نهبٌ قديم وأسئلة جديدة: هل تعود آثار العراق من المتاحف الفرنسية؟
تفتح فرنسا باباً جديداً لإعادة ما نهبته من آثار الشعوب خلال الحقبة الاستعمارية، لكن هذا الباب يخفي شروطاً معقدة وأسئلة صعبة أمام دول مثل العراق، فهل تتحول المبادرة إلى فرصة حقيقية لاستعادة ذاكرة الرافدين، أم تبقى مجرد وعد مؤجل؟
أعلنت الحكومة الفرنسية، مؤخراً، عن نيتها تشريع قانون جديد يهدف إلى البتّ في إجراءات إعادة الممتلكات الثقافية المنقولة خلال الحقبة الاستعمارية (الكولونيالية) إلى دول منشئها، بطريقة تتجاوز البيروقراطية المحكومة بالتشريعات الصارمة القديمة. وتشمل هذه الممتلكات كل عنصر مادي ذي قيمة تاريخية أو فنية أو علمية، يُعد جزءاً من التراث الإنساني المشترك، وتلتزم الدول بحمايته ومنع الاتجار غير المشروع به وفق الاتفاقيات الدولية. وبهذا تفتح باريس الباب أمام منح استثناء مؤقت من التشريعات النافذة حالياً في المتاحف الفرنسية، التي تقوم على قاعدة “عدم التصرّف بالممتلكات العامة” (Inaliénabilité des collections publiques).
هذه النية تثير سؤالاً محورياً: هل يمثل هذا القانون بداية حقيقية لإنصاف الدول التي وُضعت اليد على ممتلكاتها الثقافية خلال الفترة الاستعمارية، أم أنه خطوة رمزية ضمن لعبة سياسية أكثر تعقيداً؟ هذا المقال يقدّم في قسمه الأول قراءة تحليلية لمشروع القانون الفرنسي، مستعرضاً أبعاده التاريخية والقانونية والسياسية، وفي قسمه الثاني يتناول مسألة تتعلق بالآثار العراقية في مجموعات فرنسا المتحفية، وذلك لحسم نوع من جدال حاصل حالياً في الأوساط الثقافية في العراق، يتلخص بإمكانية شمول الممتلكات الثقافية التي تُنسب تاريخياً إلى العراق وهي حالياً في فرنسا، وفي الختام، سأحاول رسم “خارطة طريق” من باريس إلى بغداد، لبحث إذا ما كان هذا القانون يحمل فرصاً واقعية، أم أنه مجرد أمل زائف يحرّك النقاش الثقافي أكثر مما يغيّر الواقع.
أولاً: مشروع القانون والإطار التاريخي لآليات الاسترداد
تدخل مقتنيات المتاحف الوطنية الفرنسية ضمن مفهوم “الملك العام”، أي أنها ملك جماعي غير قابل للبيع أو الرهن أو التصرّف. هذا المبدأ يعود بالأصل إلى المرسوم الملكي الصادر سنة 1566 (Édit de Moulins)، في عهد الملك شارل التاسع (حكم 1560 – 1574 للميلاد)، أرسى النص قاعدة تنص على أن ممتلكات التاج حينها -ومن ثم الدولة لاحقاً- لا يمكن بيعها أو التصرف بها.
مع قيام الجمهورية الفرنسية، وفي القرن العشرين، تم توسيع المبدأ ليشمل محفوظات (مقتنيات) المتاحف الوطنية، وصار جزءاً من “قانون التراث الفرنسي” (Code du patrimoine). كان الهدف هو حماية المجموعات العامة، مثل متحف اللوڤر، أورسي.. إلخ، من التصرف بتلك المجاميع من خلال الإعادة، أو التبرع، أو البيع، وضمان بقائها “ملكاً جماعياً للشعب الفرنسي” لا يجوز إخضاعه للمضاربات التجارية أو التنازلات ضمن صفقات سياسية. بالتالي، فأي قطعة تدخل “المجموعات الوطنية” تخضع لقاعدة عدم التصرف بشكل دائم، إلا إذا صدر قانون خاص من البرلمان الفرنسي يجيز استثناءها، على أن يصادق عليه مجلس الدولة Conseil d’État، كما حدث في حالات إعادة إلى دول إفريقية، ويبدو من خلال العرض الأولي للقانون، أنه موجّه أساساً للدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية.
عرض للمقترح التشريعي قيد النقاش
لا يُلغي المقترح الحالي مبدأ “عدم التصرف”، بل يفتح نافذة استثناء بقانون له مساران، إداري وعلمي، ما يتيح إعادة بعض القطع دون الحاجة إلى قانون خاص في كل مرة. زمنياً، يغطّي التشريع مدة طويلة نسبياً، تمتد ما بين 1815 و1972 –يمكن تشبيهها بالمنطقة الرمادية إذ لم يتوفر حينها إطار دولي واضح يُنظّم حيازة الممتلكات الثقافية خلال تلك الفترة- فنقطة البداية الزمنية لهذا التشريع (من جهة التملك غير المشروع للموروث الثقافي المرتبط باستعمار البلدان، والتنقيب غير القانوني في باطن أرضها، ونهب ممتلكاتها الثقافية من آثار وقطع فنية)، اعتمد التاريخ ما بين العامين 1814-1815، وهو التاريخ الذي عقد خلاله مؤتمر فيينا، إثر انتهاء الحروب النابليونية، وقد قامت فرنسا بإعادة أجزاء من غنائم حروبها من لوحات وتماثيل إلى إيطاليا والنمسا وغيرهما. أما تاريخ انتهاء التشريع فهو العام 1972، الذي يؤرخ دخول اتفاقية اليونسكو في عام 1970 حيّز التنفيذ، التي وضعت لأول مرة قواعد دولية صارمة ضد تملك الممتلك الثقافي واستيراده وتصديره بشكل غير قانوني.
برزت سوابق عملية في السنوات الأخيرة، مثل إعادة سيف الحاج عمر تال إلى السنغال عام 2019، وإعادة الطبل الطقسي إلى ساحل العاج عام 2021، وكذلك 26 قطعة ملكية إلى بِنين في العام نفسه. وقد شكّلت هذه الأمثلة نماذج قانونية وسياسية أسهمت في بلورة النقاش الفرنسي حول الاسترداد.
وفق الآلية المقترحة، يتعيّن على الدولة المطالِبة تقديم طلب رسمي، يلي ذلك تقييم علمي للتوثيق التاريخي، ثم مراجعة إدارية داخل فرنسا تنتهي بمرسوم تنفيذي، على أن تُثبت الدولة المعنية قدرتها على الحفظ والعرض. ومع أن القانون يمثل منعطفاً مهماً بفتحه الباب أمام الاسترداد، فإنه يظل مقيّداً بشروط دقيقة، مثل تعريف “النقل غير المشروع”، وهل يشمل القطع التي خرجت بتراخيص رسمية أو اتفاقيات تنقيب فرنسية؟ أم يقتصر على السرقات والتهريب الصريح؟ والضمانات الفنية المتعلقة بالحفظ والعرض والصيانة، والأهم خضوع القرار في النهاية لاعتبارات سياسية فرنسية ومفهوم “المصلحة العليا”، التي تتطلب قراراً سياسياً يوازن بين الاعتبارات الثقافية والضغوط الدبلوماسية.
ثانياً: استرداد الممتلكات الثقافية العراقية في ضوء التشريع الفرنسي
تفتح قضية استرداد الآثار العراقية المحفوظة في المتاحف الأوروبية -وفي مقدمتها الفرنسية- أفقاً يتجاوز المسائل القانونية البحتة، ليمس صميم العلاقة بين الهوية الوطنية والتاريخ والدبلوماسية الثقافية. فهي ليست نزاعاً حول ملكية جامدة لقطع أثرية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة العراق على استعادة ذاكرة حضارية نُزعت في ظروف تاريخية معقدة، ولقدرة فرنسا على التوفيق بين التزاماتها الأخلاقية وضغوطها السياسية. فالقرار يستند أساساً إلى مبدأ “العدالة التاريخية”، أي الاعتراف بالنهب بوصفه جزءاً من الظلم الاستعماري، وهو مبدأ أخلاقي أكثر مما هو قانوني. طرح كهذا سيطرح تساؤلات كبيرة: هل يشمل فقط ما أُخذ بالقوة العسكرية؟ أم يمتد ليشمل التنقيبات المرخّصة رسمياً آنذاك، وفق ما كان سائداً في القرن التاسع عشر من “إجازات التنقيب وتقاسم المكتشفات” (Excavation Permits & partage system)، التي منحت بعثات أوروبية حق اقتسام ما تعثر عليه من آثار؟
هذه الإشكالية تجعل المشروع أقل وضوحاً عند النظر إلى مناطق مثل العراق، حيث كان دخول البعثات الأجنبية خاضعاً غالباً لاتفاقيات رسمية مع السلطات العثمانية، أو مع الدولة العراقية لاحقاً، وليست كل القطع قد نُقلت قسراً. الأمر الذي منحها حينذاك غطاءً قانونياً شكلياً. وهكذا خرج كثير من اللقى من العراق باتجاه متحف اللوڤر وغيره منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، في سياق منافسة حادة بين فرنسا وبريطانيا على آثار بلاد الرافدين، فقد افتتح القنصل الفرنسي، بول إميل بوتا (قنصل فرنسا في ولاية الموصل)، أعمال التنقيب في خورسباد عام 1842، مكتشفاً قصر سرجون الثاني، وسرعان ما تبعه البريطاني أوستن هنري لايارد في نينوى. غير أنّ فرنسا سبقت في استثمار النتائج حين دشنت، عام 1847، أول “قاعة آشورية” في اللوڤر. ثم جاء فكتور بلاس (قنصل فرنسا في الموصل) ليواصل عمل بوتا 1851-1855، وتلاه أرنست دو سارزك (قنصل فرنسا في ولاية البصرة) في أواخر القرن التاسع عشر. ومع استقلال العراق بدأت موجة جديدة من البعثات، أبرزها أعمال أندريه بارو في لارسا في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم جان كلود مارغرون. وقد تُوّج التعاون بإنشاء جمعية أثرية عراقية-فرنسية في السبعينيات، قبل أن تنقطع كل صلة بفعل الحروب والعقوبات، منذ 1990 وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، ثم استؤنف التعاون في مجال التنقيبات والترميم لاحقاً. تشكلت مجاميع العرض الأثري المتعلقة ببلاد الرافدين في متاحف فرنسا، وأولها اللوڤر، من اللقى الأثرية القادمة من تنقيبات القناصل الفرنسيين في القرن التاسع عشر، فضلاً عن بعثات التنقيب الفرنسية العاملة في العراق في القرن العشرين، بالإضافة بالطبع، إلى الاقتناء المباشر بالشراء، أو عن طريق الهبات والتبرعات. ولقد أعددنا جدولين لكلا النوعين من بعض المقتنيات التي في حوزة المتاحف الفرنسية.
جزء من تنقيبات سوسة، ويظهر دي مورﮔـن واقفاً إلى جانب المسلة مع العمال، سوسة، إيران، ربما 1897.
حيث تظهر مجموعة تماثيل ﮔوديا، وفي العمق، تظهر مسلة حمورابي، متحف اللوڤر-باريس، 1947.
ثالثاً: من باريس إلى بغداد، خارطة طريق
لا يقتصر ملف الاسترداد اليوم على كونه نزاعاً قانونياً، بل هو مساحة تتقاطع فيها السياسة مع السرديات التاريخية. مشروع القانون الفرنسي الأخير، الذي يتيح استثناءات محدودة من قاعدة “عدم التصرف” في المجموعات المتحفية، يمنح العراق نافذة قانونية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحديات ثقيلة. ففرنسا لم تُقر هذا القانون إنصافاً للآخرين فقط، بل لتعيد صياغة صورتها الدولية كقوة ثقافية تدير “المصالحة التاريخية” بشروطها الخاصة.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يثبت العراق أن بعض القطع نُقلت “بصورة غير مشروعة”؟ فخلال الحقبة العثمانية، كانت الولايات الثلاث، الموصل، وبغداد، والبصرة، جزءاً من الدولة العثمانية المعترف بها، وكانت الاتفاقات مع البعثات الأوروبية ممهورة بفرمانات رسمية. صحيح أن هذه الاتفاقات تعكس اختلال ميزان القوى الاستعماري، لكنها في الوقت نفسه تمثل وثائق قانونية يصعب تجاوزها بمعايير اليوم.
إلى جانب ذلك، تفرض الشروط التي يلزم بها القانون الفرنسي، مثل ضمان العرض والصيانة داخل العراق، تساؤلات عملية: هل يملك العراق اليوم بنية تحتية متحفية قادرة على حفظ قطع لا تقدّر بثمن مثل مسلة نرام-سين أو شريعة حمورابي؟ وهل يمكن أن يطمئن المتحف الفرنسي إلى قدرة العراق على توفير معايير الحفظ العالمية وسط أوضاع سياسية وأمنية معقدة؟
وتزداد المسألة تشابكاً حين يتعلق الأمر بالحدود الحديثة، فبعض آثار بلاد الرافدين عُثر عليها في مواقع تقع اليوم في إيران (سوسة)، أو تركيا (حرّان)، أو سوريا (ماري)، وأي مطالبة بها ستدفع العراق إلى منطقة رمادية بين سيادته الوطنية والجغرافيا التاريخية، ما يتطلب خطاباً يستند إلى “وحدة التراث الرافديني” دون الاصطدام بجيرانه.
من الواضح أن المواجهة لا يمكن أن تُحسم بأدوات القانون وحدها، فالمطلوب هو بناء “تحالف معرفي” يضم مؤرخين وعلماء آثار وخبراء في القانون الدولي، لإنتاج سردية قادرة على إقناع الرأي العام الغربي، وخلق ضغط أخلاقي يوازي الضغط القانوني، كما يمكن للعراق أن ينتهج سياسات أكثر مرونة، مثل تفعيل مبدأ الإعارة المتبادلة أو نسخ القطع الأصلية، وهي آلية مطبقة في تجارب ناجحة: من إعارة متحف اللوڤر-باريس إلى اللوڤر-أبو ظبي تمثال الأمير السومري ﮔـوديا، إلى إعارة الأردن لمتحف اللوڤر تمثال من تماثيل عين غزال لمدة طويلة تتجدد كل 30 سنة.
تمثال الأمير السومري ﮔـوديا، معار من متحف اللوڤر-باريس إلى متحف اللوڤـر-أبو ظبي.تمثال من قرية عين غزال في الأردن، معار من المتحف الأردني- عمان إلى متحف اللوڤر-باريس.
إن الرحلة من باريس إلى بغداد لن تكون قصيرة ولا سهلة، لكنها تبدأ بخطوة أساسية، وهي الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من هذا التراث خرج في ظروف تاريخية غير عادلة، حتى لو كانت “قانونية” في ظاهرها، ولكنْ هناك بُعد ربما من طيف اللاعدالة، الذي دفع فرنسا إلى التفكير بتشريع هكذا قانون أساساً، ومن ثم، فإن أي تحرك عراقي يجب أن يجمع بين مسارين: الواقعية القانونية من جهة، واستثمار المناخ الأخلاقي الدولي الجديد من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، يمكن أن تتشكل استراتيجية أكثر نضجاً من مجرد انتظار أن يعيد الآخرون ما أخذوه.
Inalienability of Public Property: مبدأ قانوني فرنسي يمنع التصرف بأملاك الدولة، بما فيها مقتنيات المتاحف. UNESCO 1970 Convention: اتفاقية دولية لمنع استيراد ملكية الممتلكات الثقافية وتصديرها ونقلها بطرق غير مشروعة. UNIDROIT 1995 Convention: (أونودروا) اتفاقية “روما” التكميلية، التي تعزز مبدأ إعادة الممتلكات الثقافية المسروقة أو المهربة. partage system: نظام تقسيم مكتشفات التنقيب الأثري بين الدولة المضيفة والبعثة الأجنبية. فرمانات التنقيب: أوامر رسمية عثمانية كانت تمنح البعثات الأجنبية حق التنقيب وتقاسم المكتشفات.