

في ثاني أكبر المحافظات العراقية، نينوى، المختلطة مكوناتيا، يحتدم التنافس الانتخابي وتختلط أعلام وشعارات وصور زعماء الأحزاب والتحالفات وسط الشوارع الرئيسية والساحات. قوائم تمثلها “قوى عربية سنية، وكردية، وشيعية” الى جانب المرشحين الايزيديين والمسيحيين والتركمان والشبك، الباحثين عن مقاعد في البرلمان لتمثيل مكوناتهم في معركة غير متكافأة يتداخل فيها التحشيد القومي والديني والطائفي مع المال والسلطة والسلاح.
في شمالي المدينة، وتحديدا في حي التحرير، يتبادل الجاران، “علي” و “وليد” السلام، ويجلسان في مكان يطل على شارع واسع تعودا أن يتحدثا فيه عن كل شيء ما عدا السياسة، التزاما بتعهد قديم قطعاه على نفسيهما “خوفا من ان تفرقهما اختلاف التوجهات”.
هما موظفان متقاعدان، عاشا في بيتين متجاورين طوال 40 عاما، الأول شبكي ينحدر من قرى شرقي المدينة والثاني كردي من عشائر شمالي المحافظة. حافظا على تعهدهما، حتى مع تصاعد حمى المنافسة الانتخابية والحملات التي تعد الأكبر التي عرفتها المدينة. يرددان بوضوح “لا حديث في السياسة..هو صراع مصالح فئوية يقحمون فيه المكونات التي لا ناقة لهم فيه ولا جمل”.
تبلغ حصة نينوى ومركزها مدينة الموصل (405 كم شمال بغداد) من مقاعد مجلس النواب 34 مقعدا، ثلاثٌ منها مخصصة للكوتا (الايزيديين، الشبك، المسيحيين) يتنافس عليها في انتخابات 11 تشرين الثاني/نوفمبر، ثلاثة عشر مرشحاً، سبعة من الايزيديين، وأربعة من الشبك واثنان من المسيحيين.
واضافة إلى المكونات الثلاثة، هنالك الكرد يدخلون الانتخابات بقوائم خاصة، تضم كذلك مرشحين من الأقليات الأخرى الثلاث كذلك، والتركمان يدخلون بقوائم منفردة أو مع قوائم الأحزاب والتحالفات الكبيرة الشيعية والسنية، مع استحداث تحالف انتخابي جديد للإيزيديين يدخل بقائمة مستقلة وهو (تحالف القضية الايزيدية).
يصف مراقبون في شبكات الرصد الانتخابي، مشاركة الأقليات في الانتخابات البرلمانية الحالية بالاستثنائية، لأسباب عديدة، يوجزها الكاتب عادل كمال، بقوله انها “أول انتخابات تجري في نينوى دون وجود موانع أمنية أو مناطقية بسبب النزوح، تقف في طريق الأقليات أو في الأقل غالبيتهم، لو اخذنا بنظر الاعتبار عدم عودة قسم كبير من الايزيديين الى مناطقهم في سنجار”.
ويوضح:”في اول دورة برلمانية 2005، كانت الجماعات المسلحة تكفر المشاركين في الانتخابات وتستهدفهم بمن فيهم الأقليات، واستمر ذلك لغاية تحرير نينوى من سيطرة داعش منتصف 2017، وكان وقتها نصف السكان تقريبا بين نازح ومهاجر، ولم يعد غالبيتهم الا في السنوات الأربع المنصرمة باستثناء الايزيديين الذين يفضل جزء منهم البقاء في مناطق النزوح بأقليم كردستان”.
ويستدرك:”قد يكون الأمر مختلفا بعض الشيء بالنسبة للكرد، إذ طالما كان الحزبان الرئيسيان “الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني” يفرضان سيطرتهما على مناطق سهل نينوى وسنجار وزمار، بوصفها مناطق متنازع عليها بين الإقليم وبغداد، لكن تلك السيطرة انتهت في 2017، وحلت محل قوات البيشمركة الكردية، الجيش العراقي وفصائل مسلحة تابعة للحشد الشعبي”.
وبهذا، يعتقد عادل كمال، بأن مرشحي الكرد في نينوى، سيصعب عليهم حصد ذات عدد المقاعد البرلمانية في الدورات السابقة وأن “النفوذ الكردي المتقلص في نينوى، ستستفيد منه باقي مكونات المنطقة بما فيها الأقليات الدينية، لاسيما في سنجار وسهل نينوى”.
يبلغ سكان نينوى اكثر من أربعة مليون ونصف المليون نسمة، وتبلغ نسبة الاقليات ما بين 20% إلى 25% ويتركز وجود المسيحيين والشبك وقسم من الايزيديين في القسم الشرقي من نينوى المعروف بسهل نينوى والذي يضم أقضية الحمدانية والقوش وتلكيف.
أما القسم الأكبر من الايزيديين فيتركزون غربا في قضاء سنجار، وعلى مقربة منهم حيث قضاء تلعفر يتركز التركمان، في حين أن الكرد موزعون في الأجزاء الشمالية لنينوى فضلاً عن المتواجدين منهم في مدينة الموصل.
الشبك أقلية نافذة في نينوى!
بخلاف باقي الأقليات، يتواجد الشبك فقط في العراق، فلا وجود لهم في دولة أخرى كالايزيديين والتركمان على سبيل المثال، وتقدر اعدادهم بين 250 ألف الى 400 ألف نسمة، ويتركزون بالدرجة الأساس في مناطق سهل نينوى، موزعين على أكثر من 70 قرية، فضلا عن تواجدهم في الموصل مركز المحافظة.
يتحدث الشبك لغة خاصة بهم تدعى الشبكية، تقاليدهم وأزياؤهم عربية. نحو 60% منهم شيعة والبقية سنة. وقد حظوا بعد تحرير سهل نينوى من سيطرة داعش أواخر 2016 بدعم من الحكومة العراقية والأحزاب الشيعية النافذة في السلطة.
ووفقا للباحث والكاتب سلام عبد الله فائز، فان الشبك شكلوا فصائل مسلحة خاصة بهم تعرف باللواء 30 يتبع الحشد الشعبي الشيعي، وقد فرض سيطرته على مناطق سهل نينوى في 2017 ومنع أي شخص من خارج السهل ان يستغل او يتصرف بالعقارات هناك، استناداً إلى قرار من المحكمة الاتحادية منع بموجبه احداث تغيير ديمغرافي في المناطق التي تتواجد فيها الاقليات.
ويشير إلى ان الشيعة منهم بوجه الخصوص، استثمروا الدعم والنفوذ المقدم اليهم، للحصول وللمرة الأولى في تاريخهم على “مناصب إدارية مهمة في المؤسسات الحكومية الرسمية في محافظة نينوى ولاسيما رئاسة جامعة الموصل وبعض العمادات فيها، الى جانب العديد من الدوائر الخدمية فضلاً عن مستشار لرئاسة الوزراء وسفير للعراق في الخارج”.
ويرى سلام، بأن الشبك :”هم اكثر الأقليات حصولا على المكتسبات، ويريدون المحافظة عليها، عبر تجديد الثقة بالنائب وعد القدو، قائد اللواء 30 والمعروف بعلاقاته القوية بقادة الحشد الشعبي والأحزاب الشيعية الإسلامية، ومنظمة بدر على وجه الخصوص”.
الازدهار الشبكي، يؤكده محمد إبراهيم الشبكي، وهو مرشح عن منظمة بدر، في الانتخابات البرلمانية المقبلة، إذ يقول بأن “وضع الشبك بعد 2017، كما كل المكونات الأخرى أفضل”، ويقصد الفترة التي كان فيها إقليم كردستان مسيطرا على سهل نينوى.
ويضيف:”لم يكن للمكونات قرار، كان يؤتى على الدوام بشخص مفروض من اقليم كردستان” حسب تعبيره. ويقر بأن هنالك مرشحون شبك في الانتخابات ضمن قوائم أخرى (أي من غير الشيعة)، لكنه قلل من حظوظهم.
وتعتمد استراتيجية القوى الشيعية، داخل الاطار التنسيقي الحاكم، في انتخابات 11 تشرين الثاني/ نوفمبر على اشراك المرشحين الشبك الشيعة في القوائم الشيعية الكبيرة لحصد مقاعد تضاف الى مقعد الكوتا، وهي استراتيجية اعتمدت ايضا في انتخابات 2010 و2014 و2018″.
ومع المكتسبات المتحققة للشبك، لكن محمد إبراهيم الشبكي، يشتكي من عدم وجود “ولا حتى موظف واحد داخل ديوان محافظة نينوى، ولا أي مدير عام في المؤسسات الحكومية بالمحافظة”. وهو ما يرغب بتغييره مستقبلا.
صادق يونس (32 سنة) أسم مستعار اختاره لنفسه ناشط شبكي من سهل نينوى، تحدث عن حظوظ مكونه، قائلا ان مقعد الكوتا المخصص للشبك يتنافس عليه سبعة مرشحين، وسيذهب في الغالب الى “منظمة بدر”، مع احتمالية حصول الشبك على مقاعد ضمن القوائم الكبيرة في نينوى التي شكلتها قوى شيعية. في حين أن حظوظ الشبك السنة محدودة “منذ أن سيطر الحشد الشعبي على سهل نينوى” يضيف موضحا.
وانتقد توجه الشبك الشيعة للدخول في قوائم شيعية “تحت أجنحة الأحزاب والتحالفات الشيعية الكبيرة”، ويرى أنه كان من الأفضل للشبك “سواءً كانوا شيعة أم سنة، أن يتوحدوا في قائمة انتخابية واحدة يدخلون فيها الانتخابات بعيدا عن ولاءاتهم وخلفياتهم الطائفية”، لكن ذلك لم يتحقق أبداً بسبب تأثير قوائم القوى الكبيرة وتدخلاتها في الشأن الشبكي لضمان مصالحها السياسية.
المسيحيون بين الرحيل والبقاء
تقلص الوجود المسيحي بنحو لافت في مناطقهم التاريخية داخل سهل نينوى في بلدات قره قوش وبرطلة والقوش وتلكيف، وكذلك في مدينة الموصل، ولم يبق منهم وفق تقديرات غير رسمية سوى 125 ألفا بعد ان كانت اعدادهم تزيد عن نصف مليون نسمة قبل سقوط نظام حزب البعث في 2023.
لكوتا المسيحيين مقعد واحد، يتنافس عليه 19 مرشحا، مدعومين من قوى مختلفة، ويرجح ان حظوظ مرشح حزب بابليون أثير الجلو هي الأوفر، ولاسيما ان لهذا الحزب جناح عسكري يتمثل باللواء 50 الذي يسيطر على مناطق المسيحيين في سهل نينوى.
هذا اللواء يتزعمه ريان الكلداني، الذي وضعته وزارة الخزانة الأمريكية صيف 2019 مع ثلاثة شخصيات عراقية أخرى ضمن القائمة السوداء، لتُهم تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان وممارسات تنطوي على فساد. ويُتهم الكلداني أيضا بمنع آلاف من مواطني المحافظة من استغلال عقاراتهم في مناطق خاضعة لسلطة فصيله المسلح في سهل نينوى، مع فرض اتاوات على النشاطات الاقتصادية والعمرانية وسلب ممتلكات.
ممارسات هذا اللواء هي واحدة من بين أسباب عديدة أخرى تقف وراء رفض الكثير من المسيحيين النازحين الى مناطق أخرى داخل العراق أو المهاجرين خارجه للعودة إلى مناطقهم، وفقاً للباحث والكاتب شاكر نعيم، الذي يقول بأن وجود المسيحيين في العراق بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى.
ويوضح:”لقد فقد الكثير منهم ثقتهم بالحكومة العراقية، بسبب تجربة داعش في 2014 وسيطرته على مناطقهم وسلبه ممتلكاتهم، وحتى قبل ذلك، عندما كانت الجماعات الدينية المسلحة الأخرى تستهدفهم كأنصار الإسلام والقاعدة وغيرها”.
ويشير إلى أن تقلص اعداد المسيحيين مقابل زيادة اعداد الشبك وتمددهم:”أمر يجعل المسيحيين المتبقين يشعرون بالقلق، وهم لايعولون على ميليشيا بابليون التي عنوانها مسيحي، لكن في الحقيقة هو فصيل يتبع الحشد الشعبي الشيعي ويعمل لمصلحته”.
بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم لويس ساكو، أشار ضمنيا إلى حركة بابليون في كلمة وجهها في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر2025 الى المسيحيين والعراقيين دعاهم فيها للمشاركة الفاعلة في الانتخابات.وقال فيها بأن الكنيسة الكلدانية ترفض أن يُمثّل المسيحيين:” أشخاص مكشوفو الفساد أو جماعات مسلحة تتحكم بمقدراتهم وتسيطر على بلداتهم في سهل نينوى”.
وأضاف بأن الكنيسة :”لن تقبل أن يكون المكوّن المسيحي وقوداً لمصالح تلك الجهات الدخيلة”.
واتهم ساكو في كلمته، الحكومة العراقية بالفشل طوال 15 سنة في “حماية حقوق الأقليات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإنصافها وضمان تمثيلها ودورها الوطني”.
السياسي المستقل ضياء بطرس، يرى بان الانتخابات البرلمانية المقبلة تعد اختبارا لمدى جدية الدولة العراقية في “ضمان تمثيل عادل وحقيقي للأقليات العراقية، المسيحيون خصصت لهم خمسة مقاعد كوتا في محافظات بغداد، نينوى، كركوك، أربيل ودهوك، وكل من الايزيدية والشبك بمقعد واحد في محافظة نينوى، ومقعد للصابئة المندائية في محافظة بغداد، ومقعد للكرد الفيلين في محافظة ديالى”.
وانتقد النظام الانتخابي الحالي، بقوله:”يسمح لجميع الناخبين العراقيين في جميع محافظات العراق بالتصويت لمرشحي الأقليات العراقية، مما جعل هذه المقاعد ساحة مفتوحة لتدخل القوى المتنفذة التي تسعى الى كسب ولاءات شكلية لا الى تمكين الاقليات، واصبحت عرضة لتأثير الأحزاب الكبرى وبالذات الاحزاب التي تملك السلطة والمال السياسي”.
وبذلك يعتقد بطرس، بأن الكوتا فقدت معناها الاصلي كمبدأ لضمان التمثيل الحقيقي وتحولت الى اداة سياسية تدار من خارج المكون، بالتالي فإن “أغلب من يفوزون بمقاعد الكوتا لا يمثلون الإرادة الحقيقية للناخب المسيحي وباقي الاقليات، بل ينظر إليهم كممثلين للجهات السياسية الداعمة لهم”.
ويعدد السياسي المسيحي المستقل، التحديات التي تواجه كوتا المسيحيين، بقوله: التحكم بأصوات الكوتا من قبل احزاب وجهات وتنظيمات تمتلك ادوات الدولة والمال السياسي، وتراجع أعداد الناخبين المسيحيين وباقي الاقليات داخل العراق بسبب الهجرة والنزوح مما قلل من الثقل الانتخابي الفعلي لهذه الاقليات. وانقسام القوى السياسية المسيحية وباقي الاقليات بين قوائم متعددة، وضعف التنسيق بينها مما يشتت الأصوات ويضعف فرص الفوز.
ولمعالجة ذلك، يشترط توحيد الموقف السياسي للمسيحيين والابتعاد عن اشكاليات التسميات القومية، وتعديل قانون الانتخابات ليكون تصويت الكوتا محصوراً بأبناء الاقليات فقط من خلال سجل خاص وقائمة انتخابية خاصة بالكوتا لهم، فضلاً عن مراقبة دولية ومحلية فاعلة لضمان نزاهة دوائر الكوتا في المحافظات التي حددها القانون.
وفي حال عدم تحقيق كل ذلك، يقترح ضياء:”إلغاء نظام الكوتا نهائيا، لكونها أصبحت غير مجدية وخرجت عن هدفها الأساسي المتمثل بضمان التمثيل الحقيقي للأقليات”.
ويدعو بدلاً من ذلك الى “إلزام جميع الأحزاب الوطنية العراقية والكردستانية، وفقا لقانون انتخابي جديد يشرع في الدورة البرلمانية القادمة، بفرض كوتا للأقليات داخل قوائمها الانتخابية، على غرار ما هو معمول به في كوتا النساء، وبنسبة يحددها القانون”.
الإيزيديون وشبح الماضي
الايزيديون بدورهم يواجهون تحديا وجوديا، فبعد هجوم تنظيم داعش على قضاء سنجار غربي نينوى في مطلع آب/اغسطس 2014 وقتله وخطفه آلافا منهم، اضطر مئات الالاف إلى النزوح نحو مخيمات خصصت لهم في محافظات إقليم كردستان وكثير منهم هاجروا إلى أوربا والنسبة الأكبر منهم الى المانيا.
وعلى الرغم من مرور أكثر من تسع سنوات على ذلك، إلا أن أكثر من ثلث الايزيديين يرفضون العودة إلى مناطقهم في بعشيقة شرق الموصل، والشيخان شمالها، وسنجار غربا، لأسباب عديدة يوجزها الكاتب خيري مسعود بما يلي:
“الاندماج في مناطق النزوح والهجرة، وعدم اعمار مناطقهم المدمرة أو تعويضهم، وانقسام إدارة مناطقهم بين بغداد واربيل، وتشكل مناطق نفوذ أمني مختلفة في قضاء سنجار، وفقدان الفرد الايزيدي الثقة بالحكومة والمحيط، والخشية المستمرة من تكرار اعمال الإبادة ضدهم”.
وللإيزيديين مثل الشبك والمسيحيين، مقعد كوتا واحد عن نينوى، يتنافس عليه سبعة مرشحين، مدعومين من قوى كبيرة مختلفة التوجهات، ولكن ثمة أمر مختلف يحدث في البيت الإيزيدي في هذه الانتخابات بحسب خيري مسعود:”لديهم قائمة انتخابية خاصة بهم هي تحالف القضية الايزيدية وفيها 32 مرشحاً”.
(ع . ل) ناشط إيزيدي من قضاء سنجار، يقول بأن إقليم كردستان كان يسيطر على قضاء سنجار قبل هجوم داعش عليها في 2014، وكان المقاعد المخصصة للإيزيديين تذهب للحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني: “ولم يكن للإيزيديين قرار مطلقا، حتى قائمقام القضاء والحكومة المحلية كانت تتبع الإقليم”.
وأشار الى ان الديمقراطي الكردستاني بوجه الخصوص، استفاد في السابق من وجود نحو 300 الف ايزيدي في مخيمات ومدن الإقليم، ولم يعد منهم الى سنجار بشكل دائم سوى اقل من 130 ألفا، والبقية فضلوا البقاء، إما لجعل الإقليم محطة للهجرة الى اوربا، أو لرغبتهم في الإندماج بالحياة في كردستان”.
لهذا فهو يعتقد بأن انضمام أكثر من عشرين مرشح ايزيدي للإنتخابات، الى قائمة تحالف “القضية الايزيدية”، يعني:”خروجا عن الطوق الكردي، ومحاولة لبلورة صوت ايزيدي يعمل من أجل الايزيديين وليس إقليم كردستان”.
في منشور للكاتب الايزيدي، سرهات شكري بك، يقول ان “التغيير الديموغرافي وتعريب سنجار” هي اكبر مشكلة تواجه الايزيديين، إذ أن “أغلاق ملف النزوح من قبل وزارة الهجرة وبقاء النازحين في الاقليم على الرغم من ذلك، هي الورقة الرابحة للمركز لتفريغ شنكال (سنجار) من سكانها الاصلين وتوطين غيرهم في أراضيهم كما حصل في زمن النظام البائد”.
كما أشار سرهات، الى ان قيام دائرة الهجرة في دهوك، بتقديم خيم للنازحين لتشجيعهم على البقاء “ليس لسواد عيونهم، بل لإبقائهم رهن اشارتهم، وبقرة حلوب وورقة رابحة يستخدمونها وقتما يشاؤون وخصوصا في موسم حصاد الأصوات أيام الانتخابات ومجيء اللجان الدولية”.
قاسم شمو خدر (43 سنة) من قضاء سنجار، نازح في محافظة دهوك منذ 2014، يقول بأن الظروف ومصالح وسياسات القوى الكبيرة “حطمت الايزيديين وفرقتهم.. نصفنا نازحون، وأكثر من 100 الف مهاجر والعائدون الى سنجار والمجمعات فيها غير مستقرين لغاية الان، وغالبيتنا نفكر بالهجرة”.
يفكر قليلاً، قبل ان يضيف بصوت حاد:”لا نشعر بأننا في وطننا. انا ان شاركت في الانتخابات، فسيحصل على صوتي مرشح تابع لجهة ما غير الايزيديين وسيعمل لمصلحته او مصلحة تلك الجهة، وهذا هو سر عدم حل مشاكل الايزيديين.. ليس لدينا ممثلون حقيقيون”.
الكرد والتركمان بين التراجع والاستقرار
فرض إقليم كردستان سيطرته على الجزء الشمالي من نينوى بما فيها أقضية مخمور والحمدانية والشيخان وتلكيف وسنجار، بوصفها مناطق متنازع عليها وفقا للمادة 140 من الدستور العراقي منذ سنة 2003 ولغاية 2014. بعدها فقد سلطته على غالبية تلك المناطق ماعدا قضاء الشيخان وبعض أجزاء قضاء تلكيف، وحلت محل قوات البيشمركة بعد 2017 قوات تابعة للحشد الشعبي والجيش العراقي.
وتقلص وجود المكون الكردي في مدينة الموصل، مقارنة بما كان عليه قبل 2014، إذ هجرها الكثير من الكرد الذين كانوا يعيشون بنحو كبير في أحياء الجانب الأيسر، وانتقلوا للعيش في اقليم كردستان.
يشير إلى ذلك، الباحث والكاتب المتخصص بالأقليات معن ياسين، ويقول بأن الديمقراطي الكردستاني ومعه منافسه الاتحاد الوطني، كانا جزءا من السلطة الحاكمة في نينوى حتى العام 2014 “وعلى كل من يرغم في الترشح ضمن المناطق التي تخضع لنفوذهما أن يفعل ذلك ضمن قوائمهم، ومن يحصل على مقعد يكون ولاؤه لها وليس لنينوى”.
“لكن السلطة الكردية في نينوى لم تعد كالسابق” يضيف معن، مشيرا الى أن الإقليم وبعد خسارة نفوذه على سهل نينوى بعد تحرير المنطقة من سيطرة داعش:”بدأ يفقد التمثيل الموالي له في المجالس المحلية للبلدات وحكومة نينوى المحلية”.
ويستشهد بذلك على تشكيل قائمة ايزيدية مستقلة، ووجود مرشحين مسيحيين وشبك اما في قوائم أحزاب كبيرة او مستقلة للتنافس على مقعد الكوتا، الذي كان محسوما ولسنوات طويلة للديمقراطي الكردستاني.
ويعتقد معن، بأن اللقاءات الأخيرة لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود برزاني، بشيوخ ووجهاء من نينوى، وحضور رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني حفل اعلان قائمة الكردستاني في نينوى التي تضم 62 مرشحا، مؤشران على المحاولات الكردية:”للعودة او الإبقاء على شيء من المكتسبات القديمة”.
الكاتب صفاء علي عباس، يذكر بأن الديمقراطي الكردستاني، يملك تسعة مقاعد عن نينوى في البرلمان الحالي، وانه يخشى خسارة عدد منها، فقام “بحملة تغييرات لمسؤولي فروعه في المحافظة، ولاسيما بعد فقدانه مواقع مهمة في الوحدات الإدارية التي كانت خاضعة لسلطته قبل 2014”.
ويقود الديمقراطي الكردستاني، حملة دعائية كبيرة في المحافظة، وقدم مرشحين يعادلون تقريبا كل مرشحيه في محافظات كردستان، في مؤشر على حجم اهمامه بنينوى.
ويشير صفاء، إلى أن الاتحاد الوطني، قام هو الآخر بتحركات مكوكية بين البلدات والقرى في نينوى لتحشيد الأصوات الانتخابية لقائمته التي يأمل أن تحظى بدعم من قوى شيعية.
ويعدد المناطق التي ينشط فيها الحزبان:”بعض أحياء الموصل، وأقضية مخمور وتلكيف والشيخان ونواحي زمار وسنوني وفايدة وبعشيقة وكذلك الخازر وكوير” وهذه المناطق تمتد من أقصى الشمال الغربي لنينوى حتى أقصى الشمال الشرقي.
أما بالنسبة للتركمان الذي يشكلون الأغلبية السكانية لقضاء تلعفر (210 الف نسمة) غرب نينوى، فلا تغييرات كبيرة متوقعة بحسب ذكوان نعيم، وهو باحث اكاديمي ومهتم بالشأن الاجتماعي.
يقول ان التركمان:”نصفهم سنة، وسينتخبون المرشحين والقوائم السنية، والنصف الآخر شيعة، وشأنهم شأن الشبك الشيعة، سينتخبون المرشحين التركمان الشيعة ضمن القوائم الشيعية الكبيرة مثل قائمة بدر التي فيها 51 مرشحاً في نينوى”.
ويذكر ذكوان، بان هنالك 45 مرشحاً من قضاء تلعفر، جزء منهم ليس من سكان مركز القضاء، وغالبيتهم الساحقة تركمان، فهناك مرشحون من زمار التي تضم اغلبية عربية. وتوقع بان يحصل التركمان على 4 أو 5 مقاعد، أي نسبة 10% من مجموع المرشحين.
بالمحصلة هو يرى أن التركمان سواءً شاركوا بقوائم منفردة أو مع الأحزاب الكبيرة الشيعية والسنية “فأن تمثيلهم النيابي يكاد يكون مستقرا، لاسيما الشيعة المدعومين من الحشد والأحزاب الكبيرة، بخلاف الكرد الذي قد يخسرون عددا من مقاعدهم ليمثل ذلك تراجعا جديدا في سلطتهم”.
يقول الباحث السياسي، علي أحمد، ان وجود 34 مقعدا في نينوى، جعلها منطقة تنافس محتدم، فهناك نحو 20 قائمة كبيرة تمثل قوى عربية، سنية وشيعية، وكردية، ومسيحية وايزيدية وتركمانية، دخلت المعركة الانتخابية، والكل يريد الفوز بمقاعد، بما فيها المخصصة ككوتا للمكونات عبر التصويت لها من قبل ناخبين لا ينتمون للمكون.
وينبه الى ان هذه هي احدى قواعد لعبة السيطرة على أصوات ومقاعد المكونات الدينية والقومية الصغيرة، لذا يؤكد على أهمية “تغيير قانون الانتخابات، بما يسمح لأبناء المكون فقط بالتصويت على مقاعد الكوتا، لا ان يكون التصويت مفتوحا للجميع”.
ويشير الباحث الى القاعدة الثانية التي تحكم أصوات المكونات، والمتمثلة بإستغلال الأحزاب والقوى الكبيرة، الشيعية والكردية والسنية، بما تملكه من نفوذ وامكانيات مالية وتنظيمية، لأصوات المكونات في مناطق نفوذها، من خلال دفعها للتصويت لشخصيات تضمها قوائمها من أبناء تلك المكونات، لتحظى بفرص أكبر في الفوز.
ويخلص الى القول: “حينها لن يمثل الفائزون ارادة المكون بل مصلحة القائمة التي ضمتهم تحت عباءتها. هكذا يخسر أبناء المكونات تمثيلهم الحقيقي”.
• أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية ضمن مشروع “قريب”.
المزيد عن تقارير سردية
تقارير سردية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":31404}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







