لا حاجة لتأليف الكتب النيرة
حين يصبح القانون وسيلة لإسكات الأصوات، وتتحول المنصات الرقمية إلى أدوات "قمع ناعم"، لا يبقى من حرية التعبير سوى قشورها.. مقال يتتبع لحظة التحوّل من القمع العنيف.. إلى "القمع الديمقراطي"..
حين يصبح القانون وسيلة لإسكات الأصوات، وتتحول المنصات الرقمية إلى أدوات "قمع ناعم"، لا يبقى من حرية التعبير سوى قشورها.. مقال يتتبع لحظة التحوّل من القمع العنيف.. إلى "القمع الديمقراطي"..

وصل عدد اعضاء الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق إلى 4000 عضو، وهو رقم يُعدُّ متواضعاً قياساً بنقابتي الفنانين والصحافيين اللتين تشهدان تضخما تاريخيا، رغم أننا لانملك صناعات سينمائية وفنية كبيرة ونعد أقل البلدان حرية وأفقرها صحافياً. هذا التمدّد الهائل في الهيكليات الابداعية العامة جاء نتيجة ادراج منحة سنوية مقدارها 500 دولار في موازنة 2021 الأمر الذي جعلنا أكبر حقل في العالم لتفقيس المواهب.
الأجواء الكرنفالية في شارع المتنبي ببغداد، لا تشير قطعاً إلى وجود قدرة امتصاصية للانتاج الأدبي المتوقّع من 4000 أديبة وأديب، فهذا الشارع الذي عاش لعقود كسوقٍ للكتب المستعملة، بات محجا ليليا لمدّعي (النزاكة) الذين يتناولون فيه اطباق الدولمة الساخنة، والذرة المسلوقة، والقهوة بانواعها المبتكرة، فضلا عن اقتناء المشغولات اليدوية والتقاط الصور. وعلى الجانب القريب من هذه المناظر الأخّاذة، توجد في الدرابين المتفرعة الكثير من الدكاكين المريبة التي تتحكم بالثقافة العراقية وتنتجها وتروج لها في الفيسبوك، على أنها دور نشر تصنع الكتاب وتوزعه.
نصف اعضاء اتحاد الأدباء والكتاب ولدوا من كرش هذه الكاكين التي يمكن لها طباعة الكتب بواقع 10 نسخ وصولاً إلى 100 نسخة كحد أقصى لقاء مبالغ زهيدة، ويمكن لها، وفقا للبحبوحة المادية، كتابة دواوين شعر حسب الطلب بمعايير الحداثة الدارجة والترويج لها عبر الفيسبوك. هذا المشهد الأدبي لا يشذُّ عن واقع البلاد، فثقافة سرقة الدولة باعتبارها ملكا مشاعا انتشرت بعد 2003 وباتت اسلوب حياة، فاينما يوجد المال يتدافع الناس لنيل حصتهم بغض النظر إن كانت منحة وزارة الثقافة، أو رواتب الرعاية الاجتماعية، أو مساعدات انسانية توزع بين المكفوفين. المواطن الجديد له الحق في الاحتيال كي ينال راتباً شهرياً أو سنوياً ولا يرى أيّ ضيرٍ بفعلته مادام نظام الدولة الفاسد يسمح بهذا ويكسر القواعد ويعدها خدمة انسانية.
مرارة الواقع الأدبي العراقي لا تقتصر على وجود الخداع البشري وانما يتعدى هذا إلى تشكيلات نتجت عن الانصهار وباتت تكتلات طائفية، أو حزبية فالاديب المزيف هو ورقة رابحة في ميادين شتى واتحاد الأدباء مثلا بات يستقطب أموال الدولة التي توظّف في مشاريع غير مجدية كالمهرجانات والملتقيات التي عادة ما تديرها الأصابع السياسية من الأعلى وكل هذا يتم بوسائل تبدو مشروعة في الظاهر.
على الجانب الآخر من المأساة هناك بالفعل مَن يحلم أن يكون أديبا. يرى في ذلك وجاهة وسببا يدعو إلى لبس البدلة الرسمية مع رباط العنق وأغلب هؤلاء لايفرقون بين الشتوي والصيفي. إنهم يتجمعون في الفيسبوك ويعبرون عن آرائهم الادبية والسياسية ويكون لهم وجود في القضايا اليومية التي تتعرض لشرف الإناث وسلوكيات ضباط الشرطة والجيش. نجوم المجتمع الفيسبوكي ينالون درجتهم العلمية من دكاكين درابين شارع المتنبي. نسيج واسع مهلهل لكنه يفرض فاعليته من خلال المريدين والذباب الإلكتروني فيتحولون إلى مؤيدين للطائفة، حين يلزم الأمر، أو إلى معارضين سياسيين يمارسون التسقيط لقاء المال.
الأديب المزيّف الذي يحصل في النهاية على منحة وزارة الثقافة السنوية سيقطع مشواراً طويلاً وينال الامتيازات الباهرة من خلال اللعب بعدد المتابعين في الفيسبوك وهي وسيلة ناجعة لكسب الرزق تتطلب الظهور كمجتمع متجانس. إنهم يتواجدون في اماكن كثيرة ويجلسون على الكراسي في مقر الاتحاد ويكثرون من التعليقات وتقديم التبريكات على الاصدارات الجديدة التي تنتجها الدكاكين. عالم متماسك وشفاف إلى درجة أن لا أحد يتكلم عن العضوية المزيّفة ولا عن الفكر الفارغ.
الثقافة في العراق تدار بقوة فاعلية الانتماء القطيعي. إنهم قادرون على إنجاح أيّ مهرجان أو تجمع ابداعي مهما كانت سطحيته فالظهور بالصور والفيديوهات دلالة تفاعل ووجاهة ويكتفون بهذا ويرونه المجد بعينه لأنّ لا طائل من الانتاج الأدبي مادام الاعضاء لا تأثير لهم على مستوى الابداع الفني سوى بالصورة المخادعة.
في السابق كان يعيب على الأديب العراقي إنه قذر المظهر ويدمن شرب العرق ويحب الصعلكة ورائحته غير لطيفة. اليوم اختلف هذا تماما وبات الأديب يجالس كبار الشخصيات السياسية. لقد استبدلوا الكتب بالصعود على المنابر. لا شيء يعبّر عن الثقافة العراقية أكثر من الحضور الجسدي وارتياد المقاهي وشرب القهوة. هذا المظهر الرقيق يتستر في الحقيقة على عنف رهيب حين يتعلق الأمر بحق مالي أو ادبي ونرى الجميع قد تحولوا إلى وحوش. في العقدين الماضين لم تنشر مقالة واحدة تنال من ضعف انتاج ادبي ما. لم يجرؤ أيّ ناقد على اتّهام شاعر أو روائي بالسطحية والخلل الأدبي. كل اعضاء الاتحاد الـ 4000 عظماء جداً إلى درجة أن كافكا ورامبو وفوكو يخجلون من انفسهم وهم في القبور. الكاتب العراقي منزّه في العلن. الكل ينالون من مكانة سين في السر لكن هذا الشخص في الفيسبوك هو عظيم العظماء وكبير الثقافة العراقية وينال المديح من الجميع. لا أحد يملك الشجاعة لقول الحقيقة. في السابق كان الأديب شخصية هامشية ويشار إليه كمدمن أما اليوم فهو شخصية مخيفة يمتلك التأثير والقوة العلنية الفتاكة.
احدث ما طرأ على الأديب العراقي هو الانتماء للفصائل المسلحة والأحزاب المتنفذة وهذا يجعله ينال المنحة السنوية ومعها المنصب الجيد أو الجائزة الأدبية المرموقة. لا حاجة ماسة لتأليف الكتب النيّرة. القضية أن تتمتع ببرستيج مناسب وتكون لك القدرة على شراء العطر الغالي.
قلة واهية من الأدباء لم تنل اعمالهم الادبية الاهتمام الأكاديمي. لا يوجد أديب لم تدرسه الجامعات الأهلية. هذا الهوس هو جزء من داء نهب وتشويه الفكر الوطني وتغليب التفاهة على الكتابة الواعية. الكل له الحق في اللمعة الاكاديمية مادام يملك بطاقة بنكية يستلم من خلالها المنحة السنوية وله إصدار من فئة 100 نسخة، فالجامعات في النهاية ملك للدولة الجديدة المشاعة. معضلة الدراسات العليا واحدة من أدق الانهيارات الثقافية فهي متدنية القيمة إلى أبعد حدّ ويكاد الجهل يتحكم في مجمل التصوّرات عن القيمة الأدبية والمعايير العلمية، فهذه الجهة لا يمكن لها الانتقاد، والفرز، وفصل الصالح عن الطالح، وهي فوق هذا تؤمن ايمانا قاطعا بكل ما تنتجه دكاكين النشر في درابين شارع المتنبي وهي في هذا لا تبذل أيّ مجهود بحثي يتحلّى بالاحترام والاتّزان بل نرها تقوم عن جهل علمي بالتمجيد وإعلاء شأن الطفيليات وترسيخ الوضاعة وفرض المساواة العقلية بين الغبي والعبقري.
من حسن حظ الثقافة العراقية إنها في يوم بعيد أنتجت السياب ونازك والجواهري وسعدي يوسف. هذا الغطاء العشبي الذي لن ينال منه الاصفرار ولن يزول، وسيبقى علامة ابداعية فارقة. لا أحد الآن يهتم جديا بمكانة ثقافتنا الوطنية بين الأمم. الموضوع برمّته مستبعد من الذهنية الدارجة مادام الفيسبوك هو المعيار السهل للانتشار. بطبيعة الحال لا يمكن الجزم بضحالة التعاطي الأدبي الجمعي، ولا الاستهانة بالجمهور المحبّ للثقافة إلّا أن الممارسات الاحتيالية الحاصلة ونزعة سرقة الدولة ستؤثر طويلاً على قدرتنا في بلورة ثقافة خلّاقة تتعدى الحدود وتنشر التنوير وتعبّر عن الإنسان في صوره النبيلة.


