تقارير سردية: مطالبات تحويل مناطق الاقليات في نينوى إلى محافظات.. مشاريع تتداخل فيها حاجات السكان مع مصالح قوى نافذة

مطالبات تحويل مناطق الاقليات في نينوى إلى محافظات.. مشاريع تتداخل فيها حاجات السكان مع مصالح قوى نافذة

تتقاطع مشاريع تحويل سهل نينوى ومناطق تلعفر وسنجار الى محافظات، والتي تعلن بين فترة واخرى، بين حاجات السكان لتوفير الخدمات وتطوير بنية مناطقهم، والاتهامات بسعي قوى شيعية لتحجيم مدينة "الموصل" السنية

ما أن تم تحرير نينوى بالكامل من سيطرة تنظيم داعش صيف 2017، حتى بدأ فيها حراكٌ سياسي بشأن مستقبلها الإداري، تمثل بإعلانات متكررة لممثلي الأقليات كالتركمان والمسيحيين والشبك والايزيديين، عن رغبتهم في تحويل مناطقهم في تلعفر وسنجار وسهل نينوى إلى محافظات.

تباينت مبررات ممثلي تلك المناطق، بين الرغبة في إنشاء بنى تحتية متوافقة مع التضخم السكاني وتوفير الخدمات وفرص العمل وتحسين مستويات الصحة والتعليم وسواها، وبين الشعور بفقدان الثقة تجاه المحيط والسعي للتحصن بكيان إداري يوفر الحماية الأمنية والاستقلالية.

كانت تلك المطالب تظهر في فترات الحملات الانتخابية، قبل ان تتحول الى مساع يمكن وصفها بالسباق بين أحزاب وقوى سياسية، يوم صوت مجلس النواب العراقي في 14 نيسان/ابريل 2025 على مشروع قانون استحداث محافظة حلبجة لتصبح المحافظة الرابعة في أقليم كردستان، والتاسعة عشر على مستوى العراق.

إذ عقد ممثلو كتلة بدر الشيعية النيابية بعد جلس التصويت مؤتمراً صحافياً في مقر مجلس النواب، طالبوا فيه باستحداث محافظة جديدة، تضم قضاءي تلعفر وسنجار ومناطق سهل نينوى، لتكون ملاذا للأقليات التي تشكل غالبية السكان فيها.

في حين طالب ممثلون عن التركمان في تلعفر ومن بينهم النائب مختار الموسوي، بتحويل القضاء الى محافظة، وهنالك من رفع سقف المطالبة تلك بضم قضاءي سنجار وبعاج المجاورين الى تلعفر لإنشاء محافظة بإسم (الجزيرة).

وراح آخرون في سهل نينوى، كالنائب الشبكي وعد القدو وممثلو كتل مسيحية، يعددون مزايا تحويل سهل نينوى إلى محافظة على المستويين الإداري، وحتى السياسي، لكونها من المناطق المتنازع عليها بين أقليم كردستان وبغداد.

وفي مقابل ذلك، ارتفعت أصوات الرفض من قوى سياسية تمثل العرب السنة بشكل خاص، محذرة من أن المطالبات باستحداث المحافظات الجديدة، تشكل نواة لتقسيم البلاد أو في اقل تقدير اضعاف محافظة نينوى ومنع نشوء أي اقليم سني على المدى الطويل.

هذا التحقيق يسلط الضوء على كل ذلك، ويظهر فرص كل منطقة بالحصول على مبتغى الاستقلال بمحافظة عن جسد نينوى الذي انهكته صراعات المكونات وسيطرة داعش عليه على مدى ثلاث سنوات، وقبلها نشاط ذات التنظيم وأخرى غيره كالقاعدة وانصار الاسلام وسواهما.

Image

مناطق الأقليات

تبلغ مساحة نينوى (33,313) كيلومتراً مربعاً، ويقطنها أربعة ملايين وسبعمائة الف نسمة، وتضم 31 وحدة إدارية، عشرٌ منها أقضية أكبرها الموصل مركز المحافظة، والباقي نواح. وهي كالآتي:

قضاء الموصل، معظم سكانها من العرب السنة، تتبعها نواحي:

القيارة (عرب سنة)

بعشيقة (شبك سنة وشيعة، ايزيديون، ومسيحيون)

الشورة (عرب سنة)

المحلبية (تركمان)

حمام العليل (عرب سنة).

قضاء الحمدانية:

قره قوش او بغديدا (مسيحيون)

ناحية برطلة (غالبية من المسيحيينـ الى جانب شبك سنة وشيعة).

قضاء تلكيف:

مدينة تلكيف (عرب ومسحيون)

ناحية القوش (مسيحيون)

ناحية وانة (عرب وكرد)

قضاء سنجار:

مدينة سنجار (مسلمون كرد، ايزيديون، وعرب)

ناحية الشمال (ايزيديون)

ناحية القيروان (عرب)

قضاء تلعفر:

مدينة تلعفر (تركمان شيعة وسنة)

ناحية زمار (عرب، كرد، وايزيديون)

ناحية ربيعة (عرب)

ناحية العياضية (تركمان، عرب، وكرد)

قضاء الشيخان: تابعة اداريا لمحافظة نينوى، لكنها عمليا تتبع اقليم كردستان.

مدينة الشيخان (كرد مسلمون، وايزيديون)

ناحية زليكان (كرد، ايزيديون، وعرب)

قضاء البعاج:

مدينة البعاج (عرب سنة)

ناحية القحطانية (ايزيديون)

قضاء الحضر:

مدينة الحضر(عرب سنة)

ناحية التل(عرب سنة)

قضاء مخمور:

مدينة مخمور(كرد).

ناحية الكوير (كرد وعرب)

ناحية كنديناوه (كرد)

ناحية قراج (كرد)

ناحية العدنانية (عرب)

قضاء سميل: تابع اداريا لمحافظة نينوى لكنه يتبع عمليا اقليم كردستان

مدينة سميل (كرد، وايزيديون)

ناحية فايدة (كرد)

ما يميز نينوى عن باقي المحافظات العراقية، هو تعدد مناطق الأقليات التاريخية فيها، كالمسيحيين في بلدات قره قوش وبرطلة والقوش وتلكيف، والايزيديين في بلدات بعشيقة وسنجار، والتركمان في تلعفر والسلامية، والشبك في قراهم شمال وشرق الموصل، تتخللها قرى للكاكئية فضلاً عن عدد من القرى الكردية.

يشير الباحث عادل كمال، إلى أن التنظيمات المتشددة المسلحة التي نشطت في نينوى بعد سقوط النظام العراقي السابق في نيسان 2003، استهدفت الأقليات بنحو يصفه بالممنهج، ويوضح:”كان الكثير من أبناء الأقليات، من غير المسلمين، يسكنون مدينة الموصل ويمارسون اعمالهم فيها عند انهيار النظام السابق، واصبحوا هدفاً للجماعات الاسلامية المتشددة التي عدتهم كفاراً، ما أجبرهم على الهجرة عنها”.

اعتمادا على فتاوى دينية ودوافع سياسية او مطامح شخصية، قتلت تلك الجماعات وخطفت المئات من المسيحيين والايزيديين والشبك والتركمان الشيعة. ويتابع الباحث:”كانت تلك الجماعات ولاسيما القاعدة وبعدها داعش، تصادر أملاك الاقليات في الموصل، فتكتب مثلا عبارة (لا يباع لا يؤجر، المنزل معد للتفجير، أو ملك للدولة الاسلامية) على جدران منازلهم”.

فانكفأت الاقليات وانعزلت في مناطقها، الايزيديون في سنجار والشيخان وبعشيقة، والمسيحيون في بلدات قره قوش وبرطلة والقوش، والشبك في قراهم”.

ما ساعد المسيحيين والايزيديين، الهاربين من الموصل، على الاستقرار في سهل نينوى، هو خضوع المنطقة لسيطرة قوات البيشمركة الكردية التابعة لأقليم كردستان كونها من المناطق المتنازع عليها “لهذا كانت الاقليات قبل 2014 تجد فيها الملاذ الآمن، لكن بعد تحرير نينوى من داعش في 2017 سيطرت قوات الحشد الشعبي على السهل بدلا من البيشمركة” حسبما يقول الباحث محمد سيف.

ويشير الى انه وبعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل في حزيران/يونيو2014، كتب عناصره على منازل المسيحيين المصادرة حرف “ن” في اشارة الى أن المنزل يعود لنصارى، أي مسيحيين.

ويوضح:”اذن نحن أمام هجرتين للأقليات، الاولى من الموصل نحو مناطقهم وبلداتهم التاريخية بين 2003 و2014، والثانية بعد سيطرة داعش على الموصل، اذ هاجر ابناء الاقليات خصوصا من الايزيديين والمسيحيين والتركمان والشبك الشيعة من مناطقهم وبلداتهم، خوفا من التصفية”.

ويذكر بان ما واجهته الأقليات خلال أكثر من عقدين في نينوى من قتل وتنكيل وتهميش، يفسر اليوم اتجاهها نحو الاستقلال بمحافظات أو محافظة في مناطقهم.

تلعفر وحلم التحول الى محافظة

قضاء تلعفر الواقع غربي نينوى، يعد أكبر الأقضية في العراق من حيث عدد السكان الذي يناهز الـ 700 ألف، تبلغ مساحة مركز القضاء (مدينة تلعفر) 3206كم، وغالبية سكانه هم من التركمان، شيعة وسنة.

تتبع القضاء ثلاث نواح، هي ربيعة التي تقطنها عشيرة شمر، وزمار المكونة من 78 قرية، مقسمة بين قرى عربية، وأخرى ايزيدية الى جانب قرى يعيش فيها الكرد، و العياضية التي يسكنها التركمان والعرب والكرد.

وتعود مطالبات تحويل تلعفر الى محافظة لأكثر من خمسة عقود، وتحديدا في سبعينيات القرن المنصرم، ووفقاً للباحث ياسين عبيد، كان أهالي تلعفر ينتظرون قراراً من قيادة حزب البعث التي كانت حديثة العهد بالسلطة وقتها، لكن بدلاً من ذلك، تم استحداث محافظة دهوك في 1970 وبعدها بست سنوات استحدثت محافظة النجف.

وظل الاعتقاد سائدا بأن السبب وراء عدم تحويل تلعفر الى محافظة على الرغم من امتلاكها لمقومات ذلك، هو “قومي وطائفي” يقول عبيد، ويوضح:”لم يكن النظام العراقي السابق يريد أن تكون هناك محافظة تركمانية في العراق، حتى أنه غير في تلك الحقبة اسم محافظة كركوك التي يعيش فيها عدد كبير من التركمان إلى محافظة التأميم، والسبب الآخر، طائفي، اذ يشكل التركمان الشيعة نصف سكان تلعفر والنظام وقتها كان محسوباً على السنة”.

في 2003، بعد انهيار نظام حزب البعث، وجد أهالي تلعفر أن لديهم فرصة كبيرة في اعلان محافظتهم، وقد أعلنوها بالفعل وبنحو غير رسمي، عندما علقوا لافتة في مدخل المدينة (محافظة تلعفر)، غير أن أول خطوة رسمية بهذا الاتجاه، كانت في 21 كانون الثاني/يناير 2014، عندما قرر مجلس الوزراء العراقي الموافقة على تحويل قضاءي تلعفر في نينوى، وطوزخرماتو في صلاح الدين الى محافظتين، بعد مقترح تقدم به وزير الشباب والرياضة في حينها جاسم محمد جعفر، ومن ثم تحويل الأمر الى مجلس النواب للتصويت عليه، لكن ذلك لم يحدث أبداً بسبب خلافات سياسية.

المطالبات تجددت بعد تحرير تلعفر بالكامل من داعش في صيف 2017، إذ سعى النائب التركماني عن تلعفر مختار الموسوي، رئيس كتلة الاطار التركماني، ومعه النائب خليل المولى في 2020، إلى جمع تواقيع النواب من أجل تقديم المقترح بنحو رسمي مجددا من قبل رئاسة الوزراء الى مجلس النواب والتصويت عليه.

غير أن الاحزاب السنية وحتى الكردية، اعترضت على ذلك خشية أن تتحول تلعفر الى محافظة شيعية بحكم سيطرة الحشد الشعبي عليها، وقد عبر المتحدث باسم عشائر نينوى مزاحم الحويت عن ذلك بقوله:”العرب في تلعفر وحتى سنجار يرفضون تحولهما الى محافظة بسبب غياب السكان الأصليين (يقصد السنة) وعدم تمكن الكثيرين من العودة بعد النزوح والهجرة، وأي تحول الى محافظة يعني ان تصبح الحكومة المحلية للتركمان وحدهم”.

وفي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عاد النائب مختار الموسوي، ليعلن في مؤتمر صحافي عقده في مبنى مجلس النواب، جمعه أكثر من 150 توقيعا لنواب، من اجل تحويل قضاء تلعفر ومحيطها في مناطق غربي نينوى الى محافظة، ووصف المنطقة تلك بأنها مظلومة من قبل حكومة نينوى المحلية.

الموسوي، عزز تحركه برفع طلب الى لجنة الاقاليم النيابية في 28 آذار/مارس 2025 التي خاطبت رئيس مجلس النواب من اجل مفاتحة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للمضي في باقي الاجراءات. لكن ما حدث لاحقاً ان التوافقات السياسية (بين القوى الكردية والعربية السنية، وبعض الشيعية) سمحت فقط بتحويل حلبجة الى محافظة في حين تم وضع ملف تلعفر على الرف.

وقد بدا الإحباط واضحاً في نبرة النائب مختار الموسوي، وهو يؤكد في 11 أيار/مايو 2025 ترحيل ملف تحويل تلعفر الى محافظة، الى الدورة النيابية المقبلة، بسبب توقف عمل مجلس النواب الحالي نتيجة دخوله في العطلة التشريعية ومن ثم مرحلة الدعايات الانتخابية حيث يصعب تمرير القوانين.

وهذا يعني في أقل تقدير، أن الملف هذا لن يتم بحثه خلال سنة 2025، إذ ان الانتخابات البرلمانية ستجرى في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وربما يعقد المجلس الجديد اولى جلساته في سنة 2026.

وقد لا ينجح الموسوي اصلا في تجديد بقائه نائبا أو لا يكون المزاج السياسي حينها متوافقاً مع رغبة تحويل تلعفر الى محافظة، أي على المطالبين بذلك أن يبدأوا كل شيء من جديد.

محافظة الجزيرة

إزاء الرفض المعلن لممثلي المكون السني في مجلس النواب العراقي لاستحداث محافظة (سهل نينوى وتلعفر) أو محافظة (تلعفر لوحدها) لتخوفهم من نشوء كيان قومي، طائفي (سيطرة شيعية). لم يكن امام المطالبين بالمحافظة، ولاسيما التركمان في تلعفر، سوى اجراء تعديلات بسيطة في مطلبهم بإضافة مناطق عربية وأخرى ايزيدية وحتى كردية، ليتحول الطلب من محافظة تلعفر إلى (محافظة الجزيرة).

والتسمية هذه نسبة الى منطقة الجزيرة، التي تشمل كامل المنطقة الغربية في نينوى على الحدود مع سوريا. ومقترح انشاء محافظة بهذا الأسم، كان قد قدم في ستينيات القرن المنصرم الى حكومة عبد الكريم قاسم، حسبما يقول النائب مختار الموسوي، لكنه لم يأخذ حيزا من الاهتمام.

وهنالك من يعتقد بان التنوع الثقافي والاثني في منطقة الجزيرة التي تضم التركمان الى جانب العرب والكرد المسلمين والايزيديين (سنجار+بعاج+تلعفر) فضلاً عن الموقع الاستراتيجي، بتحاددها مع سوريا ووقوع تركيا الى الشمال، وتوفر أراض زراعية واسعة مع مراع طبيعية، اضافة الى وجود ثروات معدنية قد يفضي الى انشاء كيان اداري قوي ومتماسك.

بينما يقول ناشط مدني من تلعفر، طلب ان ندعوه بأسم مستعار هو (جعفر) بأن أهالي تلعفر “غير مجتمعين على قرار واحد، ولا يمنحون ثقتهم في العادة بسهولة في الانتخابات، وهنالك خلافات بين السياسيين (الشيعة والسنة)، واشارات الانقسام وغياب وحدة الموقف والمطالب، ستحمل نتائج غير جيدة في حال تشكلت محافظة الجزيرة وتلعفر جزء منها”.

ويوضح:”المناصب المهمة في الحكومة المحلية ستذهب لصالح العرب من عشيرة شمر المنتشرين في ربيعة وغيرها من المناطق على الحدود السورية، وستذهب جزء منها للإيزيديين في سنجار أو الكرد في زمار، ولن يكون لأهالي تلعفر سوى حصة قليلة، بسبب تفرقهم وايضا عدم عودة الكثير من النازحين (الشيعة في الجنوب) والمهاجرين (السنة في كردستان وتركيا)”.

واستدل في ذلك على تمثيل تلعفر في مجلسي محافظة نينوى ومجلس النواب:”ممثلو المناطق الأخرى فاعلون ومؤثرون دائما مثل النائبين عبد الرحيم الشمري ونايف الشمري وغيرهما في مجلس النواب ومجلس المحافظة، في حين لانجد ذلك بنحو واضح بالنسبة للممثلين عن تلعفر، على الرغم من عدد سكانها الكبير، فممثلوها في الغالب غير مؤثرين”.

ويرى جعفر، أن على اهالي تلعفر أن يتحدوا ويضعوا الخلافات القائمة بينهم جانبا، ويرتبوا اولويات تصب في مصلحة مستقبل منطقتهم، بدون ذلك، فأن اعلان محافظة تلعفر او الجزيرة “لن يكون سوى في مصلحة الفاسدين من أصحاب الصفقات لا غير”.

وفي البيت الايزيدي، وتحديدا في سنجار التي مازالت تعاني من دمار حرب تحريرها من داعش، ويعيش نحو نصف سكانها الايزيديين في المهجر ومخيمات النزوح، يؤكد ناشط مدني، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب امنية، أن جماعات مسلحة متعددة ومتباينة الولاءات تسيطر على القضاء وتتقاسم السلطة على الأرض، وهنالك تضارب سياسي كبير بين القوى النافذة “يمنع اعمار سنجار، وحصولها على كامل حقوقها في المشاريع”.

وتساءل:”في ظل هذه الظروف، من الصعب الحديث عن الانضمام الى كيان اداري او حتى الاستقلال بكيان اداري خاص بالقضاء، ولاسيما مع عدم عودة النازحين والمهاجرين الايزيديين والكرد المسلمين على حد سواء”.

وكان رئيس حكومة اقليم كردستان، نيجرفان بارزاني، قد طالب في الرابع من شباط/فبراير 2019، بتحويل قضاء سنجار الى محافظة، وقال:” يتعين على اقليم كردستان والعراق السعي في هذا المجال”.

يعلق الناشط المدني في سنجار، عن مطالبة البارزاني، التي مضت عليها أكثر من ست سنوات:”سنجار ليست حلبجة، والقوى الشيعية والسنية وكثير من الايزيديين من سكان القضاء، لن يسمحوا ان تتحول سنجار الى محافظة تابعة للأقليم”.

اضافة الى عدم التوافق الكردي الايزيدي وعدم توحد رأي التركمان، يرى بعض السياسيين الممثلين عن العرب السنة، ان الحديث عن انشاء محافظة الجزيرة بدلاً من محافظة تلعفر، ما هو الا محاولة من الجانب الشيعي المسيطر على المنطقة عبر قوات الحشد الشعبي، في إظهار أن الأمر “ليس طائفياً” وذلك بوجود مناطق عربية سنية ضمن خارطتها.

مصدر في مجلس محافظة نينوى، طلب عدم الاشارة الى اسمه، ذكر بأن المحرك الاساس لفكرة استحداث محافظات جديدة في سهل نينوى أو غربيها “هم الشيعة”، ويقول بأن “الشيعة ليسوا ممثلين فقط بالحشد الشعبي، بل ايضاً بالنفوذ والوجود القويين داخل المنظومة الأمنية ككل، من جيش وشرطة واستخباراتهما وغيرها من الأصناف، اضافة الى السلطة في الحكومة المركزية ومجلس النواب”.

ويقول المصدر، ان الهدف الأساس “سياسي بحت” يتعلق بمستقبل “السنة في مناطقهم”، ويوضح:”يقيناً، هنالك توجها شيعيا لمنع السنة من اقامة اقليم اداري خاص بهم”. وأيضا حرمان الأجزاء المتبقية من نينوى واهمها الموصل، من منفذها الحدودي الوحيد، كون منفذ ربيعة الحدودي مع سوريا سيلحق بتلعفر أو الجزيرة.

ويضيف:”كما انها ستفقد مكامن نفطية مهمة غرباً، إضافة الى مشاريع اروائية استراتيجية شرقاً كري الجزيرة الشرقي”.

ما ذكره عضو مجلس المحافظة، تماشى مع ما اكده محافظ نينوى الأسبق اثيل النجيفي، في مطلع 2014 عندما قررت رئاسة الوزراء والتي كانت حينها برئاسة نوري المالكي، الموافقة على تحويل تلعفر الى محافظة، بقوله:”هنالك خطة لتقسيم نينوى إلى ثلاث محافظات، تلعفر (غرب نينوى)، وسهل نينوى (شرق)، وما تبقى من محافظة نينوى”. وأضاف بأنها “خطوة استباقية لمنع تشكيل إقليم سني موحد”.

الناب طالب المعماري الممثل عن نينوى، عبر عن استغرابه الشديد من مقترح كتلة بدر النيابية في تحويل سهل نينوى وتلعفر الى محافظة، وقال بانه أمر مستحيل الوقوع:”لكون سهل نينوى في شرق المحافظة، وتلعفر، في غربها”.

اما فيما يتعلق بمحافظة تلعفر، فتساءل:”ما الغرض من المطالبة بتحويلها الى محافظة؟، هل هي دغدغة لمشاعر الناخبين، هل هي مادة لدعاية انتخابية، هل الهدف منها خلخلة الوضع الامني في نينوى؟”. وأقر بأن قضاء تلعفر مغبون إدارياً “سواءً من حيث التعيينات أو الاعمار او الخدمات وواجب المنطقة الادارية التي تتبعها ان توفر كل ذلك”.

واشار الى أن تلعفر الموجودة على الحدود مع سوريا “فيما لو اصبحت محافظة، ستؤثر على مناطقنا” ويقصد بها المناطق السنية. ويوضح:”الأوضاع السياسية والأمنية غير مستقرة في سوريا في الوقت الحالي، وقد ينعكس ذلك على جانبنا”، مشيرا بذلك الى ضرورة المحافظة على الوحدة.

وكان رئيس مجلس النواب العراقي السابق محمد الحلبوسي، وهو سني من محافظة الأنبار، قد ذكر في لقاء متلفز يوم 20 ايار/مايو 2025، أن نوابا طرحوا عليه استحداث محافظة تلعفر، وأنه أقر لهم بدستورية مطلبهم وعدم تعارضه مع القانون، لكنه مع ذلك هددهم بقوله “تعلنونها محافظة نعلن نحن اقليماً سنيا!”.

وفي معرض رده عن “رأي العرب السنة” في حال اضيفت الى تلعفر منطقة عربية سنية كـ”ربيعة”على الحدود السورية وتقطنها عشيرة شمر، لكي ترتفع النسبة السكانية من السنة، قال الحلبوسي بأن “الهدف من ذلك جغرافي، وهو منع مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، من منفذين دوليين مع سوريا غربا ومع تركيا شمالاً”.

سهل نينوى

بخلاف باقي المناطق في نينوى، فأن سهل نينوى، وفقاً لمتخصصين مصطلح جغرافي وليس إداري، يطلق على المنطقة الممتدة من شمال مدينة الموصل حيث قضاء تلكيف، مروراً بقرى الشبك وحتى أقصى شرق الموصل حيث قضاء الحمدانية، الذي يضم بلدات المسيحيين التأريخية، ويوجد في السهل كذلك ايزيديون في بعشيقة وبحزاني، والكرد والعرب في قرى متفرقة.

Image

ياقو هرمس، باحث في شان المسيحيين، يقول بأن سهل نينوى، ومدينة الموصل:”تمثلان أهم مناطق الوجود المسيحي في العراق، ففي السهل، هنالك بلداتهم التأريخية كـ بغديدا وبرطلة والقوش، وفي الموصل هنالك 35 كنيسة ومدرسة مسيحية هي الأقدم في الشرق الاوسط”.

وذكر أن نينوى، بناها المسيحيون، وهم بناء مدينة الموصل وسكانها الأوائل:”لكن وجودهم في نينوى، كما هو الحال في عموم العراق، بدأ يتقلص خلال العقود الأربع الأخيرة، وتسارعت وتيرة ذلك بعد سقوط النظام العراقي السابق في 2003 واستهدافهم من قبل الجماعات المتشددة المسلحة كالقاعدة وانصار الاسلام واخيراً داعش”.

الجماعات المتشددة المسلحة لم تكن التهديد الوحيد للمسيحيين وسواهم في سهل نينوى وفقاً لشخصيات عديدة قابلناها، وأجمعت على أن اعتبار السهل من المناطق المتنازع عليها بين اقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد وفقا للمادة 140 من الدستور العراقي لسنة 2005 جعل السكان يشعرون “بقلق دائم”، مشيرين الى ان الصراع عليها أدى الى تغير الجهة الحاكمة فيها لأكثر من مرة، كما تسبب بحرمانها من الاعمار والخدمات .

وبالرجوع الى فترة التدهور الأمني في نينوى منذ 2003 ولغاية سيطرة تنظيم داعش عليها بالكامل في حزيران/يوليو2014، نجد بأن سكان سهل نينوى، ولا سيما المسيحيين والشبك الشيعة كانوا يتعرضون الى هجمات متكررة بالسيارات المفخخة اوقعت مئات الضحايا.

وتشير تلك الحقبة إلى أن المسيحيين والشبك والايزيديين في الموصل، كانوا يتعرضون أيضا لحملات اغتيال وخطف منظمة، ادت الى هجرتهم بالكامل عنها، صوب سهل نينوى، وبعد حزيران/يونيو2024، هاجمهم التنظيم الى هناك ليضطروا للنزوح نحو اقليم كردستان وباقي انحاء العراق أو الهجرة الى خارج البلاد.

بعد تحرير نينوى بالكامل من داعش صيف 2017، سيطر الحشد الشعبي ممثلاً باللواء 30 الشبكي، واللواء 50 المسيحي، على سهل نينوى لتحل بذلك محل قوات البيشمركة.

يقول الباحث عادل كمال:”هذه القوات تمنع اي مواطن من خارج سهل نينوى ان يشتري او يبيع او يستغل عقار له هناك، بذريعة منع احداث تغيير ديموغرافي هناك، وهو ذات الشيء الذي كانت تفعله قوات البيشمركة الكردية قبل ذلك”.

التوتر الأمني والاستهدافات التي تعرض لها سكان سهل نينوى، دفع ممثلين عن المنطقة للمطالبة بحلول تمثلت وفقا لعادل كمال، بـ “المطالبة بين 2003 و2007 بتدخل الامم المتحدة وجعل سهل نينوى تحت حمايتها، أي تدويل قضية السهل”.

ثم طالبوا بحكم ذاتي بين 2007 و 2014، وبعد تحرير السهل من داعش، بدأت الأصوات ترتفع مطالبة بتحويل سهل نينوى الى محافظة”.

تراجع مسيحي وحماس شبكي

التصويت البرلماني على تحويل حلبجة الى محافظة في نيسان/ابريل 2025، حفز جهاتٍ سياسية مسيحية هي الحركة الديمقراطية الآشورية، حزب اتحاد بيث نهرين الوطني، حزب بيت نهرين الديمقراطي، والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري لإصدار بيان في 25نيسان/ابريل2025 طالبت فيه بتحويل سهل نينوى كذلك الى محافظة.

Image

وأشار البيان إلى ان اساس المطالبة هو “حق إداري وليس تفضيل فئة على أخرى، وممارسة التمايز القومي أو الطائفي ضد المكونات القومية والدينية الأخرى من أبناء الشعب العراقي”.

لكن شخصيات مسيحية في سهل نينوى، تواصلنا معها، ذكرت أن الاتجاه في بلدات المسيحيين لايتوافق مع ما جاء في بيان الاحزاب السياسية، وانهم يخشون من ان ذلك المقترح ما لم يسبقه “تصحيح أمني لأوضاع المنطقة” سيصب في صالح جهة مسيحية واحدة هي حركة بابليون، المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي.

(غ،ل) وجه اجتماعي من مدينة قره قوش، أو بغديدا كما تعرف شعبيا، يقول بأن نسبة المسيحيين في سهل نينوى باتت تقترب من 10% فقط، مقارنة بالشبك الذين تجنبوا الهجرة وبقيوا في مناطقهم. وهذا هو سر توقف المسيحيين عن مطالباتهم القديمة بتحويل سهل نينوى الى محافظة او منحها حكماً ذاتياً.

ويوضح:”في الوقت الحالي، بسبب الهجرة والنزوح، فأن المسيحيين لن يستطيعوا مطلقا منافسة الشبك، الذين يشكلون الاغلبية في سهل نينوى، وفي حال تحوله الى محافظة مثلا، لن يكون لدى المسيحيين ثقل انتخابي كاف للحصول على مناصب رئيسية في الحكومة المحلية”.

ويذكر، بان سيطرة الشبك “الشيعة” على سهل نينوى، تمثل واحدة من اسباب عدم عودة النازحين المسيحيين او المهاجرين الى سهل نينوى أو حتى مدينة الموصل التي قال بان اعداد المسيحيين فيها الان “لايتجاوز بأفضل حال 100 نسمة، بعد ان كان يعيش فيها حتى قبل سيطرة داعش عليها في 2014 أكثر من 5 آلاف مسيحي”.

الموقع الرسمي للبطريركية الكلدانية، نشر ارقاماُ تقديرية للمسيحيين في سهل نينوى:

“في بلدات سهل نينوى خط الحمدانية كرمليس برطلة والقرى حول دير مار متى، عددهم نحو26,432 مسيحي و95% منهم سريان بحسب المعلومات التي أرسلها سيادة المطران بنديكتس يونان حنو.وقد يرتفع العدد الى 30 ألف مع السريان في برطلة وتوابعها وكلدان كرمليس”.

وجاء في الموقع كذلك أن تلكيف، بطانايا، باقوفا، تلسقف، القوش والشيخان “يوجد فيها نحو 20 و25 الف نسمة من المسيحيين وهم من الكلدان، أما في الموصل، توجد الان 70 عائلة مسيحية فقط”.

في حين ان يونس الأغا، وهو ناشط شبكي من سهل نينوى، يقدر اعداد الشبك الموزعين في اكثر من 70 قرية في سهل نينوى، بأكثر من 250 ألف نسمة.

القيادي الشبكي البارز والمسؤول السابق عن اللواء 30 الشبكي التابع للحشد الشعبي، المسيطر الاكبر على سهل نينوى، النائب وعد القدو، كان من تلا مطالبة كتلة بدر النيابية في مجلس النواب، بتحويل سهل نينوى وتلعفر الى محافظة، وذلك بعد دقائق من جلسة التصويت البرلماني على استحداث محافظة تلعفر في 15نيسان/ابريل2025.

وبرر المطالبة بأنها تمثل:”أنقاذا للمكونات العراقية من التهميش، فهنالك ظلم كبير تعرضت له تلعفر وسهل نينوى من قبل الادارات المحلية والمحافظين السابقين في نينوى”.

النائب الشبكي السابق قصي عباس، أيد المطلب، وقال ان “بعض الأقضية في المحافظات الكبيرة مثل نينوى بحاجة إلى ترقية وتحويلها إلى محافظات، خاصة مع ارتفاع عدد السكان في نينوى وتجاوزه لـ 4.5 مليون نسمة”.

ويضيف: “هذه الفكرة طرحت في توصية لمجلس الوزراء عام 2012، بهدف تحويل سهل نينوى إلى محافظة”، ويتابع :”لكون المنطقة، محاذية لإقليم كردستان ومركز مدينة الموصل، فقد تعرضت لاستغلال سياسي في بعض الأحيان”.

وبالتوقف قليلاً عند اشارة قصي عباس الى الموقع الجغرافي لسهل نينوى، نجد هنالك من يعتقد بأن قوى سياسية شيعية تدفع الشبك وايضاً قسما من المسيحيين الموالين لها، إلى تبني مطلب تحويل السهل الى محافظة، فضلاً عن مطالبة تحويل تلعفر، في الجهة الغربية ايضا الى محافظة “من اجل وضع حصار شيعي محكم حول الموصل، اكبر المدن السنية”.

يوضح ذلك الباحث والكاتب غازي بدر، بقوله:”سهل نينوى يمثل حدود شمالية شرقية للموصل، وفيه كل الطرق التي تربطه بأقليم كردستان وتركيا، بينما تلعفر في الغرب، تشكل حدوده الدولية بسوريا”.

ومن شان ذلك وفق قناعته، وما يعتقده سياسيون كثر في نينوى:”منع اي محاولة مستقبلية لإنشاء اقليم سني في المنطقة الغربية للعراق”.

ويستدرك:”المطالبة بتحويل سهل نينوى وتلعفر الى محافظة، يفسر سبب رفض قوى شيعية في نينوى قبل 2024، توسيع التصميم الاساسي لمدينة الموصل، لأنها تخطط بالفعل في الخفاء الى تحقيق هدفها للسيطرة على نينوى”.

أما الخبير الاقتصادي بلال لازم، فيرى بأن الهدف من مطالبة قوى سياسية بتحويل سهل نينوى وتلعفر الى محافظة “سياسي اقتصادي” فهو يأتي لإضعاف نينوى من الناحية الاقتصادية “بل وحتى شل حركتها بالكامل”.

ويبين:”سهل نينوى يقع ضمن ما يعرف بالخط المطري، أي امطارها مضمونة، وفيها أخصب الأراضي الزراعية، التي تساعد على تنمية الثروة الحيوانية، وفيها الطرق المؤدية الى كركوك واربيل ودهوك التي هي ممرات التجارة الرئيسية، والطريق الرابط بالمنفذ الدولي مع تركيا”.

أما فيما يتعلق بتلعفر:”تقع في القضاء مكامن نفطية، وفيها ايضا اراض زراعية، وعبرها المنفذ الدولية مع سوريا- معبر ربيعة الحدودي، فضلاً عن الثروة الحيوانية”.

الخبير القانوني المتقاعد وليد الطائي، يشير إلى أن هنالك تنوعاً في المكونات الموجودة في سهل نينوى، وهذا يعني “اشراكها في حكم وإدارة المحافظة المفترضة، وهذا امر صعب في ظل سيطرة الحشد الشعبي على سهل نينوى”.

ماهر أحمد، شبكي (48 سنة) يعمل في ورشة ميكانيكة بمنطقة بازوايا في سهل نينوى، ذكر بأن النظام العراقي هدم منزل عائلته سنة 1989، بتهمة تزويرها لقومية افرادها من عربية الى كردية، وتم ترحيلهم الى منطقة دشت حرير في اقليم كردستان “خسرنا منزلنا واملاكنا ورحلونا بالثياب التي علينا”.

ثم يقول بأن العائلة رجعت لتستقر في منطقة كراج الشمال بالجانب الايسر للموصل بعد 2003، وبدأت حياة جديدة فيها “لكن عناصر من القاعدة قتلوا شقيقي الأصغر في 2006 وهددونا انا واشقائي الآخرين بالقتل، فتركنا منزلنا وما نملكه ونزحنا الى سهل نينوى”.

في آب/اغسطس 2014، هاجم تنظيم داعش سهل نينوى، فهرب ماهر وافراد عائلته من اشقاء وسواهم لينجوا بأنفسهم، تاركين خلفهم منازلهم واملاكهم التي سيطر عليها التنظيم، وبقوا نازحين في النجف، ولم يعودوا إلا في أواخر سنة 2017 بعد نحو عام من طرد التنظيم من السهل.

يقول ماهر بنبرة حازمة:”منذ ان اصبحت لدينا قوة من اهلنا تحمينا في سهل نينوى وهو اللواء 30، ونحن نشعر وللمرة الأولى في حياتنا بالأمن والسلام”. ثم يتابع وهو يلف ذراعيه على صدره:”تحويل سهل نينوى الى محافظة هو ضمان لمستقبلنا ومستقبل أطفالنا، نحن الشبك والمسيحيين وكل من يعيش في سهل نينوى”.

أنجز التحقيق من قبل شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية لصالح ميدان.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":29526}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">