

حسين جمو
قضى الصحفي الأمريكي نيل ماكفاركوهار أسبوعاً في دمشق الشهر الماضي، لم يستطلع فيه خريطة السيطرة ولا كيفية إدارة الحكومة لأعمالها وغزواتها الداخلية، أو الاستشراق العثماني لمبعوث أمريكا توماس باراك. بدلاً من ذلك، نشر ماكفاركوهار تقريراً مطولاً في صحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان: «هل نرى ملامح شرق أوسط جديد؟».
يرصد التقرير، وهو جيد للقارئ الأميركي، تفكك ما كان يُعرف إعلامياً بـ«الهلال الشيعي»، الممتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق، بعد أكثر من عقدين من السيطرة والنفوذ الإيراني في المنطقة. ويُقدّم مشهداً رمزياً معبّراً عن التغيير، يبرع فيه عادة الصحفيون الغربيون زوّار المنطقة، حيث تظهرهم بعض التفاصيل كقنّاصين للسرد والرمز، فيروي في مقدمة تقريره ظهور الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) على صهوة جواد عربي أسود رشيق كان نيل قد شاهده عبر مقطع فيديو مرفق مع أغنية تمجّد الدولة الأموية، وكان الشرع في حلبة رملية تزدان بنخيل كثيف: «كان وحيداً، يرتدي سترة جلدية أنيقة، بينما كان الحصان ذو الخطوات العالية يدور داخل الحلبة».
تصويره الدرامي للمشهد، حتى نهاية التقرير الذي ينتهي باعتباره أن سوريا هي القطعة المركزية في اللوحة الناقصة، يُذكّر بـهيغل حين رأى نابليون وأطلق جملته المشهورة: «رأيت روح العالم متجسّدة في رجل يمتطي حصاناً ويسيطر على العالم ويحركه».
يتناول نيل ماكفاركوهار في تقريره انهيار النفوذ الإقليمي لإيران – وخاصة طردها من سوريا – وكيف شكّل ذلك نقطة تحول لم يشهدها الشرق الأوسط منذ أكثر من عقدين. وأحد أوجه هذا التحول الجيوسياسي قد يكون – وفق الكاتب – تراجع الطائفية الصريحة التي اجتاحت المنطقة منذ إسقاط نظام صدام حسين وما تلاه من صعود الشيعة إلى السلطة في بغداد. وانطلاق الكاتب من هذه النقطة، أي الطائفية الشيعية، يغفل الصورة الكاملة للمشهد وكأن الوضع الطبيعي هو سيادة الطائفية المضادة، وهو ما يتردد صداه أساساً في تصريحات توماس باراك، الذي يريد استسلام الشرق التعددي لـ«الأغلبية الطائفية» بنموذج غير جذاب، ليس نموذجاً خليجياً ريعياً على سبيل المثال، بل سلطة تنفّذ كل فترة وأخرى مجزرة في إقليم سوري، وتتوعد الجميع عبر أدوات إعلامية غير رسمية.
رغم ذلك، فإن الكاتب يتطرّق إلى بعض مظاهر هذا التحول، وهو مهم من حيث تسليط الضوء على الزاوية التي يقرأ عبرها غربيون عديدون ما يجري في سوريا. فيتابع أنه مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، انهارت ما وصفه الملك عبد الله الثاني ذات مرة بـ«الهلال الشيعي» – شبكة الحلفاء المسلحين الممتدة من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى مناطق حزب الله في لبنان. وكانت حكومة الأسد، بوصفها دولة ذات سيادة لا ميليشيا، حجر الزاوية في المشروع الإيراني، ومحور دعم لقوى «محور المقاومة» ضد إسرائيل والغرب.
يلفت الصحفي الأمريكي نيل ماكفاركوهار إلى جانب ملفت، وهو أنه لا يمكن للدين وحده أن يُفسّر ما يحدث في الشرق الأوسط. فقد استخدمت قوى إقليمية العقيدة الدينية كغطاء لمصالح مادية، على حد تعبيره. وفي إعادة التوازن الجارية اليوم، تدور الصراعات حول السلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وهذا يتضح من كون المحرّك لهذا التغيير لم يكن السنّة أو الشيعة، بل إسرائيل. ومع ذلك، فإن إيران، لتعزيز نفوذها، دفعت لسنوات بأجندة طائفية، ردّت عليها دول عربية بالمثل. لكن من غير المرجّح أن تتمكن طهران من تكرار ذلك قريباً.
والسؤال الذي يطرحه ماكفاركوهار: ما الذي سيظهر عندما تتوقف الانقسامات السنية – الشيعية عن كونها أداة للهيمنة الجيوسياسية؟ سوريا الآن هي ساحة الاختبار الرئيسية لنظام جديد. إذ تسعى الدول ذات الغالبية السنية إلى طيّ صفحة الطائفية التي يرونها تهديداً للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية (وفق رأي الكاتب، الذي يبدو أن هذه هي حدود سبره لأعماق المنطقة). فهو في مقطع تالٍ مثلاً، يقدم فهمه للحكومة الجديدة في دمشق، فيقول – رغم العداء الطائفي الإقليمي –: «القيادة الجديدة تدرك أن أي تفجّر مستمر للصراع الطائفي سيُفشل جهود بناء دولة مستقرة وموحدة»، غير مدرك – أو غير راغب ربما – أن آليات بناء السلطة في هذا المشرق المتوسطي لا تخطر على بال من لم يتفحّص تاريخ القرون الوسطى وتوسّع الإمبراطوريات.
يورد الكاتب تعليقاً للمعلق السياسي اللبناني مصطفى فحص، وتصفه بأنه مقرّب من أوساط شيعية في لبنان: «حين تعيد دمشق إلى السنّة، فإنك تغيّر الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بالكامل… إنه حدث تاريخي».
يعود الكاتب في التاريخ قليلاً ليشرح للقارئ الأميركي أين بدأت القصة في المنطقة، قصة الطائفية والصراع السني – الشيعي. ووفق فهمه ومصادره، فإن الثورة الإسلامية عام 1979 أطلقت مرحلة جديدة من الصراع السني – الشيعي، وهو افتراض تُضعفه الوقائع والسياسات، فالنسخة الحالية من الطائفية الاجتماعية تفجّرت بسقوط نظام صدام حسين عام 2003، ثم أخذت طوراً أعلى وأخطر بعد مشاركة حزب الله في إسناد نظام الأسد، والتدفق الجهادي الخارجي لإسناد المعارضة السورية المسلحة بدءاً من 2012.
يتطرّق الكاتب إلى أجواء بناء نظام إقليمي جديد، ويعتبر:
المنطقة تحتاج إلى فرص عمل لجيل الشباب. في السابق، ساهم غياب الأمل في دفع الشباب إلى أحضان الجماعات الجهادية. واليوم، تأمل الحكومات أن تغيّر هذا المسار عبر مشاريع تنموية طموحة تشمل مدن المستقبل، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحديثة. لكن الفوضى الإقليمية ستقوّض هذه الطموحات. ولهذا السبب، شكّل الهجوم الإسرائيلي – بمشاركة أميركية – على إيران صدمة أولية في الخليج. لم يكن الخوف فقط من انتقام إيراني، بل من تكرار سيناريو العراق: سقوط نظام، نازحون، سنوات من إراقة الدماء الطائفية. مع ذلك، فقد بدّد النزاع القصير وهم القوة الإيرانية. فرغم أن حجم الضرر الذي ألحقه بالبرنامج النووي الإيراني غير واضح، فإن فشل إيران في حماية نفسها كشف ضعفاً عميقاً، وأوحى بأن نظاماً إقليمياً جديداً قد بدأ يتشكل.
ويضيف: رغم أن نظام الأسد لم يتطابق أيديولوجياً مع الجمهورية الإسلامية، فإن تحالفه مع طهران استند إلى كراهية مشتركة لإسرائيل وصدام حسين. لذا، فإن عودة سوريا إلى الصف السني تُعتبر القطعة المركزية في لوحة كانت ناقصة.
تسعى الدول السنية إلى إعادة إعمار سوريا وتحويلها إلى محور اقتصادي للمنطقة، عبر ربطها بالطرق وخطوط الأنابيب والألياف الضوئية وشبكات الكهرباء. غير أن الحكومة المركزية الجديدة ضعيفة، وتحتاج إلى دعم كبير. وتُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بين 250 و400 مليار دولار، وهي مبالغ لا يمكن للاقتصاد السوري المتهالك تأمينها.
ويتعين على الحكومة الجديدة أولاً أن تعالج التوترات الطائفية العنيفة التي غذّت الحرب الأهلية وما زالت تهدد مستقبل الدولة الموحدة. رغم ذلك، فإن نشأة الحكومة الجديدة من ميليشيات سنية جهادية تثير تساؤلات. يقول نادر هاشمي، أستاذ السياسة في الشرق الأوسط بجامعة جورجتاون: «القوة الوطنية الجديدة في سوريا جاءت من أقصى اليمين السلفي – من بيئة تنظيم القاعدة المتطرفة، المتشبعة بعداء عميق للشيعة». ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن موجة العداء الشعبي لإيران في سوريا هي في ذاتها نوع من المقاومة السياسية. بمعنى – وفق ما حاول المساهمون في تقرير الكاتب إقناعه – يبدو من سردية الكاتب أن زوال التهديد الإيراني وهيمنته سيؤدي إلى زوال الطائفية برمّتها!
يقتبس الصحفي الأميركي من خبراء مقرّبين من حكومة الشرع، ويبدو لوهلة أنه ضحية للتضليل وهدف سهل لاستخدامه في نقل رسائل موجهة تهدف إلى «غسيل سياسي» للانتهاكات. العقيد هشام مصطفى، محلل سياسي واستراتيجي سوري انشق عن الجيش خلال الثورة، يقول للكاتب: «توازن جغرافي جديد يتشكّل بالفعل. لم يتبلور بعد بشكل كامل، لكنه يتخذ ملامح واضحة – خاصة بعد التراجع الذي لا رجعة فيه للنفوذ الإيراني من سوريا، وإعادة ترتيب البيت العربي بعيداً عن الشعارات الطائفية».
ويقر العقيد مصطفى بأن البعض يُضفي على التغيير طابعاً تاريخياً ودينياً. فالمقارنة مع الأمويين تُلمّح إلى أن «القيادة السورية تستعيد هويتها العربية الأصيلة، وتتحرّر من الهيمنة الخارجية»، حسب قوله.
أما الدكتور مصطفى العيسى، المحلل السياسي السوري، فقال إن الحكومة الجديدة لم تستخدم رسمياً مصطلح «الأمويين»، مضيفاً: «الحكومة السورية تعمل بنشاط على ردم الهوة بين المكونات السورية… إن أبسط – وأخطر – أداة استخدمها النظام السابق كانت التفتيت الديني، ليس فقط بين السنّة والشيعة، بل داخل كل طائفة ومجتمع أيضاً».
لا تمانع الدول العربية في تراجع إيران وتقلّص تهديدها النووي، لكنها تشعر بالقلق لأن هذا التراجع تحقق بفعل حملة عسكرية إسرائيلية مدعومة أميركياً. كانت علاقات الخليج مع إسرائيل تنمو، لكن الحرب في غزة، وما خلفته من كوارث، فجّرت الرأي العام العربي. تلك الحرب، رغم خروجها عن الإطار الطائفي، تُشكّل عائقاً كبيراً أمام أي تصور لعالم عربي أكثر استقراراً وتكاملاً في مرحلة ما بعد إيران. فطالما أن القضية الفلسطينية بلا حل، ستظل مصدراً دائماً للاضطراب، والكلام لنيل ماكفاركوهار.
يقول بدر السيف، أستاذ التاريخ في جامعة الكويت: «نحن عالقون بين نارين… دول الخليج بالتأكيد لا تريد أن تكون جزءاً من نظام إقليمي تقوده إسرائيل».
ولا يزال من غير الواضح ما الذي سيخرج من انحسار الطائفية التي يُبشّر بها المنتصرون في سوريا وحلفاؤهم بمجرد هزيمة إيران.
بحسب نيل، السابقة الأقرب حصلت في التسعينيات، حين خرجت إيران من حرب مدمّرة مع العراق واتجهت إلى الداخل لإعادة البناء. آنذاك، تخلّت القيادة المعتدلة عن تصدير الأيديولوجيا الثورية. وكثير من الشيعة في المنطقة ابتعدوا عن المشروع الإيراني. ويعتقد المحللون أن سيناريو مشابهاً قد يحدث الآن. فمع تراجع النفوذ الإيراني، يمكن للدول العربية أن تضغط، ويمكن للمجتمعات الشيعية أن تبحث عن الاندماج الوطني بدلاً من الانفصال.
هذه الخلاصة هي ما تفتّق عنه ذهن الكاتب في عصفه الذهني بعد سلسلة من المقابلات والجولات والتأملات، ابتداءً من مقطع الفيديو الذي ربما يُجسّد أكثر تصورات توماس باراك عن: دولة واحدة، أمة واحدة، جيش واحد. ومن غير المستبعد أن يُصرّح باراك يوماً ما عمّا رآه في مقطع فيديو الحلبة الرملية، ويقول بشكل أوضح من نيل ماكفاركوهار: «رأيت روح الشرق متجسّدة في رجل يركب على حصان ويُسيطر على بلاد الشام ويُحرّكها، ثم يُرشّح رئيسي العزيز ترامب لجائزة نوبل».
نقل من المركز الكردي للدراسات
المزيد عن تحليل
تحليل","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":29925}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







