تحقيقات استقصائية: كركوك ما بعد 2003 … تغييب للحلول واستعادة “فخ” التغيير الديموغرافي

كركوك ما بعد 2003 … تغييب للحلول واستعادة “فخ” التغيير الديموغرافي

فخر الدين صالح، من حي نوروز في كركوك، هو أب لعائلة كردية تضم الى جانب زوجته ستة أطفال، عادت إلى المدينة بعد سقوط نظام حزب البعث في العام 2003، عقب سنوات من حياة النزوح والملاحقة، لكن عائلته مع مئات العوائل الكردية الأخرى مهددة بالطرد من بيوتها وربما النزوح مجددا في ظل اجراءات وقوانين تنتظر المراجعة ومواد دستورية معطلة تؤجل حسم صراعات “مواطنين” على الملكية و”مكونات” على الهوية.

طوال نحو عام، تناوب “صالح” مع رجال آخرين حراسة البيوت التي آوتهم لعشرين عاماً، خشية أن يفاجئهم الجيش ويُجبرونهم على اخلائها. ظلوا يفترشون الأرض في أجواء البرد والحر، متأهبين لأي محاولة طرد تأتي تحت ضغوط “متنفذين عرب” يأملون في استعادة أراض سكنية وزراعية كان قد وهبها لهم حزب البعث بعد أن صادرها من أصحابها الأصليين من كرد وتركمان.

هو صراع “قديم جديد” بين مئات الملاك السابقين واللاحقين، والذي تغذيه مصالح حزبية، ويحركه التغير المستمر لموازين القوة وللسلطة الإدارية والأمنية الحاكمة في محافظة غنية بالنفط يتقاسم العيش فيها الكرد الى جانب العرب والتركمان.

ومحافظة كركوك (270 كلم شمال شرقي بغداد) هي محل تنازع بين حكومتي اربيل وبغداد اليوم، كما كانت محل صراع بين الحكومات العراقية والقيادات الكردية منذ سبعينات القرن الماضي. صراع يرتبط في جزء منه بما تملتكه من موارد نفطية هائلة، ما جعلها بحسب وصف نشطاء كرد، ضحية لسياسات ممنهجة هدفت لإحداث “تغيير ديمغرافي” في بنيتها السكانية، بدءا باستقطاع مناطق كردية منها والحاقها بالسليمانية والعكس مع مناطق عربية في محافظات أخرى الحقت بها.

والتغيير الذي كان يعمل عليه حزب البعث، تركز على احداث تغيير شامل للتركيبة القومية، وتحديدا للنسبة السكانية لأحد المكونات مقابل خفض نسبة المكونين الآخرين، عبر عمليات اعادة رسم الحدود الادارية للمحافظة، وانتهاج سياسات “تعريب” وطرد واعادة توطين ممنهجة.

وهي سياسات حملت تداعيات خطيرة على تعايش المكونات، ومازالت آثارها تُشعل بين فترة وأخرى نزاعات أمنية و”سياسية- قومية” وقانونية بشكل خاص على الأراضي الزراعية.

الجذور التأريخية

كركوك من المدن الموغلة في القدم في العراق، وحسب مصادر تأريخية، فإن تأسيس المدينة يعود إلى عهد الكوتيين أي حوالي الألفية الثانية قبل الميلاد، وتعيد مصادر اخرى بناءها إلى ما بين 3000 – 3500 سنة قبل الميلاد. طوال قرون كانت المدينة ومحيطها يتمتع بمركز جيوسياسي مهم كونها من المدن الرئيسية على خارطة طرق التجارة وحلقة وصل بين بغداد ومناطق شمالي العراق.

ازدادت أهميتها حين اكتُشف النفط فيها أواخر القرن التاسع عشر، لتصبح محطّ أنظار القوى الدولية والإقليمية. ومع تلك الأهمية وفي ظل سيطرة أنظمة حكم “قومية عربية” طوال النصف الثاني من القرن العشرين، سعت حكوماتها الى احداث تغيير ديمغرافي في الطبيعة السكانية لصالح المكون العربي، عبر تشجيع توطين آلاف العوائل العربية القادمة من مناطق أخرى، وتعيين آلاف الموظفين العرب فيها من غير سكنتها.

مع انتهاء سيطرة “الحكومات العربية” على كركوك في نيسان ابريل 2003 بسقوط نظام حزب البعث، تمكنت القوى الكردية، بحكم امتلاكها حينها للقوة السياسية والعسكرية المنظمة والمدعومة بأغلبية سكانية، من السيطرة على مواقع المسؤولية الادارية بما فيها منصب محافظ كركوك، والسيطرة على مجلس المحافظة المنتخب، ومعها حصل المكون الكردي على حقوق حرم منها طويلا، بل وعلى امتيازات وظيفية غير مسبوقة.

لكن ذلك الواقع انقلب مجددا في 16 تشرين الأول أكتوبر 2017، بعد فرض الجيش العراقي سيطرته على المدينة في أعقاب استفتاء تقرير المصير الذي أجرته القيادة الكردية في ايلول سبتمبر 2017، وقيام الحكومة العراقية بتعين محافظ عربي بالوكالة فيها، ما أعاد كما يقول مسؤولون كرد، سياسات “التغيير الديموغرافي” الى الواجهة.

Image

الصراع على الأرض

بعد سقوط نظام حزب البعث وسيطرة القوى الكردية على المحافظة بشكل شبه كامل، عادت آلاف العوائل الكردية الى كركوك واستعادة بيوتها وأراضيها، بعد ان كانت قد تعرضت للتهجير خلال عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، في اطار ما كان يعرف بـ”سياسات التعريب”. فيما عادت عوائل عربية الى مدنها السابقة خوفاً من الملاحقات باعتبارها كانت قريبة من النظام السابق.

ولحسم مصير كركوك وعائديتها قانونيا، كونها منطقة صراع بين الكرد والعرب وتعرضت لتغيير ديمغرافي بدوافع شوفينية قومية منذ سبعينيات القرن العشرين، ادرجت مواد (58 و140) في الدستور العراقي الجديد الذي صوت عليه في العام 2005، لمعالجة وضعها الاستثنائي، حيث أشير الى كونها منطقة “متنازع عليها”، وحددت خطوات لحسم وضعها تضمنت (تطبيع الأوضاع، اجراء احصاء سكاني، ومن ثم استفتاء لتحديد مصيرها).

لكن تنفيذ الخطوة الأولى تعثر، مما أبقى الوضع القانوني للمدينة عالقاً، وبقيت المحافظة طوال 20 عاما محل صراع بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وكل طرف يسعى إلى اجراء تغييرات واتخاذ قرارات تتوافق مع مصالحه، فيما ظلت مشكلة عائدية أراضي وعقارات محل تنازع بين افراد من المكونين الكردي والعربي.

مع ضعف الدولة الجديدة المتشكلة حديثاً، وغياب المؤسسات الاتحادية، فرض الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني-وهما الحزبان الكرديان الأكثر نفوذا في المدينة واللذين سيطرا على القرار الاداري والأمني فيها- رؤيتهما السياسية على كركوك، واتخذوا خطوات وفق “سياسة الأمر الواقع” دون الالتفات الى الطرف الآخر.

خلال سنوات قليلة، استحوذ الحزبان، على مساحات واسعة من الأراضي الخاصة بمعسكرات الجيش والمواقع الأمنية في المدينة، ووزعوها على مواطنين من كركوك كانوا قد نزحوا سابقاً إلى مدن إقليم كردستان، وهو ما زاد من تعقيدات الصراع.

وزعت غالبية تلك الأراضي، دون ضوابط حضرية، وأحيانا بطريقة عشوائية غير مخطط لها هندسيا، وفي بعض الحالات غير قانونية، وتحولت معها أراض واسعة ملكيتها تعود لوزارات مختلفة، بحكم الأمر الواقع الى مناطق سكنية.

الكثير من تلك الأراضي “وزعت وفق مصالح سياسية وليس اعتبارات ادارية خدمية، فأصبحت مكافآت سياسية للكوادر والأنصار بدلاً من أن تكون تعويضاً عادلاً للمتضررين من سياسة البعث”، كما يقول الناشط الكركوكي حسين شواني.

وهو ما أدى تغليب الطابع والمصلحة الحزبية الضيقة على العملية “وشجع الكثير من كوادر الحزبين للمجيء إلى كركوك للحصول على مكاسب مالية رغم أنهم لم يكونوا من أبناء المحافظة ولا من المهجرين المتضررين”.

هذا التوزيع أدى إلى توسّع كبير في شمال وشرق المدينة، فظهرت خلال عشر سنوات أحياء كردية جديدة مثل “پنجا علي، شوراوة، سي كانيان”، بينما توسّعت مناطق كردية مثل “رحيم آوه” و”شورجة” بنحو كبير.

حدث ذلك بين الأعوام 2003 و2016 حين كانت القوى الكردية في أوج قوتها سياسيا وأمنيا، بينما القوى التابعة للحكومة الاتحادية تعاني من صراعات سياسية عميقة فضلا عن الضعف الأمني مع انشغالها بمواجهة التنظيمات الارهابية من القاعدة والنقشبندية وداعش.

ومع عودة النفوذ العربي الى المدينة بعد العام 2017 وتولي راكان الجبوري عن التحالف العربي، إدارتها وكالة، ظهرت مشاكل كثيرة تتعلق بسيطرة مواطنين كرد على بيوت ترجع عائديتها الى وزارات اتحادية، وسيطرة مزارعين كرد وتركمان لديهم “عقود عثمانية” على أراض زراعية يعدها مواطنون عرب عائدة لهم بحكم امتلاكهم “عقود ملكية رسمية” صادرة من حكومات ما قبل 2003.

النفوذ الأمني والعسكري

مع عدم حسم مصير كركوك وعائديتها قانونيا، نتيجة تعطل تطبيق المادة 140 الدستورية، حاول الطرفان المتنازعان طوال سنوات فرض إرادتهما بالقوة العسكرية والأمنية.

أنشأ الحزبان الكرديان، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، جهازين أمنيين منفصلين (أسايش الاتحاد، وأسايش الديمقراطي) داخل المدينة والأقضية والنواحي التابعة لها، مدفوعين برؤى قومية كانت محل تأييد واسع من الكرد الذين منحتهم نتائج الانتخابات المتوالية وفوزهم بأغلبية مقاعد المحافظة ما أعتبروه “شرعية قانونية”.

حتى مع وجود الجيش العراقي في مناطق عديدة بكركوك قبل العام 2014، فرض الاتحاد والديمقراطي سيطرتهما شبه المطلقة على المدينة، من خلال قوات البيشمركة والتشكيلات الأمنية التي أسسوها، لكن كانت هناك في العمق مشكلة يتم تجاهلها، وهي ان تلك القوات جميعها من المكون الكردي فقط، في حين أن كركوك مدينة متعددة القوميات.

يقول الناشط حسين شواني:”ذلك البناء الأمني المتجاهل لوجود ودور الطرف الآخر، هو ما جعل المكوّنات الأخرى من عرب وتركمان تشعر بالتهميش في الملف الأمني، وترى ان الادارة الكردية المدعومة من بعض الأعضاء التركمان والمسيحيين، لا تمثلها”.

Image
دخول القوات العراقية الى كركوك 2017- وكالات

الاعتقالات الأمنية

تزامنت فترة سيطرة الكرد على القرار الأمني في محافظة كركوك، مع ظروف غير طبيعية نتيجة الصراع الطائفي (السني – الشيعي) ونشاط العديد من التنظيمات الارهابية داخل المدينة وفي محيطها والتي اتخذت من مناطق غربي وجنوبي كركوك حواضن لها ومنطلقا لتنفيذ عملياتها سواء بالقتل على الهوية او الخطف الممنهج او التفجيرات طوال سنوات الصراع الطائفي بدءا من 2005، والتي اتخذت منحا أكثر دموية مع سيطرة تنظيم داعش في 2014 على محافظات نينوى وصلاح الدين واجزاء من ديالى ومحاولاته المتكررة للسيطرة على كركوك.

دفعت تلك الأوضاع الحزبين الكرديين الحاكمين في كركوك، الى اتخاذ اجراءات أمنية صارمة، وجرى اعتقال الآلاف على خلفية اتهامات بالتورط في الارهاب. وساهمت الطبيعة الحزبية للأجهزة الأمنية الكردية في كركوك وبنائها العقائدي القومي، في زرع الشكوك وعدم الثقة بتلك الاجهزة، وخلق حساسيات قومية ألقت بظلال سلبية على التعايش في المدينة.

في نيسان ابريل من العام 2021، اي بعد أكثر من اربع سنوات من تدمير قوة تنظيم داعش وانهاء دولته، ذكر عضو مجلس النواب العراقي آنذاك خالد المفرجي، في تصريحات صحفية ان “سجون إقليم كردستان تضم آلاف المعتقلين العرب من سكان كركوك”، وان بين المعتقلين أبن شقيقته.

واضاف ان “وجود معتقلين عرب من كركوك في سجون كردستان حقيقة لا يمكن إنكارها”، منبها ان ذلك يمثل انتهاكا جسيما لحقوق الانسان.

وقبيل كل انتخابات، كان ملف المعتقلين يعود الى الواجهة. وتتحدث قوى عربية في كركوك عن نحو خمسة آلاف معتقل، خلال سنوات سيطرة الكرد على المحافظة و”انتهاجهم لسياسات ضد المكون العربي” اشتدت بعد 2014 خاصة في مناطق جنوب غربي كركوك التي نشط فيها تنظيم داعش، وعن امتلاكهم أدلة تثبت وجود بعض المعتقلين في سجون كردستان، مع وجود أكثر من ألفي شكوى من قبل ذوي المغيبين، وشهادات حية من المعتقلين الذين أطلق سراحهم.

https://www.facebook.com/watch/?v=293872435601793

ينكر الحزبان الكرديان تلك الأرقام، مكتفين بتأكيد وجود مسجونين مدانين بجرائم ارهابية تتعلق بإنتمائهم لتنظيمات مسلحة وتنفيذهم لعمليات تخريبية داخل المدن وقتل مدنيين، وهجمات ضد القوات العراقية بما فيها قوات البيشمركة.

محمد طه، مواطن عربي من كركوك، يقول إن شقيقه “حوان” اعتُقل على يد قوات كردية قبل ثمان سنوات وما زال مصيره مجهولاً.

يوضح: “هو محام من كركوك، في 26 آذار 2017 عند الثانية ليلاً، اعتقلته قوة كردية قيل لنا انها قدمت من السليمانية، وأخذته الى مكان لا نعرفه، لم نلتقه منذ ذلك اليوم ولم نحصل على أي خبر بشأنه، وحتى الآن مصيره مجهول، لم يُبلغونا حتى بسبب الاعتقال أو التهمة، ولا ندري إن كان مازال على قيد الحياة أم لا .”

وتنظم أمهات، أبناؤهن اعتقلوا على يد قوى الأمن الكردية أو الحشد الشعبي في فترات سابقة، وقفات احتجاجية للتذكير بمعاناتهن، وللمطالبة بكشف مصير أبنائهن.

Image
اعتصام لأمهات مفقودين أمام مبنى محافظة كركوك بتاريخ 19/7/2019.

في 16 من تشرين الأول أكتوبر 2017 ومع انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش، سيطرة الجيش العراقي على مدينة كركوك وانسحبت قوات البيشمركة منها بشكل سريع، على خلفية احتدام الخلافات السياسية الاقتصادية بين حكومتي اربيل وبغداد، خاصة عقب تنظيم الاقليم لاستفتاء الانفصال عن العراق.

شملت الانسحابات ايضا المقرات التنظيمية للحزبين الكرديين، الديمقراطي والاتحاد الوطني. وبعد أيام من سيطرة الجيش على المقرات الحزبية والأمنية للقوى الكردية، عثر في مجاري مقر مجلس قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في كركوك، على ثلاث جثث متفسخة ومشوهة، بحسب مصادر في التحالف العربي بكركوك.

بعدها بنحو ست سنوات، ذكرت ساهرة عبد الله الجبوري، عضو مجلس النواب العراقي، أن العثور على تلك الجثث دليل على ما كان يحصل من تعذيب وقتل لمواطنين عرب وانتهاك لحقوق الانسان على يد قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني في الفترات السابقة.

مصادر مسؤولة في حزب تقدم، ذكرت خلال فترة مباحثات تشكيل حكومة كركوك المحلية في 2024، ان الاتحاد الوطني أقر بوجود معتقلين بتهم تتعلق بالارهاب في السليمانية، ووعد بالافراج عن بعضهم، وتقديم اية معلومات متاحة عن المعتقلين، لكنه شدد على ان عدد كبير منهم محكومون وفق قضايا ارهاب ويتواجدون في سجن يتبع الحكومة الاتحادية.

Image

الاستثمار في حملة داعش

في العام 2014، عندما اجتاح تنظيم داعش المنطقة، انسحب الجيش العراقي بشكل كامل من كركوك للدفاع عن مناطق اخرى، وحلت محلها قوات البيشمركة، فتعزز الحضور العسكري الكردي داخل المدينة، ونجحت تلك القوات مع بقية الأجهزة الأمنية الكردية في حماية كركوك من هجمات داعش على مدى أربع سنوات.

تفرد قوات البيشمركة بالمنطقة، منح الكرد نفوذاً إدارياً وأمنياً اضافياً، حيث استحوذوا على معظم المناصب المهمة في المدينة، واتخذوا القرارات دون الرجوع الى بغداد، ورفعوا علم إقليم كردستان إلى جانب علم الدولة العراقية فوق جميع المؤسسات الحكومية. وامتد النفوذ الى السيطرة على الحقول النفطية في كركوك لاستثمارها من قبل شركة “كار” النفطية، وباتت كركوك تعامل من قبل القيادات الكردية كجزء من اقليم كردستان.

كدليل على تلك السيطرة المطلقة وبعيدا عن ارادة الحكومة الاتحادية، أعلن آشتي هورامي، الذي كان وزيرا للثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان، في مؤتمر خاص عقد في تموز 2014 بالعاصمة البريطانية لندن، ان “حكومة إقليم كردستان ربطت حقول نفط كركوك بالأنبوب الجديد الخاص بالاقليم لتصدير نفط كركوك الخام إلى تركيا من خلاله.”

يقول الباحث في الشأن السياسي بروا ستار، ان “ذلك التحرك الفردي ودون موافقة الحكومة الاتحادية أو استشارة ممثلي مكونات كركوك، كان بمثابة اعلان الحاق كركوك باقليم كردستان، وفصل ارتباطها المباشر بالحكومة الاتحادية، وهي خطوة أثارت غضب القيادات العراقية من المكونين السني والشيعي على حد سواء”.

وبينما كان القادة الكرد منتشين بسيطرتهم على كركوك، وتعزيز وجودهم الاداري والأمني والاقتصادي فيها، كانت هناك “معضلة” تتشكل دون أن يلاحظوها، تتمثل في النزوح غير المسبوق لآلاف العوائل العربية من أماكن اقامتها في صلاح الدين وديالى المتوترة أمنياً الى كركوك المستقرة، هربا من سلطة تنظيم داعش ومن المعارك الجارية على الأرض.

يلفت الباحث بروا، الى أن “هؤلاء النازحين بعد سنوات صاروا جزءا من معادلة المكونات في كركوك، مع رغبتهم في الاستقرار الدائم فيها، وهو ما يعني في المحصلة حصول تغيير في الطبيعة الديمغرافية للمدينة”.

Image
معارك البيشمركة ضد تنظيم داعش- وكالات

تصدير نفط كركوك لحساب أربيل

وسط الحرب الدائرة مع تنظيم داعش، التي كانت بالنسبة للقوى الشيعية حربا وجودية، قامت حكومة كردستان برئاسة نيجيرفان بارزاني، باستخدام انبوب نفط اقليم كردستان الممتد الى تركيا، لتصدير نفط حقول كركوك الغنية، والتي تضاهي احتياطاتها المؤكدة ومعدلات انتاجها كل حقول كردستان المكتشفة منذ العام 2005.

بحسب عاملين في القطاع النفطي، قامت شركة “كار” التابعة للحزب الديمقراطي الذي سيطرت قواته على تلك الحقول، بتصدير ما يقارب نصف مليون برميل نفط يوميا من تلك الحقول إلى ميناء جيهان، من دون أن تعود عائداتها إلى كركوك، مع غياب الشفافية بشأن اسعار البيع وحجم العائدات والجهات الأخرى المستفيدة من شركات استخراج ونقل وتسويق.

Image
حقول كركوك النفطية

التحركات المنفردة من قبل القوى الكردية، في التعامل مع ثروة طبيعية تعد دستوريا ملكا للشعب العراقي، أثارت قلق وانزعاج المكونين العربي والتركماني مع شعورهما بالتمييز القومي، وطرحت تساؤلات بالكيفية التي يمكن للقوى الكردية المشبعة بالأيديلوجية القومية، ان تتعامل بها معهم في حال أصبحت كركوك قانونيا جزءا من كردستان.

ذلك الاستثمار الاقتصادي في حرب العراق مع داعش، مع ما شكله من نتائج سلبية على ثقة المكونات ببعضها، لم يدم طويلا، ففي 16 تشرين الأول أكتوبر 2017، وبعد أقل من شهر من استفتاء تقرير المصير، دخل الجيش العراقي مجدداً الى كركوك بعد اشتباكات محدودة مع قوات البيشمركة التي انسحبت سريعا مع كل التشكيلات الأمنية التابعة للاقليم، الى الحدود الادارية لكردستان.

عودة الجيش الى كركوك، وبقوة أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق، لم تقتصر على مواقعه السابقة بل امتدت الى كامل أراض المحافظة، ومعها تشكلت ادارة جديدة مؤقتة بغياب الكرد، ما همش موقعهم، لتجري بعدها تغييرات واسعة في كل مفاصل البنيتين الإدارية والأمنية للمدينة، سمحت بتعزيز الوجود العربي.

يقول الناشط السياسي الكردي ريبند حسين ان “ذلك التحول الكبير في واقع كركوك، انعكس سلباً على وجود ومصالح المكون الكردي مع نزوح آلاف العوائل الكردية باتجاه كردستان، كما ترجم بصدور قرارات تدعم وجود المزارعين العرب في أراض زراعية تعود ملكيتها الأصلية للكرد والتركمان، الى جانب دعم بقاء آلاف العوائل العربية النازحة من محافظات أخرى”.

وينبه ريبند الى أن “مجمل التداعيات الناجمة عن قرار الاستفتاء والخطاب القومي الكردي المتصاعد، ومن ثم دخول الجيش العراقي لكركوك، كانت سببا في احداث نوع من التغيير الديمغرافي الذي ربما سيصعب معالجته لعقود من الزمن”.

وفق معلومات هيأة المناطق الكردستانية خارج الاقليم، فإن نحو 20 الف عائلة كردية، اضطرت لمغادرة كركوك بعد 16 تشرين الأول اكتوبر، وكان للجيش دور رئيسي في التغييرات التي حصلت خاصة مع سيطرته على الأراضي الزراعية العائدة للكرد في مناطق في مناطق سركران وتوبزاوة وداقوق التابعة لكركوك، ومناطق عەرەفە و نەورۆز في داخل المدينة.

وتقول مصادر حزبية كردية، ان تحركات الجيش العراقي لعبت دوراً أساسياً في نزوح الكرد، فقد أثارت الخوف في نفوسهم من احتمال حصول عمليات انتقامية، وعدم السماح للمزارعين الكرد باستثمار أراضيهم، ووقوفها الى جانب مجموعات عربية في نزاعها بشأن عائدية تلك الأراضي.

مشكلة الإحصاء السكاني

يُعد الإحصاء السكاني المرجع الأول لمعرفة عدد السكان الكلي، وعدد ونسبة المكونات المختلفة في كل منطقة، لكن العراق لم يشهد اجراء أي تعداد سكاني شامل منذ آخر تعداد جرى في 1987.

يفترض بالحكومات العراقية أن تُجري تعدادا عاما للسكان كل عشر سنوات، فعليا جرت تعدادات في السنوات: 1927، 1934، 1947، 1957، 1965، 1977، 1987، 1997. لكن محافظات إقليم كردستان لم تشارك في آخر تعداد حيث كان الاقليم منفصلا بشكل شبه كامل عن العراق نتيجة أحداث حرب الكويت.

كما ان عمليات التعداد الأخيرة في بعض المناطق خضعت لحسابات سياسية وجاءت بعد عمليات تغيير ديمغرافي حصلت لصالح مكونات على حساب أخرى. وهذا ما يجعل التعدادات الأخيرة في كركوك مرفوضة من قبل الكرد والتركمان، الذين يشددون على اعتماد إحصاء 1957 كمرجع وأديان وللتوزيع المكوناتي في كركوك، كونه لم يخضع لاعتبارات سياسية وكان الأفضل من ناحية التنظيم خاصة انه حصل بمشاركة خبراء من الأمم المتحدة.

Image

في يومي 20 و 21 تشرين الثاني نوفمبر 2024، أجري إحصاء سكاني شامل، كان الأول منذ 37 عاما، لكنه ولاعتبارات سياسية لم يتضمن احصاء عدد المكونات من قوميات وأديان ومذاهب، ما أبقى التوزيع المكوناتي للسكان غير واضح.

ووفقاً لتعداد 1957، الذي يعده الكرد والتركمان مرجعاً دقيقاً للتوزيع السكاني قبل انتهاج “سياسة التغيير الديمغرافي”، كان عدد سكان كركوك هو 279 ألف نسمة، منهم 178 ألفاً من الكرد (بنسبة 63.7%)، و48 ألفاً من العرب (بنسبة 16%)، و43 ألفاً من التركمان (بنسبة 15.4)، فيما بلغ عدد الكلدان والآشوريين 10 آلاف نسمة (بنسبة 3.58).

الانتخابات كمؤشر سكاني

مع غياب أي تعداد يحصي عدد المكونات (قوميا، دينيا، مذهبيا) وطبيعة توزعها في كركوك، لجأت القوى السياسية الى نتائج الانتخابات كمؤشر لقياس النسب السكانية، وعلى وفقها كانت تتخذ القرارات المتعلقة بتقسيم المناصب في كركوك.

في انتخابات مجلس النواب العراقي التي جرت في 30/4/2014 جاءت نسب الأصوات في كركوك: الكرد 54%، العرب 28%، التركمان 17%، والمسيحيون 1%. وهذا عكس زيادة واضحة في نسبة العرب، مقارنة باحصاء 1957، مقابل انخفاض واضح في نسبة الكرد، الى جانب زيادة طفيفة في نسبة التركمان، في حين أن نسبة المسيحيين سجلت تناقصا.

Image

تلك الانتخابات جاءت، بعد أكثر من عشر سنوات على استحواذ القوى الكردية على الجزء الأكبر من المواقع القيادية في المحافظة، رغم ذلك أظهرت النتائج أن التغيير الديمغرافي الذي حصل خلال فترة حكم نظام حزب البعث كان له تأثير كبير، حيث ازداد عدد العرب بشكل كبير، بينما تراجع الكرد بشكل لافت، فيما حافظ التركمان على نسبة تمثيلهم السابقة. وأشرت انخفاضا بنسبة الكرد خلال 57 عاماً بما يقارب الـ10%.

لكن مع فقدان الأحزاب الكردية لسيطرتهم على المدينة بعد العام 2017، تراجعت نسبة الكرد بشكل أكبر، وفق مؤشرات انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في 18/12/2023، فكانت نسبة مشاركة المكونات -قياسا لأصوات قوائمهم التي تعد مؤشرا على النسبة السكانية- على النحو التالي: 43% للكرد، 38% للعرب، 18% للتركمان، و1% للمسيحيين.

Image

وتظهر تلك النتائج الانتخابية، اذا صح استخدامها كمؤشر لنسبة الكرد في كركوك، ان تلك النسبة تراجعت بشكل حاد تحت تأثير التحول في السلطة الذي حصل لصالح المكون العربي في السنوات السبع الأخيرة، وهي نسبة أكبر من تلك التي حصلت خلال 57 عاماً السابقة لها.

يقول الناشط السياسي ريبند حسين ان “نسبة التراجع بين 2017 و2024 تضاعفت مقارنة بالفترة بين 1957 و2014، وهو ما يرجع الى سياسات التغيير الديمغرافي التي مارستها حكومة كركوك، والى الاحباط الذي عاشه بعض الناخبين الكرد بعد غياب الادارة الكردية ونتيجة ما آلت اليه الاوضاع في كركوك”.

ماذا حصل على الأرض؟

قبل تشرين الأول أكتوبر 2017، كان هناك 11 حيّاً عربياً في كركوك، هي “طريق بغداد، الأول من حزيران، وحدة، حرية، اشتراكية، ممدودة، 7 نيسان، حي البعث، نصر والعروبة، قادسية، وغرناطة”، لكن بعد تحول السلطة الى ادارة كركوك المؤقتة، أُنشئت 10 أحياء جديدة للعرب، بحسب تقارير هيأة المناطق الكردستانية خارج الإقليم.

الهيأة تذكر أن أحياء “حمزلي، علوه، سيادة، حي زوراء، حي زراعة، حي 55، منسية، حي بدر، حي زهراء، حي 58” تشكلت جميعا بعد العام 2017. حيث سهل محافظ كركوك بالوكالة راكان الجبوري وبقية المسؤولين الذين تم تعيينهم، توطين آلاف العوائل العربية ومنحهم الوثائق التي تمكنهم من التصويت في كركوك.

لا توجد معلومات رسمية عن عدد سكان هذه الأحياء، لأن الجهات المعنية لا تفصح عن بيانات دقيقة، لكن وفقاً لعمليات متابعة وتحقق قامت بها هيأة المناطق الكردستانية فإن أربعة أحياء جديدة هي (علوة، 55، سيادة، منسية) لوحدها استقبلت أكثر من 6 آلاف عائلة عربية أغلبها جاءت من خارج حدود محافظة كركوك.

يقول مسؤولون في الحزبين الكرديين، الديمقراطي والاتحاد، ان آلاف العوائل العربية في حدود مناطق الحويجة، الزاب، رشاد، ورياض، جاؤوا الى كركوك، خلال السنوات الماضية، وان الأعداد ظلت ترتفع في ظل تسهيلات من الجهات الادارية والامنية المسؤولة.

وتُقدَّر الهيأة أن 20 ألف عائلة عربية استوطنت في كركوك بعد 2017، بعضها جاءت كنازحة بعد هجمات داعش في 2014 والسنوات اللاحقة، وبعضها نتيجة سياسة التعريب بعد أحداث 16 تشرين الأول اكتوبر.

كما شهدت الفترة ذاتها ممارسات تصب باتجاه “سياسة التغيير الديمغرافي” كاغلاق المراكز والمؤسسات والمنظمات الكردية داخل المدينة التي اضطرت لتوقيف نشاطها، فيما أُغلقت الدوائر التابعة لحكومة إقليم كردستان في كركوك وتم الاستيلاء على ممتلكات بعضها.

بعض تلك الجهات وبعد عامين أو ثلاثة من الغياب عادت لكن دون أن ترفع يافطات أو أعلام تشير الى هويتها، فيما بعضها الآخر لم تستطع العودة، مثل مقرات الأسايش، ومكاتب البرلمان الكردستاني، ومديرية التجارة في المناطق الكردستانية، ومكتب هيأة المناطق الكردستانية خارج الإقليم.

تضاعف العرب وسط الأحياء الكردية

تقول مصادر كردية، ان أعداد افراد المكون العربي، ارتفعت بشكل واضح في العديد من الأحياء الكردية والتركمانية، خصوصاً في “فيلق (كردستان)، بنجا علي، شوراوة”، حيث لم يكن لهم وجود يُذكر قبل أحداث 16 تشرين الأول اكتوبر 2017.

أحد سكان شوراوة، ويعمل في قطاع المقاولات والعقارات، رفض كشف اسمه، حفاظا على عمله، قال: “خلال العام الماضي وحده بُني أكثر من 20 منزلاً جديداً في الحي، وباع شخصياً أكثر من 15 منزلاً لموطنين عرب.. هذا يحدث في العديد من الاحياء الكردية الأخرى”. ويضيف:”بعض الأزقة تحولت بالكامل إلى أحياء عربية، بعد أن كانت كردية خالصة”.

يقول حيدر صباح، وهو موظف كردي متقاعد من كركوك، كانت لأحداث 16 تشرين الأول اكتوبر، أثر كبير على قناعات المواطنين الكرد ونفسيتهم وطريقة تفكيرهم “فقد شكلت انكسارا لفكرة ان مصير المدينة حسم لمصلحة الكرد وانه لم يعد هناك خوف على الاقامة الدائمة والاستثمار وتأسيس المشاريع فيها”.

يضيف:”حدث هذا مع ترك المسؤولين الاداريين والأمنيين الكرد، والكثير من المستثمرين والمقاولين للمدينة، وتفضيلهم للسكن في السليمانية او اربيل، ما اعتبره الكثير من الكرد استعدادا للتخلي عن الدفاع الذي اعتبروه مقدسا عن الهوية الكردية للمدينة”.

العراقيل أمام اللغة الكردية

خلال السنوات 2003 إلى 2017، وفي ظل سيطرة الكرد على ادارة كركوك، شهدت اللغة الكردية تطورا ملحوظا على الرغم من وجود بعض العقبات، إذ استُخدمت الكردية بشكل رسمي في جميع الدوائر الحكومية إلى جانب اللغة العربية في تطبيق نادر لبنود الدستور، مقارنة بباقي المحافظات العراقية، كما أُعتمدت في المخاطبات الرسمية، بينما توسعت الدراسة الكردية بشكل كبير في المدارس الرسمية.

لكن بعد 16 تشرين الأول أكتوبر، ونتيجة الغياب شبه المطلق للممثلين الكرد عن ادارة المدينة، انتهجت سياسة منع استخدام اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية، وتم بنحو واسع الغاء المكاتبات الكردية والاكتفاء بالعربية في اغلب الدوائر.

وتم منع استخدام اللغة الكردية في مطار كركوك الدولي، وإلغاء استخدامها رسميا في مخاطبات مديرية صحة كركوك، وكذلك في مديرية التخطيط والمتابعة، التي أصدرت قرارا باعتماد العربية والإنجليزية فقط، في حين كانت المخاطبات سابقا تصدر باللغات الثلاث.

حاول الكرد، مقاومة تلك السياسة، من خلال بعض ممثليهم، وعبر الطرق القانونية، باعتبارها مخالفة للمادة الرابعة من الدستور. ولاحقًا، وبعد متابعات وضغوط من الكتل الكردية في البرلمان العراقي ومسوؤلين في الحكومة الاتحادية، قررت وزارة الصحة إعادة اللغة الكردية إلى المخاطبات الرسمية.

كما واجهت الدراسة باللغة الكردية العديد من العوائق، نتيجة تعثر وتأخر صرف رواتب الكوادر التدرسية في المدارس الكردية، والتي تدفع من قبل اقليم كردستان، وأدى ذلك الى قلق بعض العوائل من تأثر دراسة أبنائهم.

يقول بيوند صمد، وهو كردي من كركوك، وأب لطفلين، انه أرسل أبنه “أنس” الى الدراسة العربية، بسبب عدم وضوح مستقبل الدراسة الكردية على خلفية التوترات في كركوك، وان العديد من العوائل الكردية أتخذت قرارات مماثلة خوفاً على مستقبل أبنائهم.

على الرغم من ذلك واصل عشرات آلاف الطلاب دراستهم باللغة الكردية تشبثاً بثقافتهم وتاكيداً لحقهم الدستوري في التعلم بلغتهم الأم، وفي ما يشبه التحدي للحفاظ على هويتهم القومية.

إزالة الرموز الكردية

عملت إدارة راكان الجبوري، المحافظ بالوكالة، خلال الفترة الممتده بين 2017 و2023 على ازالة العديد من الرموز القومية الكردية، كجزء من سياسات التعريب، وللتأثير على هوية المدينة، بحسب ناشطين كرد.

فقد تم منع رفع علم إقليم كردستان في الدوائر الحكومية وحتى على المقرات الحزبية الكردية. كما تم منع رفع علم كردستان في المدارس الكردية حيث كان يرفع سابقاً الى جانب العلم العراقي.

وتم استبدال “علم الإقليم” الذي كان مرفوعا على نصب البيشمركة “بالعلم العراقي”، وأزيلت اللوحة الرسمية المثبتة على التمثال، في خطوة أثارت انزعاجا كبيرا لدى الكرد، كون التمثال الذي نصب في العام 2016 في مدخل طريق “كركوك – أربيل” كان رمزا لتضحيات البيشمركة ضد التنظيمات الارهابية ونجاحها في حماية المدينة.

Image

والتمثال الذي يعد أبرز واكبر التماثيل في المدينة، يجسد مقاتلا كرديا يضع بندقيته على كتفه بأحدى يديه، ويحمل بيده الأخرى علم إقليم كردستان بينما يتطلع بوجهه نحو مناطق الاقليم، في رسالة على كون المدينة جزءا من الأرض الكردية.

وتحرس عربات عسكرية مزودة برشاشات “دوشكا” التمثال لمنع أي محاولة لإعادة رفع علم كردستان. يعلق الصحفي باران كرمياني، قائلا:”ان ذلك لا يمثل رسالة بانكار تضحيات البيشمركة في مواجهة التنظيمات الارهابية فقط، بل محاولة رمزية لتغيير هوية المدينة وهوية الكردي الذي دافع عنها”.

وشهدت ذات الفترة محو الشعارات الكردية المرفوعة على المدارس والدوائر، وطلاء الجدران التي كانت تحمل عبارات كردية تشير الى الهوية الكردية للمدينة.

ووصلت الاجراءات الى حد إُعاقة إشعال نار نوروز في أكثر من عام والتضييق بفرض اجراءات أمنية مربكة، على الاحتفالات الشعبية التي تعود الكرد بشكل خاص اقامتها في 21 آذار مارس من كل عام.

ترى هيأة المناطق الكردستانية خارج الاقليم، إن المحافظ السابق بالوكالة راكان الجبوري، حاول تكرار سياسة التعريب التي انتهجها حزب البعث في كركوك، وانه لجأ الى استخدام القوات العسكرية والأمنية في تنفيذ تلك السياسة، من خلال مطالبتها بتنفيذ أوامر أصدرها لطرد المزارعين الكرد من أراضيهم الزراعية ووصفهم بـ “المتجاوزين”، كما كان يفعل نظام البعث.

سياسات ممنهجة ضد الكرد

على الرغم من انهاء حلم الادارة الكردية المطلقة لكركوك، ورحيل آلاف المواطنين عن المدينة، خلال السنوات التي اعقبت 2017 تحت الضغط الأمني، ولجوئهم للعيش في السليمانية واربيل، حيث الفرص الاقتصادية والظروف الخدمية افضل، إلا ان ادارة كركوك المؤقتة (2017-2024) لم تتوقف عن ممارسة سياسات تصب في اتجاه محاربة الوجود الكردي.

ففي مطلع 2024 تحركت قوات الجيش وبأوامر من السلطة المحلية، لاجبار سكنة 120 منزلا تضم نازحين كرد في حي نوروز، على اخلائها بالقوة. الجيش استولى فعليا على 5 منازل، وضغط للاستيلاء على بقية المنازل وطرد سكانيها من الحي، بحجة كونهم متجاوزين.

فخر الدين صالح، وهو من سكان الحي، كان قد عاد مع عائلته بعد 2003 الى كركوك بعد حياة النزوح القسري التي عاشها، قال إنه مع جيرانه، وطوال أكثر من عام نصبوا خيما وتناوبوا على حراسة المكان خوفا من أن يباغتهم الجيش ويستولي على بيوتهم ويطردهم منها. ويضيف: “إذا هدموا بيوتنا فلن يبقى لنا مكان آخر نلجأ إليه، سنضطر إلى العيش في الشارع.”

ويتابع صالح: “بعد سقوط نظام البعث عدنا إلى مدينتنا، كنا نظن أن حكومة العراق الجديدة هي حكومة الجميع، لكننا نرى ورثة البعث يحاولون العودة تحت ظل الجيش. بعثيون في السابق يعودون اليوم للمطالبة بإرثهم. الجيش يجب أن يكون جيش الجميع، لا جيش قومية أو فئة معينة”.

Image

ويعود “صالح” مستذكرا ما حصل: “في مطلع 2024، من دون سابق إنذار او تبليغ، دخلت قوة كبيرة من وزارة الدفاع مؤلفة من عشرات المركبات العسكرية الثقيلة الى المنطقة لإجبارنا على ترك منازلنا، رغم أن هذه البيوت لا علاقة لها بوزارة الدفاع بل تعود ملكيتها لوزارة الزراعة، هي في الأصل أراض زراعية تخص أهالي كركوك”.

ويبرر سكنه هناك بشكل غير قانوني، قائلا :”عندما عدنا من النزوح، حصلنا على 10 ملايين دينار كتعويض لتمكيننا من اعادة بناء حياتنا هنا، لكن المبلغ كان قليلا ولايكفي لبناء او شراء منزل، ونحن لم نكن نملك شيئا بعد حملات الأنفال والترحيل والقتل على الهوية، فاضطررنا للسكن في هذه البيوت التي أنشأها البعث في السبعينيات لضباطه الذين استقدمهم من مدن أخرى لتعريب المدينة وحماية نظامه”.

تحركات الجيش لإخلاء عقارات أو أراض زراعية، استندت الى كتب صادرة من ادارة كركوك، ففي 18 أيار 2020 اصدر محافظ كركوك بالوكالة، ونزولا عند طلب أحد شيوخ العشائر العربية في كركوك، أمراً الى القوات العسكرية بإخلاء المنازل التي يشغلها مواطنون كرد وصفهم الكتاب بالمتجاوزين، وإعادة اسكان مواطنين عرب مكانهم بوصفهم اصحاب الدور السابقين و”عرب كركوك الأصليين” الذين هجروا دورهم بعد 2003.

في وقت تقول فيه هيأة المناطق الكردستانية خارج الاقليم، انّ الأصحاب الحقيقيين لتلك الأراضي هم مواطنون كرد من أبناء كركوك تم تهجيرهم بقرارات من حزب البعث واسكان عرب مكانهم، وان المناطق التي أشار إليها المحافظ هي مناطق متنازع عليها ومشمولة بالمادة 140 من الدستور، وبالتالي لا يملك المحافظ الحق في تغيير طبيعتها من خلال عمليات اعادة توطين.

Image

وبحسب ناشطين كرد، لم تقتصر الضغوط الأمنية – الادارية ومحاولات “التغيير الديموغرافي” في محافظة كركوك على مركز المدينة، بل طالت القرى المحيطة بها أيضاً. فلأكثر من عامين قام الجيش بترهيب أهالي قريتي “توبزاوة” و”تركلان” جنوب غربي المدينة، حيث يشكّل سكانها مزيجاً من الكرد والتركمان. الجيش وبذريعة أنّ أراض هاتين القريتين تابعة لوزارة الدفاع، طالب الأهالي بتسليم نحو 4500 دونم وإخلاء المنطقة.

ساطع ناصح، أحد سكان قرية توبزاوة، يقول إنّ الجيش العراقي استولى حتى الآن على نحو 40 دونماً من أرضه، وبالمجمل حوالي 400 دونم من أراضي القرية. ويضيف: “الجيش يريد الاستيلاء على 4500 دونم من أراضي الكرد والتركمان في المنطقة بحجة إنشاء منطقة سكنية للجنود والضباط.”

ويعرض ناصح، وثائق “طابو عثمانية” تثبت ملكيته للأراضي الزراعية في القرية، مؤكداً: “نحن أهالي قريتي سرگران وتوبزاوة نملك سندات عثمانية رسمية تثبت أنّ هذه الأراضي ملك لنا، لكن في الثمانينيات استولى النظام العراقي بقرار من مجلس قيادة الثورة على جميع أراضينا وتم تهجيرنا إلى الرمادي”.

Image

ويضيف:”بعد سقوط البعث، عدنا إلى أراضينا وعملنا الزراعي، لكن الجيش يريد مرة أخرى ترحيلنا وانتزاع أراضينا على الرغم من الوثائق التي تؤكد ملكيتنا الأصلية للارض كتركمان وكرد”.

وينبه المزارع الكردي، أن ما يجري هو تطبيق عملي لسياسة التغيير السكاني، قائلا :”نحن نعلم أن هدف الجيش هو الاستيلاء على أراضينا ومن ثم تسليمها عبر عقود رسمية لعرب جُلبوا من خارج المنطقة.”

نجيب آغا، وهو فلاح تركماني من قرية توبزاوة، يقول إن أكثر من نصف أراضيه صودرت من قبل مقر قيادة عمليات كركوك، والآن يريدون الاستيلاء على الجزء المتبقي.

يضيف، بصوت حاد: “كنت أعمل في أرضي عندما جاء الجنود بالجرافات، قالوا لي سنقوم بتوسيع المقر العسكري وسندخل فقط مسافة ثلاثة أمتار الى الأرض، لكنهم كذبوا. لقد توغلوا أكثر من 150 متراً داخل أرضي وصادروا نصفها، والآن يريدون أخذ النصف الآخر.”

ويؤكد الفلاح: “هذه سياسة تغيير ديموغرافي، نحن أصحاب الأرض الأصليين ونملك أراضيَنا بوثائق طابو أسود، لكنهم يريدون الاستيلاء عليها باسم وزارة الدفاع، ثم تسليمها لاحقاً لأشخاص آخرين لا ينتمون للمنطقة.”

محاولات الجيش لمصادرة أراضي الكرد والتركمان تتناقض مع قرار مجلس الوزراء رقم 29 الصادر في كانون الثاني يناير 2012 والذي ينص على إعادة الأراضي إلى أصحابها ممن يملكون سنداتها الرسمية، كما يشير الفلاحون.

أحمد كركوكي، عضو مجلس محافظة كركوك، يقول: “بعد أحداث 16 أكتوبر، انتهجت سياسات لإقصاء الكرد من إدارة المحافظة، خطوة بعد أخرى، حيث جرى الاستحواذ على 80% من المناصب الإدارية والعسكرية في المدينة وتم التمييز بين الأحياء من حيث تقديم الخدمات.”

ويضيف عضو المجلس: “نحن كأعضاء في المجلس الحالي نريد تقديم الخدمة لجميع المكونات دون تمييز، أحداث الماضي أثبتت عدم امكانية تهميش أي مكوّن.. كركوك يجب ان تكون لجميع أبنائها، ومن غير المقبول تكرار سياسة التغيير الديموغرافي، فذلك لن يخدم أحداً”.

*انجز المادة تحت اشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية، ضمن مشروع “قريب” الذي تدعمه منظمة cfi.

المزيد عن تحقيقات استقصائية

تحقيقات استقصائية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":30548}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">