

مع خيوط الفجر الأولى، تجلس “أم غائب” بلباسها الجنوبي التقليدي، في مكانها المعتاد قرب مسجد القزازة في منطقة زيونة شرق بغداد لتبيع القيمر المحلي، ذو المذاق الفريد، والذي احترفت صناعته بيديها منذ أكثر من 25 عاماً.
لسنوات تَعَوَد زبائنها القادمون من أحياء قريبة، الحصول على مبتغاهم من “منتوجها الفاخر” كما يصفونه، حتى ساعات الصباح الأولى قبل ان ينفد آخر غرام منه. لكن الحال تغير اليوم، فما هي الا ساعة واحدة حتى تغادر السيدة حاملة صوانيها الفارغة، بينما يغطي الحزن ملامحها، وهي تعتذر للزبائن المتأخرين:”وليدي خلصنا اليوم..”.
منذ أن أتى الجفاف على أهوار الناصرية وميسان، وحول المراعي الطبيعية للجاموس الى أرض جرداء وبرك ضحلة بلا حياة، لم تنجح “أم غائب” في تأمين حاجة زبائنها وانتاج الكميات التي اعتادت عليها من “القيمر” الذي لا يكتمل فطور الصباح لدى عوائل كثيرة من دونه خاصة في المناسبات، رغم سعره المرتفع.
خلال الأشهر الأخيرة باتت السيدة تنتج وتبيع أقل من نصف الكمية التي كانت تبيعها في الماضي. “عطش الحلال (الجاموس) لم يعد يوفر كميات الحليب التي نحتاجها”، تقول ذلك بعينين حائرتين وهي تهز برأسها بينما تشير بيديها الى وعاء فارغ لم يبق في جوفه سوى بضع قطرات من الحليب.
في ذلك الصباح، عاد الموظف الأربعيني “مشتاق طالب”، وهو أحد زبائن “أم غالب” المعتادين، خائبا الى أطفاله، واضطر الى شراء القيمر المعلب ليقدمه على الإفطار. يقول كنت قد وعدتهم بإفطار عراقي خاص، لكني لم أجد غير هذا المستورد.
يواجه العراق أزمة جفاف غير مسبوقة تُعَدّ الأسوأ منذ أكثر من 90 عاماً، نتيجة تراجع معدلات سقوط الأمطار والايرادات المائية التي تصل من دول الجوار وبشكل خاص عبر نهري دجلة والفرات. وهو ما دعا وزارة الموارد المائية الى التحذير من تداعيات خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ومن ضمنها مناطق الأهوار.
وذكرت الوزارة في بيان أن هذا العام هو الأكثر جفافاً منذ العام 1933، مبينة أن إيرادات نهري دجلة والفرات وصلت إلى 27% فقط مقارنة بالعام الماضي، وأن مخزون المياه في السدود والخزانات انخفض إلى 8% من قدرتها التخزينية بنسبة تراجع بلغت 57% عن العام الماضي.

الأهوار في أسوأ حالاتها
تراجع الايرادات المائية، جعلت الأهوار تعيش أسوأ حالاتها منذ إعادة إنعاشها في العام 2003 وحتى اليوم، رغم المحاولات الحكومية لمنع جفافها بشكل كامل وفقدان تلك البيئة الطبيعية الفريدة بتنوعها الحياتي المميز.
“مناسيب المياه قلت بنحو غير مسبوق، حتى وصلت نسبة إغمار المياه حالياً الى أقل من 15% من المساحة المخططة لعام 2005 والتي كانت تقدر بـ 5600 كيلومتر مربع”، يقول جاسم الأسدي، المدير التنفيذي لمنظمة بيئة العراق.
الأهوار، وهي مساحات مائية تمتد على عدة محافظات في الجنوب العراقي، قامت على ضفافها “الحضارة السومرية”، أول حضارة في التاريخ الإنساني، أنتجت المدن الأولى في العالم، وعلمت البشرية التدوين اللغوي، وتركت تراث إنساني وثقافي مميز. تم تجفيفها على يد نظام صدام حسين في تسعينيات القرن المنصرم، لأسباب أمنية، ليعاد غمرها بالمياه بعد سقوط النظام عام 2003.
الأسدي، الذي يسكن في قضاء الجبايش بمحافظة ذي قار، المعروف بأهوارها، يقول أن ما تبقى حالياً هو مجرى المياه العميقة، فالجفاف طال أغلب البحيرات مثل بركة البغدادية والحمار الغربي في الأهوار الوسطى، وأم النعاج في أهوار الحويزة بمحافظة ميسان.
ذلك الانحسار غير المسبوق للمياه، والذي تراكم خلال السنوات الثلاث الأخيرة نتيجة تراجع الامدادات المائية المغذية للمنطقة، أجبر مئات العوائل التي كانت تعيش في الأهوار على الرحيل عنها، بعد ان فقدت مصادر دخلها الى تعتمد على المياه، سواء بالصيد او تربية الجاموس الذي لا يمكنه العيش دون مياه.

نهاية اقتصاديات المياه
منذ إعادة الحياة للأهوار بدعم محلي وتشجيع دولي، شهدت تلك المناطق مواسم جفاف قاسية في الأعوام 2009 و2015 و2018، لكنها لم تكن تمتد غير سنة واحدة ثم تأتي بعدها أعوام رطبة بمستويات أمطار جيدة تعيد الحياة للأهوار. لكن الوضع اختلف خلال السنوات الأخيرة فمواسم الجفاف توالت ودخل الجفاف موسمه الخامس، مما ترك وضعا كارثيا في الاقتصاد المحلي للسكان، حسب قول الأسدي.
سكان الأهوار يعتمدون بصورة كبيرة على المياه في حياتهم، ويعتاشون بشكل رئيسي على تربية الجاموس وصيد الأسماك، ومع انحسار المياه وجفاف مناطق واسعة وارتفاع نسبة الملوحة في المياه الباقية خسر سكان الأهوار نحو 33% من قطعان الجاموس بحسب منظمة طبيعة العراق، المعنية بحماية الأهوار، في حين خسرت أكثر من 95% من ثروتها السمكية.
وطالب الأسدي، الجهات الحكومية بدعم مربي الجاموس، إذ انخفضت أسعار حيواناتهم نتيجة زيادة كلفة تربيتها، فغياب المراعي الطبيعية أجبرهم على شراء الأعلاف الصناعية، وارتفاع ملوحة المياه دفعهم إلى شراء المياه الصالحة لشرب الحيوانات عبر السيارات الحوضية.
وأوضح أن كل هذه الأسباب أدت إلى نفوق اعداد كبيرة منها، والى نحول أجسام الجاموس عموما وانتشار الأمراض، وانخفاض إدرار الحليب من ستة لترات إلى لترين أو أقل، مما تسبب في قلة إنتاج مشتقات الحليب كالقيمر واللبن.
وتشير إحصائية منظمة طبيعة العراق إلى وجود ما يقارب 27 ألف رأس من الجاموس في الأهوار الوسطى قرب قضاء الجبايش.

آثار بيئية
لم تقتصر أضرار جفاف الأهوار على البيئة المحلية واقتصاد سكانها فحسب، بل كان له أثر بيئي أوسع شمل كل المناطق المحيطة بالأهوار، حسب قول الباحث البيئي خالد سليمان.
وذكر أن الجفاف تسبب بخسارة المسطحات المائية الضحلة، التي كانت تعمل كمرطب للأجواء في جنوب العراق وتخفّض درجات الحرارة هناك.
وفي اشهر تموز وآب تتصدر المدن المحيطة بمناطق الأهوار قائمة المدن الأعلى بدرجات الحرارة عالمياً، ففي يوم 13 تموز 2015 كانت مدينة البصرة في المركز الأول، والناصرية – مركز محافظة ذي قار – في المركز الثالث، والعمارة – مركز محافظة ميسان – خامسة عالمياً.
كذلك تسبب جفاف الأهوار بغياب المساحات الخضراء الواسعة مثل القصب والبردي، والتي كانت تساهم بفضل عملية البناء الضوئي في التقاط ثاني أوكسيد الكربون من الأجواء وطرح الأوكسجين، مما يسهم في تقليل ظاهرة الاحتباس الحراري ومعالجة آثار التلوث الناتج عن المنشآت النفطية في جنوب العراق.
وتقع بالقرب من الأهوار، حقول ومنشآت نفطية مثل حقل صبة في
قضاء الجبايش، وحقول البزركان وأبو غرب والفكة في محافظة ميسان، وهي منطقة تتقاطع مع مساحات من الأهوار ويقول مراقبون بيئيون ان المشاريع النفطية في تلك الحقول بدأت تؤثر بدورها على بيئة المنطقة وهي تزيد من معدلات تلوث الهواء والتربة فضلا عن تأثيرها بعيد المدى على الجفاف.
وتعد الأهوار موطنا للعديد من الكائنات المائية، وجفافها يعني أن تفقد تلك الحيوانات موطنها، كما هو حال حيوان “كلب الماء ذو الفراء الناعم” المعروف محلياً بـ “جليب المي”، وكذلك بعض الطيور المهاجرة، حسب قول خالد سليمان.
وتحتاج الحياة الطبيعية إلى سنوات لكي تعيد بناء نفسها من جديد في حال توفر المياه وإعادة غمر المساحات التي جفت بالمياه، وهذا ما يدفع النشطاء البيئين الى التأكيد على اهمية الحفاظ على مساحات ثابتة من الأهوار من خلال جهد وطني.
يقول جاسم الأسدي، ان على الحكومة العراقية الحفاظ على مساحات الأهوار من خلال “الإدارة السليمة لملف المياه في البلد” وضمان كميات مياه ثابتة تتدفق عليها لإدامة الحياة فيها، خاصة مع أهميتها العالمية كونها مصنفة كجزء من التراث العالمي.
ودخلت الأهوار قائمة التراث العالمي عام 2016 بناءً على تنوعها الإحيائي، حيث وافقت لجنة التراث العالمي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بالإجماع على وضع الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي كمحمية طبيعية دولية.
آثار التغير المناخي بما حمله من جفاف، لا تقتصر على مناطق الأهوار وعلى البيئة الطبيعية وحياة السكان هناك، وان كانت هي الأكثر وضوحا، ففي ديالى حيث تراجعت كميات المياه الواردة من ايران بسبب قيام الأخيرة ببناء سدود وتحويل مجرى المياه الى داخل اراضيها، جفت الكثير من المسطحات المائية والجداول الصغيرة التي تغذي نهر ديالى، ما أثر على حياة سكان العديد من القرى التي تعتمد على تربية الجواميس.
يقول جميل حسن (68 عاما) وهو مدرس متقاعد من بعقوبة مركز محافظة ديالى، اعتادت عائلته ان تتناول كل يوم جمعة وجبة فطور عراقية يزينها القيمر المحلي “أنا اعرف الكثير من بائعات القيمر، اعرف الأماكن التي يقصدنها لعرض منتوجهن،واحرص على الشراء منهن بشكل مباشر”.
يضيف، وهو يجر نفسا عميقا، بينما ترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيه :”عملهن لم يعد كالسابق، الانتاج قليل والأرباح باتت شحيحة. أشعر بالحزن عليهن فهن يُعِلن عوائل كثيرة. ربما بعد فترة سيخسرون عملهن الى الأبد، ونحن سنخسر طعم القيمر العراقي الذي لا يضاهى”.
هذا التقرير معدّ كمشروع تخرج من دبلوم صحافة المناخ الذي تنظمه مدرسة المناخ بالتعاون مع غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشبكة الصحفيين الدوليين.
المزيد عن تقارير سردية
تقارير سردية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":30214}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">

















