“المنطقة الصناعية بكواشي في دهوك” تمدد خارج الضوابط البيئية على حساب حياة السكان ومواردهم الزراعية
رغم اغلاق بعض منشآتها الأكثر تلويثاً للبيئة، تنتظر المنطقة معالجات جذرية تنهي تداعيات تلوث المياه والتربة وتعيد الحياة للحقول الزراعية
رغم اغلاق بعض منشآتها الأكثر تلويثاً للبيئة، تنتظر المنطقة معالجات جذرية تنهي تداعيات تلوث المياه والتربة وتعيد الحياة للحقول الزراعية

طوال 15 عاما كانت أدخنة مصانع المنطقة الصناعية في كواشي (25 كم شمال مدينة دهوك) تتصاعد مُشكلةً سحباً ملوثة تمتد بسمومها إلى القرى والتجمعات السكانية المحيطة على بعد عدة كيلومترات، فيما تتسرب المخلفات السائلة دون معالجة الى التربة وتختلط بالمياه الجوفية ملوثة مساحات شاسعة من الأراضي، ومهددة صحة الآلاف من سكان المنطقة ومحيطها.
في قرية كواشي المحاذية للمنطقة الصناعية، يعاني أفراد من عائلة “سهام عمر” (45 عاما) وهي ربة بيت وأم لخمس أطفال، من مشكلات في الجهاز التنفسي بما فيها الربو واحتقان مزمن في الحنجرة، نتيجة ملوثات المنشآت الصناعية التي تحاذي قريتها.

“الأطفال يعانون باستمرار من الأمراض.. أشعر بالعجز حيال ذلك”، تقول بكلمات متقطعة وهي تحتضن أصغر أطفالها بعد ان أخذته نوبة سعال.
تضيف السيدة التي يعمل زوجها في مهنة الصباغة:”نحاول توفير العلاج لهم، لكن تكاليفها عالية ودخلنا محدود”.
تسير سهام مع أطفالها يوميا إلى المدرسة التي تبعد 400 متر فقط عن المنطقة الصناعية التي تأسست منذ 20 عاما، وتلاحظ كيف أن بقية الأطفال يعانون من ذات الأعراض “لم يعد بإمكانهم اللعب في الأرجاء وبين الحقول كما كنا نفعل في الماضي”، تقول وهي تتذكر كيف كانت حياتهم قبل أن يغيّر “التلوث” كل شيء.
بعد عشرات الشكاوى وسنوات من محنة العيش في محيط من الملوثات نتيجة أنشطة ومخلفات مصافي نفطية بدائية، جاء قرار حكومي في مطلع العام 2025 بايقاف عمل المنشآت غير المرخصة، وهو ما “خفف من معدلات التلوث وانقذ السكان من أثر الروائح الكريهة، وشكل أملا باستعادة حياتهم المفقودة”.
لكن المخاطر ماتزال كامنة في التربة والمياه، كما ان القلق يسود من عودة ذات المنشآت المخالفة للمعايير البيئية الى العمل مجددا، وهو أمر تكرر في السنوات السابقة.
يقول (أ.م) وهو أحد سكان كواشي: “نأمل أن يكون هذا التوقف نهائيا وأن لا تعود تلك المصافي إلى العمل مجددا، فقد توقفت في مرات سابقة لأسابيع وشهور ثم عادت بعد ذلك للعمل وتلويث حياتنا”.
يوثق هذا التحقيق، كيف حوّلت المنطقة الصناعية بكواشي حياة السكان في محيط يمتد لأكثر من عشر كيلومترات إلى معاناة لاتنتهي بسبب تلوث الهواء بما يحمله من مخاطر صحية، وتلوث التربة نتيجة مخلفات الأنشطة الصناعية التي دمرت الأراضي الزراعية وأثرت على الثروة الحيوانية، الى جانب التلوث السمعي والروائح الكريهة.
في 14 كانون الثاني 2025، أصدرت إدارة محافظة دهوك قرارا بإغلاق 12 مصفى غير مرخص في المنطقة، كاستجابة لمطالبات متكررة قدمها الأهالي ومنظمات مدنية، ومع تزايد مؤشرات ارتفاع معدلات الاصابة ببعض الأمراض بما فيها الإصابات السرطانية.
القرار انعكس سريعا بشكل ايجابي على هواء المنطقة، بحسب السكان المحليين، رغم استمرار بعض الآثار البيئية فيما يتعلق بالتربة والمياه ورائحة المواد الكيميائية التي ما تزال موجودة، لكن مصدر القلق الأكبر للسكان يأتي من عدم حصول تفكيك للمنشآت الصناعية التي أوقفت عن العمل، وعدم قيام أصحابها بتغيير نشاطها او اجراء معالجات جذرية تنهي آلية عملها السابقة المدمرة للبيئة.
في العام 2005 ومع منح مديرية التنمية الصناعية التصاريح اللازمة لجعل منطقة كواشي منطقة صناعية، وتخصيص البلدية مساحة 2200 دونم لها في قلب منطقة تعرف بأراضيها الزراعية الخصبة، شهدت المنطقة نشاطا متزايدا وسريعا بافتتاح العديد من المصانع وفي مختلف القطاعات، في وقت توسعت مدينة سميل المجاورة كما مدينة دهوك القريبة، وباتت روائح مخلفات المصانع تختلط بهواء بعض أحياء المدينتين.
ونتيجة غياب التخطيط الصناعي الفعّال والمتابعة من قبل الجهات المعنية، كما يقول باحثون، تم توطين صناعات متنوعة دون دراسة دقيقة، بعضها معروفة بمخلفاتها الملوثة للبيئة، كالمصافي، الى جانب الصناعات الانشائية والأسمنت والحديد، فضلا عن الصناعات الغذائية، وهي مصانع تختلف من حيث نوعية العمل والإنتاج، والطاقة المستخدمة، وحجم الانبعاثات والنفايات التي تطرحها.
وخلال عشر سنوات، حوّلت بعض المصانع التي حصلت على تراخيص محددة للعمل، نشاطها من إنتاج الإسفلت أو الصناعات الإنشائية إلى إنتاج الكازويل ومواد اخرى باستخدام مصافي بدائية وبشكل غير قانوني، ليصل عدد هذه المصافي الى ستة واربعين مصفى في غضون ثلاث سنوات، وفقا لمعلومات بلدية سميل.
وقد أدى هذا التحول لإطلاق كميات كبيرة من السموم في البيئة، ولم يقتصر الأثر على كواشي فقط، بل امتد ليشمل العديد من القرى والبلدات المحيطة.
مالك أحد المصافي البدائية غير المرخصة التي تم اغلاقها، والذي شدد على عدم ذكر اسمه، قال انه قدم طلباً للحصول على ترخيص لإنشاء مصنع الأسفلت في بداية انشاء المنطقة، وحصل على الترخيص. وكما هو الحال مع مالكي المصافي الأخرى قام لاحقا بتحويل نشاطه إلى إنتاج الكازويل.
ذلك التحايل على اصل الترخيص الممنوح، استمر لسنوات في ظل ضعف الرقابة، وكان الإنتاج من الكازويل رديء النوعية يجد طريقه للأسواق فيما مخلفات تلك المنشآت تدمر البيئة المحيطة.
شهدت سنوات العمل تلك، فترات توقف قصيرة، وقامت الحكومة المحلية بسحب التراخيص منهم وفرضت غرامات وعقوبات لأكثر من مرة، ووصل الأمر إلى توقيع تعهد بعدم مزاولة تلك الأعمال، دون ان يتوقف العمل فعليا وبشكل نهائي، حتى قرار الإغلاق الأخير الذي صدر في منتصف كانون الثاني من العام 2025.
في قرية باسطكي، المجاورة لكواشي، تعيش حليمة، 48 عامـا، ربة بيت وأم لثلاثة أطفال، أكبرهم في الخامسة عشرة، عانت في العام 2024 من آلام في معدتها. في البداية اعتقدت أنها نتيجة نظام غذائي غير صحي.
مع مرور الوقت تفاقمت الآلام، واضطرت معها الى زيارة العديد من الأطباء لتشخيص مشكلتها، وبعد أسابيع من خضوعها لفحوصات شاملة وناظور للمعدة، أعلمها الطبيب بأنها مصابة بورم سرطاني في المعدة.
“تجمدت لحظتها.. شعرت كأن الأرض انزلقت من تحت قدمي، وأني محاطة بظلام كثيف.. من يومها تغير كل شيء في حياتي”، تقول حليمة التي بدأت رحلة علاج كيمياوي في مستشفى دهوك العام.
تؤكد السيدة، انها الوحيدة في عائلتها التي تعاني من هذا المرض، وانه لا تاريخ وراثي له في عائلتها، وتضيف :”اصابتي لم تكن حالة استثنائية، فمع كل زيارة للطبيب، كنت أسمع قصص عن انتشار السرطان”.
وفقاً لناشطين مدنيين، تزامنت زيادة حالات الإصابة المسجلة بالأمراض التنفسية والجلدية والسرطانية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع معدلات التلوث الناتج عن تزايد المنشآت في المنطقة الصناعية، مما أثار القلق بشأن صحة السكان وجودة حياتهم.
في وقت أظهرت احصاءات رسمية (وان لم تكن شاملة لأن العديد من المرضى يسعون للعلاج في دول أخرى) زيادة في اعداد الاصابات السرطانية في دهوك، بعد العام 2014 وفي السنوات اللاحقة، عدا 2020 و2021 حين شهدت البلاد ازمة كورونا التي منعت الكثير من المرضى من مراجعة المستشفيات لتشخيص أمراضهم خوفا من الفيروس.

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء في العراق
وتظهر أرقام الجهاز المركزي للإحصاء في العراق خلال الفترة من 2013 الى 2024، ارتفاعا في دهوك لحالات الاصابة من 486 في عام 2013 إلى 1217 حالة نهاية عام 2024، وهي زيادة تزامنت مع ارتفاع مستويات التلوث البيئي الناتجة عن الانبعاثات الصناعية لنحو 50 مصفى معظمها بدائية ومخالفة للتعليمات والضوابط البيئية.
وأظهرت النتائج المستخلصة من تحقيق استقصائي للصحفي صلاح بابان، نشر على منصة “نيريج” عبر تحليل بيانات عينة من 50 مصاباً بالسرطان في إقليم كردستان أن 96% من هؤلاء الأفراد يعيشون بالقرب من حقول ومصافي نفطية.

وفقا لاحصائيات بلدية سميل، فإن منطقة كواشي الصناعية تشمل ما يقارب الـ 200 مصنعاً تعمل في مجالات الصناعات الإنشائية التي توفر المواد اللازمة للبناء، والصناعات الغذائية والبلاستيكية والمعدنية والخشبية والكيميائية والورقية والنسيجية. كما تضم المنطقة الصناعات المتخصصة في تكرير النفط، والصناعات الكهربائية، وصناعات الدباغة، فضلا عن الصناعات شبه الفلزية التي تتعامل مع المعادن غير الحديدية.
يظهر هذا التوزيع لتوطين الصناعات في المنطقة، ضعف التخطيط الصناعي وعدم مراعاة الشروط البيئية اللازمة، فغالبا ما يتم إنشاء المصانع دون تقييم شامل للآثار البيئية المحتملة.
وتلزم القوانين والتشريعات البيئية مراعاة المسافة بين المناطق الصناعية والتجمعات السكنية. يشير الدكتور إبراهيم خشمان، تدريسي في جامعة دهوك في مجال التنمية الصناعية، إلى أن مستويات التلوث الصناعي في منطقة كواشي تتحدد وفق النظام التصنيفي الوارد في تعليمات المحددات البيئية لإنشاء المشاريع ومراقبة سلامة تنفيذها رقم 3 لسنة 2011 والتي رسمت بموجبها المتطلبات البيئية لتحديد الصناعات موقعيا حسب درجة تلوثها.
ويلفت الى أن كل صنف من الصناعات يخضع لمحددات موقعية وفقاً للتصنيف الصادر من دائرة صحة وتحسين البيئة التابعة لوزارة الصحة في الحكومة العراقية، والتي تُستخدم كمعيار لتحديد درجات التلوث الصناعي والتي يتم تقسيمها الى:
1. الصنف (أ): الصناعات المسببة لدرجة كبيرة من التلوث.
2. الصنف (ب): الصناعات المتوسطة التلوث.
3. الصنف (ج): الصناعات قليلة التلوث.
ووفقا للشروط والضوابط البيئية التي تحدد التوطن الصناعي في العراق، تُحدّد المسافات المطلوبة بين أماكن وجود الصناعات وبين المناطق السكنيةـ حيث تتطلب الصناعات المدرجة ضمن الفئة (أ) ومن بينها المصافي ومكبات طمر النفايات، أن تكون على بعد لا يقل عن 15 كيلومترا من المناطق السكنية خارج حدود البلدية. أما بالنسبة للصناعات ضمن الفئة (ب)، فتتراوح المسافة المطلوبة ما بين 3 كيلومترات إلى 500 متر حسب نوع النشاط ودرجة الانبعاثات والتلوث. وبالنسبة للصناعات من الفئة (ج)، فإن المسافة تتحدد وفقا لنوع النشاط، وتتراوح بين 250 و500 متر.
وحسب” خشمان”، تصنف الصناعات الإنشائية والنفطية ضمن الصنف (أ) ، حيث تضم منطقة كواشي 36 مصنعاً ضمن هذا الصنف، مثل وحدات صناعة الأسمنت والأسفلت. وتتضمن المنطقة أيضا 34 مصنعاً ضمن الفئة (ب) الملوثة. في حين أن غالبية المصانع تقع ضمن الفئة (ج) قليلة التلوث.

ومع توزع كل تلك المنشآت عالية التلوث، ونتيجة الأثر البيئي الكبير لها، يلاحظ في خارطة التوزيع الجغرافي، أن منطقة كواشي من أكثر المناطق الصناعية تلوثا في قضاء سميل، ويّشار إليها باللون الأحمر.

المصدر : رئاسة بلدية سميل
التلوث السمعي مشكلة أخرى
في المنطقة الصناعية في كواشي، لا تنقطع الضوضاء التي تحدثها حركة الصهاريج والشاحنات التي تمر على مدار الساعة، مسببة الازعاج المستمر للسكان، خاصة مع تداخل أصواتها مع أصوات مولدات الكهرباء.
ويشكو العديد من السكان من ذلك، مشيرين الى انهم بسببها يواجهون اضطرابات في النوم، وضعفا في القدرة على التركيز.
يقول الطبيب سالم أحمد، معلقاً على ذلك، ان الضجيج المستمر، لا يؤثر فقط على الصحة النفسية، بل يعيق أيضا الحياة الاجتماعية، حيث يجد الناس صعوبة في التفاعل مع بعضهم البعض أو الاستمتاع بلحظات هادئة في منازلهم، وهو أمر ضروري لصحة الجسم.
في قرية كواشي، يعيش “محمد يونس”، البالغ من العمر 38 عاما، مع عائلته في بيت صغير قريب من الشارع الرئيسي. يقول: “منذ سنوات، أصبحت أصوات الصهاريج وسيارات الشحن التي لا تهدأ ليل نهار، جزءاً من روتين حياتنا اليومية.. ومع الوقت تحولت بالنسبة لي إلى كابوس تشعرني بإرهاق دائم”. ويتابع وهو يبتسم: “أستيقظ كل صباح وكأن هنالك معركة في الجوار”.

تذكر الباحثة “زيان سليمان” التدريسية في جامعة دهوك، أن الوحدات الصناعية في منطقة كواشي تشترك في إطلاق العديد من الملوثات الخطرة على التربة والمياه، مثل المذيبات والأملاح والزيوت.
وتوضح :”تترك الصناعات الإنشائية ملوثات عديدة تشمل الـ(فلوريدات، فورمالديهايد، هكسان، فينول، وتولوين)، بالإضافة إلى المياه الملوثة بمخلفات الأسمنت بأنواعه، فيما تساهم التسربات والانسكابات الناتجة عن الصناعات النفطية في تفاقم الوضع، ومن هنا تتعرض التربة لمخاطر جسيمة”.
وتضيف الباحثة أن النشاط الصناعي المتزايد والمتراكم يلعب دوراً كبيراً في زيادة المخلفات بأنواعها بما في ذلك الخطرة، مما يحمل تأثيرا جسيما على صحة الإنسان بشكل خاص، وعلى الهواء والتربة والنبات والحيوان بشكل عام، منبهة الى ان صناعة تكرير النفط والصناعات الكيميائية والمعدنية كلها تنتج مخلفات خطرة غالبا ما يتم التخلص منها بطمرها في باطن الأرض.
وتحذر سليمان:”تؤدي عملية الطمر تلك الى إلحاق ضرر كبير بالبيئة، حيث يتم ذلك دون معالجة فعّالة ميكانيكياً أو كيميائياً داخل المصنع”.
وفي هذا الاطار خلصت دراسة للباحثين روناك عبد العزيز ومصطفى اسماعيل، من كلية الهندسة الزراعية في جامعة دهوك، انجزت في العام 2022، إلى أن التسريبات الملوثة لمصافي النفط البدائية والمصانع قد وصلت إلى المياه الجوفية في بعض القرى الواقعة أسفل منطقة كواشي الصناعية.
تحتوي المياه العادمة لمصافي النفط البدائية أيضا على مجموعة واسعة من المركبات العضوية “الأليفاتية”، وهي مركبات عضوية بسيطة تتكون من سلاسل كربونية مستقيمة أو متفرعة توجد عادة في مشتقات النفط، الى جانب المركبات العطرية وهي مركبات كيميائية اكثر تعقيدا تحتوي على التولوين وتعد أكثر سمية وقد تكون مسرطنة.
وتؤدي المركبات التي تحتوي على سلاسل كربونية (الأليفاتية) إلى مشكلات في التنفس، وتسمم الكبد والكلى. أما المركبات العطرية فقد تسبب التسمم المزمن وتزيد من خطر الإصابة بالسرطان، خاصة سرطان الدم، كما قد تؤثر هذه المواد على الجهاز العصبي والدم، مما يجعل التعرض المستمر لها تهديدا للصحة العامة.


ويُنبه الباحث فرهاد علي هاشم في دراسة بحثية عن تأثير التلوث والتسرب الناجم عن مصافي النفط في منطقتي نزاركي وكواشي في دهوك، الى أن انسكاب النفط يؤدي إلى انخفاض درجة حموضة التربة، وزيادة نسبة النيتروجين الكلي، ونسبة الكربون العضوي الكلي، بالإضافة إلى ارتفاع تركيزات الرصاص والحديد في المنطقة الملوثة. ويشير الى تزايد خطر المعادن الثقيلة مع مرور الوقت نتيجة انسكاب النفط الخام، خاصة عند حصوله في الأراضي الزراعية.
الأثار الخطيرة لمصادر التلوث تلك، لا تتوقف على البشر والتربة وإنما تتعدى إلى الحيوانات أيضا وهذا ما يؤكده الباحث عبدالعزيز اسماعيل، مبينا ان الإنبعاثات والتسربات الخطرة التي لا تتم معالجتها سريعا وبشكل يومي وفق المتطلبات البيئية، تتسبب في تلوث بيئة رعي الأغنام.

ووفق الدراسة التي اجراها الباحث، فان مجاري رئيسية للمخلفات السائلة للمصانع تنشأ وتنحدر إلى “سهل سليفاني ومنطقة دوبان” الشهيرة بانتاج القمح ورعي الأغنام، وتصل تلك المخلفات في النهاية إلى سد الموصل.
ويتوثق الباحث تأثيراً ملحوظاً على موطن ونشاط 15 الف رأس من الأغنام، إذ أن ندرة الموارد المائية في هذه السهول، خاصة في فصل الصيف، تُجبر الأغنام على شرب هذه الملوثات الخطرة، مما ينقلها عبر سلسلة الغذاء إلى الإنسان.
تؤثر الملوثات أيضاً على معدل تكاثر الأغنام وعلى معدل نفوقها، حيث تحدث حالات إجهاض تصل الى 100 حالة سنويا خلال فترة الحمل، الى جانب تعرض الأغنام لأمراض مختلفة كالصرع والتهاب العيون وتدهور الرؤية، مشيرا الى تشخيص اصابة نحو 50 رأس من الغنم في قرية واحدة بإلتهابات في العيون.
كل يوم يبدأ (س.ع) (34 عاما) صباحه على صخب الآلات ومزيج روائح أكوام النفايات والمواد الكيميائية، فهو يعمل لساعات في معمل لفرز النفايات بالقرب من كواشي، ويفرض عليه عمله التعامل المباشر مع مختلف أنواع النفايات، بعضها خطرة.
هو أحد سكنة القرية، ورغم صعوبة أجواء العمل ومخاطرها، لكنه مضطر للاستمرار في عمله كما في الابقاء على سكنه الحالي قرب مصادر التلوث تلك، يقول: “الانتقال الى مكان آخر وعمل آخر، صعب جدا… لا أحد يريد شراء بيتي، ثم أين سأجد مكاناً يضم عائلتي وبسعر رخيص؟”.
في معمل فرز النفايات، تتم معالجة ما بين 300 إلى 500 طن من النفايات المنزلية والصناعية يومياً. وتحدث هذه العمليات تلوثا في المياه والتربة نتيجة صرف المخلفات المتبقية الى الأرض، علاوة على إطلاق غازات دفيئة مثل الميثان وكبريتيد الهيدروجين.
تم إنشاء ثلاث قنوات لصرف مخلفات هذه النفايات الصناعية، واحدة تتجه نحو الطريق الدولي الرابط بين زاخو وتركيا، واثنتان تشكلان قنطرة رئيسية تصل إلى مياه سد الموصل، الذي يبعد 25 كيلومترا.
تأثرت عشرات القرى بهذه النفايات، بما في ذلك ( كواشي، مقبلة، مارينا، باتيل، باستكى، كيرراش، كردير، ملا حسن، ميسيريك، سايدزار، وقرية كريكاور) التي تقع على جانبي هذه القناة، وتغطي منطقة الرعي الرئيسية. يعتمد معظم السكان في هذه القرى على تربية الأغنام ورعيها مما يزيد من المخاوف بشأن تأثيرها على الصحة.
ووفقا لمصدر حكومي طلب عدم كشف اسمه، تقدم أهالي قرية مارينا، التي تبعد 7 كيلومترات عن المنطقة الصناعية، بشكوى إلى الجهات المعنية بسبب تلوث المياه الجوفية في قريتهم. بناء على ذلك، تم تشكيل لجنة مختصة أظهرت متابعتها أن “الملوثات الناتجة عن مكب فرز النفايات تتجه عبر مسار معين نحو أراضي القرية”.
لمعالجة المشكلة، تولت شركة أجنبية، حفر بئر لطمر المخلفات ومنع وصولها إلى القرية، كحل مؤقت ومن دون علم الجهات الحكومية. ومع ذلك تفاقم الوضع بسبب تشكل مياه راكدة واختلاط ملوثاتها بالمياه الجوفية. لاحقا وكأحد أوجه المعالجة السريعة، تم تحويل هذه المياه من راكدة إلى جارية لتخفيف حدة المشكلة.

أثر التلوث الناجم عن المناطق الصناعية بشكل مباشر على قيمة العقارات في المناطق المحيطة، سواء المباني السكنية أو الأراضي الزراعية، كنتيجة مباشرة لانبعاث الأدخنة وطرح المواد الكيميائية، وفقا لفهمي كيكاني، صاحب مكتب لبيع وشراء العقارات.
يقول كيكاني ان القيمة السوقية للعقار منخفضة هنا، والمساكن عموماً تُباع بأقل من نصف قيمتها الأصلية، فالمنزل الذي يُقيّم ب 60 ألف دولار، لا يباع إلا بنصف هذا المبلغ، كذلك الحال بالنسبة للأراضي الزراعية المجاورة للمناطق الصناعية، والتي يكون الاستثمار فيها ضعيفا خاصة مع وجود تحذيرات حول سلامة تربتها، وهو ما يشكل خسارة مالية كبيرة.
ويشير الى ان الوضع قد يتحسن اذا تأكد الناس أن عمل المصانع سيخضع للمعايير البيئية ولن تحصل تجاوزات. والى ان يتحقق ذلك فان أسعار العقارات ستظل دون معدلاتها في باقي المناطق، ومن يفكر بالرحيل لأي سبب كان سيصعب عليه بيع عقاره وايجاد آخر بسعر قريب.
وفقا لاحصائيات دائرة المنظمات غير الحكومية، يضم إقليم كردستان أكثر من 400 منظمة معنية بالشأن البيئي، تعمل جميعها تحت شعار حماية البيئة. ورغم هذا العدد الكبير، يبقى الحراك المجتمعي عموماً غائباً عن جهود التصدي للتدهور البيئي.
يقول هكار ريكاني، المؤسس والمدير لمنظمة (YAKDAR) لحماية البيئة في دهوك، إن “المواطنين يعانون بشكل حقيقي من الآثار الصحية والبيئية التي تسببها بعض المنشآت الصناعية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار ما يحدث أمراً طبيعياً”.
وينبه ريكاني الى تداعيات عدم اثارة مثل هذه الملفات: “الناس يصمتون عن المشكلة، والسلطات لا تبادر بأخذ خطوات حاسمة لإنهاء مصادر التلوث بشكل تام”، معربا عن اعتقاده بأن بعض شخصيات المجتمع المحلي يمتلكون حصصا في تلك المصانع، بينما تستفيد السلطات من الضرائب المفروضة عليها “ما يخلق شبكة مصالح تُبقي الوضع كما هو عليه”.
وتطرق ريكاني إلى الصعوبات التي يواجهها النشطاء البيئيون لتحديد تحركاتهم اعتمادا على توفر البيانات البيئية الدقيقة، مبيناً: “لا توجد دراسات علمية متخصصة كافية حول منطقة كواشي، لكن من خلال ازدياد حالات الإصابة ببعض الأمراض كالسرطان، بحسب شهادات الضحايا، نستطيع أن نستدل على مدى التأثير السلبي لهذه المصانع على صحة السكان”.
يسترسل ريكاني: “تلقيت شخصياً العديد من الشكاوى من سكان المناطق المحيطة بكواشي، سواء عبر المنصات الإلكترونية أو خلال الفعاليات التي أقمناها، غالبية الشكاوى تدور حول الروائح الكريهة المنبعثة من المصانع، خاصة خلال ساعات الليل حيث تعمل المصانع بوتيرة أعلى”، مؤكدا أن أصحاب المصانع يعرفون “حجم الضرر الذي تسببه بعض نشاطاتهم الصناعية سواء على العاملين أو على السكان المحيطين، ومع ذلك لا يتخذون أية إجراءات للحماية”.
في اطار عملها، قامت منظمة YAKDAR بعدة مبادرات للحد من تأثير التلوث، شملت زراعة الأشجار في المناطق المجاورة لكواشي، وحملات توعية لحث المواطنين على الابتعاد عن المناطق الملوثة. وهي تخطط، بحسب مسؤوليها، وبالتواصل مع الجهات الحكومية، لإدامة الضغط من أجل استمرار إغلاق تلك المصانع، وايجاد حلول مشتركة لتخفيف باقي مصادر التلوث.
يؤكد الناشط البيئي “بختيار زيباري”، انه وزملاءه بذلوا جهدا كبيرا للتوعية بمخاطر التلوث، بما فيه انتاج فيديوهات وتقديم ورشات توعوية للعاملين في المصانع والمصافي لتثقيفهم بكيفية حماية أنفسهم من التلوث في بيئة عملهم الخطرة.
في هذا الصدد، يُركز الناشط البيئي دلشاد محمد (35 عاما) على أهمية تحويل الوعي البيئي المتنامي الى فعل، قائلا: “في السنوات الأخيرة بدأ الكثير من الأهالي بإدراك المخاطر البيئية نتيجة تزايد الاصابات السرطانية، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لتحويل الوعي الى جهود مثمرة لمحاربة مصادر التلوث”.
باشرت مديرية البيئة في دهوك أعمالها كجهة رقابية تهدف إلى حماية البيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية في العام 2011، بالتزامن مع تزايد التحديات البيئية نتيجة ارتفاع حجم النشاطات الصناعية ومع التوسع العمراني.
يقول دلشاد عبدالرحمن، مدير البيئة في محافظة دهوك، انهم يدركون حجم المخاطر البيئية خاصة للمصانع ومصافي النفط غير المرخصة، مبينا أن المديرية “تراقب بشكل دائم عمل هذه المصانع وتوجه إنذارات للمخالفين تتبعها غرامات مالية قد تصل إلى عشرة ملايين دينار(نحو 7500 دولار)”.
لكن ذلك وحده غير كافي، خاصة ان المديرية جهة رقابية، لا تملك صلاحية إغلاق أي مصنع، حيث أن هذه الصلاحيات تعود للجهات التنفيذية في المحافظة.
يضيف دلشاد: “منذ سنوات ونحن نطالب الحكومة المحلية بالتدخل وإغلاق المنشآت المخالفة وغير المجازة رسمياً من مديرية البيئة، خاصة أن تلك المنشآت أقيمت حين لم تكن مديرية البيئة موجودة، واستمرت في عملها من خلال التحايل على القانون”.
ويوضح:”حصلت هذه المصافي على إجازة من دائرة التنمية الصناعية لتباشر أعمالها كمصانع للأسفلت، إلا أنها حولت نشاطها فيما بعد إلى تكرير النفط، واستمرت في العمل هكذا لسنوات عديدة قبل ان يأتي القرار الأخير باغلاقها”.
يرى محمد طاهر بريفكاني، المدير السابق لمديرية البيئة في دهوك، ان التلوث في المنطقة بدأ فعلياً منذ إنشاء المنطقة الصناعية في كواشي، وتحديداً بعد ظهور مصافي غير قانونية بُنيت على أراضٍ غير مخصصة لهذا الغرض، ما أدى إلى تلوث الهواء والماء والتربة.
ويوضح :”تلك الأراضي كانت مخصصة لمعامل انتاج الاسفلت أو الطابوق، ولم تكن مسجلة لدى الدوائر الرسمية كمصافي، فعملت خارج الأطر القانونية وتسببت في انبعاث الغازات السامة وتسرب المخلفات إلى المياه الجوفية”.
ويذكر بريفكاني أن دائرته كانت قد فرضت غرامات وصلت إلى 8 ملايين دينار عراقي على بعض المصافي، استنادًا إلى قانون حماية وتحسين البيئة لعام 2008، الذي ينص على فرض غرامات مالية على الأفراد أو المؤسسات التي تسبب تلوثاً للبيئة أو تتسبب في الإضرار بالتوازن الطبيعي.
وذات القانون يسمح بـ إغلاق المنشآت التي تساهم في التلوث البيئي أو التي لا تلتزم بالمعايير البيئية، مع تحميل الملوثين مسؤولية إزالة التلوث الناتج عن أنشطتهم. لكن تطبيق القانون كما يقول “كان صعباً بسبب ارتباط بعض أصحاب المصافي بجهات سياسية نافذة، مما حال دون اتخاذ خطوات حازمة”.
ويحذر المدير السابق لبيئة دهوك، من استمرار اهمال الملف البيئي: “البيئة لا تُعامل كأولوية في العراق رغم المؤشرات الرسمية على ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض خطيرة في المناطق القريبة من مصادر التلوث”.
ويذكر بريفكاني بأن إقليم كردستان ملزم باتفاقية باريس للمناخ التي صادق عليها العراق في نوفمبر 2021 والتي تفرض على الأطراف الموقعة عليها وضع سياسات وإجراءات ملموسة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة ومن التلوث بجميع أشكاله.

من مجموع 13 مصفى، في المنطقة الصناعية بكواشي، تم خلال النصف الأول من العام 2025 اغلاق 12 منها، وبقي مصفى واحد يعمل، كونه مرخصا وملتزم بالمعايير البيئية والقانونية حيث يستخدم تكنولوجيا نظيفة، حسب مديرية البيئة في دهوك.
على الرغم من ذلك، تساور الشكوك الكثير من الناشطين البيئيين والأهالي بشأن امكانية الاستمرار بتطبيق قرار اغلاق المنشآت الملوثة للبيئة. يعلق الناشط البيئي، بختيار زيباري :”هذه الإجراءات غالبا ما تكون مؤقتة”، مذكرا باغلاقات سابقة ولمرات عديدة، لم تصمد طويلا وعادت للعمل بعد فترة.
زيباري يؤكد ان إغلاق المنشآت الصناعية الملوثة للبيئة وغير المرخصة، والضغط لتحديث المصانع واعتماد المعدات الحديثة غير الملوثة (الفلاتر)، يجب أن تكون مسؤولية اجتماعية يتصدى لها الجميع “وجزءاً من استراتيجية حكومية شاملة للتخفيف من الأضرار البيئية، وليس مجرد إجراء عابر”، داعيا الحكومة الى الاستثمار في بدائل أنظف وأكثر استدامة “كي لا يصبح التلوث بعد سنوات مهددا لحياة الجميع”.
• انجز التحقيق ضمن مشروع أصوات نساء بلا حدود العراق، مبادرة من منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة (AHJ) وبدعم من وزارة اوروبا والشؤون الخارجية، جميع حقوق النشر محفوظة لمنظمة (AHJ).


