي قار الأسبق يحيى عطية الناصري، ورئيس جامعة ذي قار السابق الدكتور يحيى عبد الرضا الخفاجي.

وفي تحالف قوى الدولة الوطنية الذي يضم 38 مرشحا، هنالك بينهم شخصيات تنفيذية وتشريعية معروفة أبرزهم محافظ ذي قار الحالي مرتضى عبود الإبراهيمي، والنائب السابق أسعد ياسين، والنائب قسطل أبو طالب آل عجيل، وعضو مجلس ذي قار الحالي كوثر منصور الصرايفي.

اما تحالف الخدمات فيشارك بـ 38 مرشحا أيضا بينهم أسماء ذات ثقل محلي مثل النائبة علا عودة لايذ (شقيقة رئيس مجلس ذي قار الحالي عزة الناشي)، والشيخ حاتم رياض ثجيل، والنائبة هيفاء حسين الجابري، ومدير كهرباء شمال الناصرية السابق نعيم ياسر.

وفي قائمة منظمة بدر التي تضم 38 مرشحا أبرزهم وزير النقل الحالي رزاق محيبس، والمدير الاسبق للدفاع المدني في المحافظة، والذي شغل مسؤوليات في الداخلية، الفريق المتقاعد كريم سرحان السعيدي، ومدير مكتب حقوق الإنسان السابق داخل عبد الحسين.

اما حركة صادقون فتتنافس بـ 37 مرشحا بينهم النائب الحالي عادل حاشوش، والشيخ حسام فهد الشرشاب (عن عشيرة البدور) ونائب المحافظ السابق أباذر فليح العمر، والنائبة السابقة نوال جمعة وعضو مجلس ذي قار السابق حسين سند.

رئيس تحالف البديل حسين الغرابي، يقول بأن بعض الأحزاب والكتل السياسية التي تضم في صفوفها مسؤولين ونوابا وشيوخ عشائر:”تعوّل على نفوذها المالي والإداري في كسب أصوات الناخبين، معتقدة أن الناس ستتجه تلقائيا نحو من يمتلك المال السياسي والسلطة والأدوات القادرة على تنفيذ المشاريع والخدمات”.

ويعتقد الغرابي، بأن أخطر أشكال التجاوزات الانتخابية القائمة حالياً هي تلك التي تُمارَس عبر ما يصفه بـ” تزوير إرادة الناخب العراقي”، ويوضح أن “تقديم بطاقات الماستر الخاصة برواتب الحماية الاجتماعية أو الوعود بالتعيين أو تعبيد الطرق في أوقات الحملة الانتخابية يمثل شراءً صريحا لإرادة المواطن”.

والمفارقة حسب قوله، ان هذا السلوك يكشف أن الناخب “محروم من أبسط الخدمات طوال السنوات الماضية، ولا تُقدَّم له إلا في اللحظات الأخيرة قبيل الاقتراع”، وهو ما يعده الغرابي “انتهاكا وتزويرا يهدد جوهر العملية الديمقراطية”.

وقد اعتقلت السلطات الأمنية بالفعل عشرات الأشخاص المتهمين بشراء أو جمع بطاقات الناخبين، وتمت مصادرة أكثر من 1800 بطاقة في عمليات منسقة في عدة محافظات في أوائل أكتوبر/تشرين الأول2025.

فرص المرشحين المستقلين

وصفي طاهر الإبراهيمي، المرشح عن قائمة إشراق كانون، يقول بأن وجود شخصيات رسمية ومسؤولين حكوميين ضمن القوائم الانتخابية الأخرى يضع المرشحين المستقلين في موقف صعب، ويوضح إن “استغلال المناصب والنفوذ في مثل هذه الظروف يؤثر بشكل مباشر على فرص المنافسة العادلة”.

ويضيف “نحن كمرشحين مستقلين لا نمتلك اي مناصب ولا أي نفوذ حكومي وبالتالي فأن المال السياسي والمناصب لهما دور في قضاء حوائج الناس وأن المواطنين غالبا ما يميلون إلى من يستطيع تلبية احتياجاتهم اليومية بصفته الرسمية، وهذا يضعف حظوظ المرشحين المستقلين رغم حضورهم بين الناس”.

ويذكر الإبراهيمي، بأن تكاليف حملته الانتخابية حتى الآن بلغت نحو ستة ملايين دينار فقط، مؤكدا أنها من ميزانيته الخاصة بالكامل دون أي دعم من جهات سياسية أو حكومية. وهو يقارن بذلك بين ما أنفقه هو من مبلغ بسيط، وبين ما ينفقه المرشحون من أصحاب المال السياسي من مبالغ تقدر في بعض الأحيان بملايين الدولارات.

مشكلة في التنظيمات الحزبية

ينبه أحمد الموسوي، وهو رئيس جمعية العلوم السياسية في ذي قار، الى بعد آخر يحمله ترشيح شخصيات من خارج الدائرة التنظيمية للأحزاب النافذة، فيرى أن ذلك التوجه يشير الى ان الأحزاب السياسية “تعاني من ضعف واضح في قدرتها على إنتاج كوادر جديدة من داخل بنيتها التنظيمية”.

كما يكشف اللجوء الى ذلك الخليط غير المتجانس من المرشحين لمجرد كسب الأصوات، الى غياب البرامج الانتخابية المبنية على دراسة دقيقة للواقع، والتي تتبنى أفكار محددة ورؤى حقيقية، يؤمن بها ويقودها فريق متجانس من المرشحين.

ويقول بأن معظمها بات يعتمد على استقطاب شخصيات من خارج إطارها الحزبي – سواء عبر العلاقات الشخصية أو التواصل مع الفعاليات الاجتماعية والعشائرية والأكاديمية وحتى النسوية – بهدف ترشيحهم في الانتخابات وكسب أصوات الناخبين من خلالهم.

ويرى بأن هذا السلوك يعكس عجز الأحزاب عن إعداد قيادات شبابية يمكن أن تعبّر عن فكرها وبرامجها، إذ لم تعد الأحزاب سواء التقليدية منها أو الناشئة تبحث عن الوجوه المؤمنة بمبادئها، بل عن الشخصيات التي تمتلك قاعدة جماهيرية لغرض كسب الأصوات.

بالتالي أصبحت الأحزاب السياسية التقليدية كما الأحزاب الناشئة، تبحث عن “الصوت وليس عن البرامج الانتخابية وهذا يؤشر تدهوراً خطيراً في اساسيات العملية الانتخابية”.

ويشدّد الموسوي على أن الناخب العراقي يفترض أن يختار ممثليه وفقا للبرامج والمواقف والسياسات والتعهدات التي يفترض ان تجد طريقها للتطبيق، لا بناءً على الانتماء العشائري أو الاجتماعي أو الحزبي الضيق، ويلفت إلى أن غياب هذا الوعي الانتخابي يجعل المنافسة غير عادلة ويعزز من استمرار الوجوه التقليدية.

ويعدد عاملين رئيسيين يقول بأنهما ما زالا يحددان نتائج الانتخابات في العراق، الأول “الامتداد العشائري والاجتماعي”، والثاني “المالي السياسي”، ولهذا “نجد بأن المسؤولين التنفيذين أو التشريعيين الذين خاضوا تجارب سابقة هم الأوفر حظا في الفوز من الوجوه الجديدة”.

مع اقتراب يوم الاقتراع، تبدو ذي قار أشبه بمرآة تعكس ملامح المشهد الانتخابي العراقي الذي هو خليط من النفوذ السياسي والعشائري وتنافس بين المال والضمير وبين الوجوه المجرَّبة وتطلعات الجيل الجديد الباحث عن فرصة في ساحة مزدحمة بالسلطة والولاءات.

يقول الباحث السياسي علي أحمد، ان الأصوات المطالبة بتكافؤ الفرص ووقف استغلال النفوذ في الأجهزة الادارية والأمنية -الذي تقوم به القوائم الكبيرة لتوجيه الناخبين باتجاه مرشحين محددين- لن تجد أحداً يسمعها، وهي “تحوّل صناديق الاقتراع إلى اختبار لنفوذ الدولة أكثر من كونها اختبار لإرادة الناخبين”.

ويضيف ان “انتخابات تجري وفق قانون يتغير في كل دورة، ووفق قواعد تخدم اللاعبين الكبار، ومع انعدام الرقابة على المال السياسي والاستغلال الفاضح لموارد الدولة، لن تشكل فرصة لاستعادة ثقة الشارع بالعملية الديمقراطية، بل ربما تزيد من الاحباط والشعود بالدوران في حلقة مفرغة”.

• أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية، ضمن مشروع “قريب”.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":31410}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">