تحقيقات استقصائية: خلافا للقوانين والتعليمات، شركات النفط تفضل العامل الأجنبي على العراقي وتميزه في الأجور والحقوق

خلافا للقوانين والتعليمات، شركات النفط تفضل العامل الأجنبي على العراقي وتميزه في الأجور والحقوق

منذ أكثر من عام و”علي غسان” (29 سنة) من مدينة البصرة جنوبي العراق، يفتش عن فرصة عمل في واحدة من المشاريع النفطية المنتشرة في مدينته ومحيطها، لكن دون جدوى.1

جرب البحث يومياً عبر مجموعات (عمل البصرة) على فيسبوك، وطرق أبواب أكثر من عشرين شركة مقاولات مرتبطة بمشاريع الحقول النفطية وسلمها شهادته العلمية في اختصاص النفط، غير أنه لم يتلق أي رد.

“علي” خريج معهد التدريب النفطي في البصرة سنة 2014، لكنه يعمل في مقهى صغير لا يبعد كثيراً عن مجمعات حقل الزبير النفطي، جنوب غربي البصرة، الذي تديره شركة ENI الإيطالية بالشراكة مع شركات أخرى.

يقول وهو يضع أقداح الشاي على طاولة ممتدة أمامه: “أعمل هنا 12 ساعة يوميا، واقول لنفسي كل يوم ومنذ سنوات، أنني سأجد عملا يتناسب مع شهادتي. عندما تخرجت كانت هناك حرب مع تنظيم داعش وبعدها أزمات اقتصادية نتيجة تراجع اسعار النفط ومن ثم فيروس كورونا، الآن الأوضاع مختلفة رغم ذلك لا أجد فرصة عمل مناسبة”.

يشير الى مجمعات حقل الزبير القريبة ويقول:”لاترفضني الشركات مباشرة في بعض الاحيان”، ويوضح:”احيانا تكون الفرصة المتاحة مشروطة بخبرة او مهارات محددة، مثلا عامل صيانة بخبرة لا تقل عن خمس سنوات أو مساعد حفر يجيد اللغة الانكليزية بطلاقة!”.

يطلق ضحكة قصيرة ويتابع:”من أين آتي بسنوات الخبرة الخمس إذا لم يوظفني احد؟”. يصمت قليلاً قبل ان يردد بأسف:”نصحني صديق يعمل في واحدة من هذه الشركات أن لا اتعب نفسي، لأن التعيينات محسومة، والافضلية دوما للأجنبي على حساب المواطن”.

يكشف هذا التحقيق بالأدلة والوثائق كيف تقوم شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق، بمخالفة القوانين المحلية بشأن نسب تشغيل العمالة الوطنية، مستغلة ضعف الرقابة وتواطؤ بعض المسؤولين، ما يزيد نسب البطالة المرتفعة في البلاد ويهدر فرص لتحقيق التنمية الوطنية.

يحدث ذلك مع أن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية كانت قد أكدت في 2021 أن الشركات الأجنبية العاملة في العراق (ومعظمها تعمل في مجال النفط والغاز) ملزمة بتوظيف عمال عراقيين بنسبة لا تقل عن 50% من إجمالي العاملين في المشاريع التي حصلت على إجازة استثمار.

كما تتضمن عقود جولات التراخيص النفطية التي تم توقيعها بين وزارة النفط والشركات الأجنبية، منذ عام 2009 بنودا محددة تلزم الشركات بتشغيل العمالة العراقية بنسبة لا تقل عن 85% من إجمالي العاملين في المشاريع النفطية.

عدم التزام بالقانون

على الرغم من أن الشركات النفطية الاجنبية تقدم بيانات سنوية تزعم فيها التزامها بتشغيل 85% من العمال العراقيين، إلا أن التدقيق الفعلي في مواقع العمل، كما كشفه رئيس كتلة “إشراقة كانون” في مجلس النواب، حيدر المطيري، يظهر عكس ذلك.

ويتهم المطيري، تلك الشركات بتشغيلها للعمال الأجانب بنسب تفوق الحد المقرر قانونياً، مؤكدا أن بعضها تجاوزت ذلك إلى تشغيل عمالة أجنبية بنسبة 100%، “دون أي وجود للعمال العراقيين”.

ويرى أن هذه المخالفات “تؤثر بشكل كبير على فرص عمل العراقيين خاصة من خريجي الجامعات، فهذه الشركات تفضل استخدام العمالة الأجنبية على حساب الكوادر العراقية مثل المهندسين والفنيين”.

ويشير المطيري إلى أن وزارة النفط:”رفضت في البداية تقديم أي معلومات حول أعداد العمالة الأجنبية في الحقول النفطية، لكن في سنة 2024 بدأ التعاون بشكل نسبي، اذ تم تشكيل لجنة في مجلس النواب للتحقيق في أعداد العمالة الأجنبية في الحقول النفطية مقارنة بالعمالة العراقية”، مهددا باللجوء الى القضاء في حال رفضت الشركات السماح للجنة “بالدخول إلى الحقول النفطية، كما حدث مع بعض النواب سابقاً”.

Image

بدوره يؤكد عضو لجنة النفط والطاقة النيابية، عدنان الجابري، وجود مصاعب يواجهها البرلمان في الحصول على المعلومات اللازمة من وزارتي النفط والعمل.

ويقول بإن التعاون من قبل بعض الوزارات كان معدوما، وان النفوذ السياسي المساند لبعض الشركات:”يعيق فتح الملفات التي تخدم مصلحة المواطنين، بما فيها نسب العاملين العراقيين”.

ويزيد:” توجد شركات توظيف تعمل تحت مظلة اقتصاديات سياسية، يسيطر عليها متنفذون، يقومون بجلب عمال أجانب إلى العراق مقابل مبالغ مالية على حساب أبناء البصرة”.

كما يشير الى ان العمال العراقيين، الذين يعملون في الحقول النفطية “يعانون من ظروف قاسية، إذ يمنعون أحياناً من الذهاب إلى منازلهم لأكثر من 60 يوما، ويسكنون في غرف مكتظة يتراوح عدد العمال فيها بين 10 الى 12 عاملاً، والطعام المقدم اليهم أحيانا غير قابل للإستهلاك”.

ويعتقد الجابري، بأن شركات النفط، تفعل ذلك مع العمال العراقيين الذي شبههم بالمعتقلين:”للتضييق عليهم وإجبارهم على ترك العمل”.

ويشير النائب إلى أنه طلب استضافة المعنيين في وزارة النفط، وبالأخص من قسم التشغيل المركزي: “لكن الملف ما يزال معطلا بسبب الضغوط السياسية التي تمارسها الأطراف المستفيدة من هذه الشركات”.

وفي محافظة ميسان، حيث تلوح أبراج الحفر النفطي في الأفق، تبرز مفارقة تصفها كوثر الأعرجي، عضو مجلس المحافظة، بالقاسية:”الحقول النفطية تضم أعداد كبيرة من العمال الأجانب الذين يتقاضى بعضهم رواتب تصل إلى آلاف الدولارات شهرياً، في وقت يحصر فيه دور العامل العراقي في مهام هامشية كالحراسة والنظافة وقيادة السيارات، مع وجود عدد ضئيل من المهندسين من العراقيين مقارنة بنظرائهم الأجانب”.

وتضيف بمرارة: “العامل العراقي لا يواجه فقط التهميش في نوعية العمل، بل يعيش أيضا تحت تهديد دائم بالفصل، وكأن وجوده مؤقت ومشروط بالصمت والرضا”.

“هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلالا في العدالة التوظيفية، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي في محافظة تعتمد بشكل كبير على الثروة النفطية كمصدر رزق لأبنائها”، تقول عضوة مجلس المحافظة بأسف.

عمال من 50 دولة تتصدرها الصين

تظهر وثائق رسمية، أحدها صادرة عن مكتب التصاريح الأمنية التابع لوزارة النفط – فرع الجنوب، في الأول من أيار/مايو 2024، أن عدد العمال الأجانب في الشركات النفطية العاملة بمحافظات البصرة وميسان وذي قار بلغ 196,704 عاملاً ينتمون إلى 50 دولة مختلفة.

وتتصدر الصين قائمة الدول التي ينتمي لها هؤلاء العمال، تليها باكستان، ثم الهند، فيما جاءت بريطانيا وروسيا ومصر وتركيا وجنوب إفريقيا ضمن الدول الأكثر حضوراً أيضاً.

وفي وثيقة صادرة عن وزارة النفط في 23 أيار/مايو 2024، تخاطب فيها الشركات الأجنبية العاملة معها، إضافة إلى الشركات الثانوية المتعاقدة، بضرورة مراجعة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية خلال شهر من تاريخ دخول موظفيها إلى الأراضي العراقية، من أجل استصدار إجازات عمل رسمية.

وتشير وثائق أخرى إلى أن أعداد الشركات النفطية الأجنبية في العراق تبلغ 219 شركة، وأن أعداد العمال الأجانب الذين دخلوا الأراضي العراقية وبدأوا العمل في الحقول النفطية دون الحصول على إجازة عمل، بلغ 13,684 عاملاً.

في 11 أيلول/سبتمبر 2024 طلبت الدائرة الادارية والمالية في وزارة النفط من شركة مصافي الجنوب تزويد الوزارة بموقف تفصيلي عن العمالة الأجنبية ضمن مشاريع الشركة، من حيث الأعداد والمبالغ الشهرية المصروفة لهم.

وردت مصافي الجنوب في الرابع من شباط/فبراير 2025 بعدم تمكنها من توفير المعلومات المطلوبة، مرجعة السبب إلى عدم تجاوب الشركات مع ذلك الطلب. وأشارت الى امتناع إدارة “مشروع التكسير بالعامل المساعد” بسبب عدم تجاوب الشركة اليابانية المقاولة الرئيسية (JGC) مع طلب تقديم البيانات. ورفض الشركة الأمريكية (ICCS) المنفذة لمشروع المراجل البخارية الجديدة، تزويد (شركة مصافي الجنوب) بالمصروفات الشهرية لها، عادةً ذلك “شأناً داخلياً خاصاً بالشركة”.

وتشير وثيقة صادرة عن شركة نفط ميسان في 16 شباط/فبراير 2025، إلى أن عدد العمال الأجانب في شركة بتروجاينا، المشغلة لحقل الحلفاية النفطي، بلغ 498 عاملاً خلال عام 2024، فيما بلغ إجمالي ما صرف من رواتبهم نحو 111,097,562 دولاراً أمريكياً.

وفي الوقت ذاته، أظهرت الوثيقة اعتذار شركة نفط ميسان عن تقديم باقي البيانات المتعلقة بالعمالة الأجنبية العاملة في بقية حقول ميسان، مؤكدة أنها ستزود مجلس النواب بالمعلومات المطلوبة حال ورودها.

ووفقًا لكتاب مصدره عضو مجلس النواب حيدر المطيري، مؤرخ في 3 آذار/مارس 2024، فإن عددا من الشركات الأجنبية العاملة ضمن جولات التراخيص (منها شركات الائتلاف الكورية، وشركة CPP الصينية، وشركة سونانكول الأنغولية، وشركة روكيم للخدمات والتحاليل البترولية، وشركة يوريوفينتاس الفرنسية، وشركة MSPEE، بالإضافة إلى شركة إنترينك) التي تعمل ضمن مشاريع تابعة لشركة المشاريع النفطية وشركة نفط الشمال وشركة تسويق النفط (سومو)، تبلغ نسبة العمالة الأجنبية فيها 100%، دون أي وجود للعمالة العراقية.

وتظهر ذات الوثائق تزايد الاعتماد على العمالة الأجنبية في عدد من الشركات العاملة ضمن جولات التراخيص النفطية في البصرة، إذا بلغت نسبة العمالة الأجنبية في الشركة المشغلة الرئيسية لحقل الرقعة 12 نحو 69%، في مخالفة واضحة لبنود التعاقد التي تلزم الشركات الأجنبية بتشغيل ما لا يقل عن 85% من العمالة العراقية.

أما في مشروع التكسير بالعامل المساعد، فالنسب جاءت على النحو التالي: هيونداي (58%)، كومجا (88%)، APN (94%)، كيمي تك (73%)، دايسون (86%)، ديا (71%)، دايشن (72%)، رونيسانس (53%)، سيباك (58%)، بينما سجلت شركة العالمية أعلى نسبة بـ 100% عمالة أجنبية.

ويحذر النائب المطيري من التأثير السلبي لذلك على فرص العمل المتاحة للمواطنين، ولا سيما المهندسين العراقيين، ويطالب وزارة النفط “بإعادة النظر في نسب تشغيل العمال الأجانب، والكشف عن المبالغ الإجمالية المصروفة على هذه العمالة خلال السنوات السابقة ضمن عقود جولات التراخيص، وتزويد مجلس النواب بتفاصيلها”.

تفاوت هائل في الأجور

تظهر وثائق رسمية، صادرة عن وزارة النفط 2024 زودنا بها مصدر نيابي، تفاوتاً واضحاً في رواتب العمال الأجانب العاملين في الشركات النفطية داخل العراق، كما مع رواتب العمال العراقيين.

يبلغ عدد العاملين الأجانب في شركة ناقلات النفط العراقية 20 عاملاً يتقاضون مجتمعين 27,400 دولار شهريا، أي بحدود 1370 دولاراً للعامل الواحد شهرياً، في حين بلغ عدد العمال الاجانب في شركة نفط البصرة (ضمن شركة الكويت للطاقة/ البصرة المحدودة) 301 عاملاً، بمبلغ شهري قدره 3,631,492 دينار عراقي (2,557 دولارا أمريكيا)، بينما في شركة لوك أويل بلغ عددهم 437 عاملاً، برواتب شهرية إجمالية وصلت إلى 40,730,116 دولار أمريكي، أي ما يقارب 93 ألف دولار لكل عامل، في وقت لا تتجاوز فيه رواتب الكثير من العمال العراقيين الحد الأدنى للأجور والتي تقدر ما بين 500 إلى 1000 دولار أمريكي للعامل الحرفي والفني.

في شركة نفط الوسط، تشغل شركة الواحة، وهي شركة صينية تعمل في حقل الأحدب النفطي في محافظة واسط، (114) عاملاً أجنبياً، براتب شهري يبلغ نحو 20,467 دولاراً لكل عامل، في حين توظف شركة EBS (101) عاملاً أجنبياً، يتقاضى كل منهم راتباً شهرياً يصل إلى 28,465 دولاراً.

أما شركة Gazprom، فيبلغ عدد العاملين الأجانب لديها (224) عاملاً، يتقاضى كل منهم راتباً شهرياً قدره 12,794 دولاراً، بينما تشغل شركة Geo Jade (51) عاملاً أجنبياً برواتب شهرية تصل إلى 21,446 دولاراً لكل منهم، في حين توظف شركة UKRZEM RESRS (15) عاملاً أجنبياً براتب شهري يبلغ 5,675 دولاراً لكل عامل.

وفي شركة غاز الجنوب، توظف شركة أيرنز الأمنية (93) عاملاً أجنبياً، برواتب إجمالية شهرية تبلغ نحو 110 مليون دينار عراقي 77,465 دولار أمريكي، في حين تدفع شركة توتال إنيرجيز ما يقارب 9.6 مليون دولار أمريكي كرواتب شهرية لـ(280) عاملاً أجنبياً، أي أكثر من 34 الف دولار لكل عامل شهريا.

إزاء ذلك، وجه موظفون من شركة الحفر العراقية في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 رسالة عاجلة إلى رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، طالبوا فيها بإعادة إحالة مشاريع حفر واستصلاح الآبار النفطية مباشرة إلى الشركة، كما كان معمولا به قبل بدء جولات التراخيص، مؤكدين أنه “من غير المعقول ولا المنطقي أن تتحول شركة وطنية حكومية إلى مجرد مقاول ثانوي تعمل تحت إمرة الشركات الأجنبية”.

وأوضح الموظفون في رسالتهم أن الشركة تُجبر على الخضوع لشروط وصفوها بالـ”تعجيزية” تفرضها الشركات الأجنبية المتحالفة، ما يثقل كاهلها بالمصاريف ويضعها في موقع الشركة الخاسرة عمدا، “خصوصا أن الشركات الأجنبية – مثل كوسل، سينوك، إيني، بي بي – لا تلزم بشروط مماثلة”.

وعدو ذلك معاملة غير منصفة “أضرت بمكانة شركة الحفر العراقية، وساهمت في حصول عجز مالي كبيرا وصل إلى نحو 110 مليار دينار في عام 2023”.

الموظفون دعوا في رسالتهم الى تدخل عاجل من الحكومة لإنصاف شركتهم، ووضع حد “للتمييز غير المبرر بين الشركات الوطنية والأجنبية في قطاع حيوي مثل النفط”على حد ما جاء في الرسالة.

في 15 آذار/مارس 2022، أجرى عضو لجنة النفط والطاقة النيابية، عدنان الجابري، جولة ميدانية في مواقع عمل شركة (سيجم) المتعاقدة مع شركة (لوك أويل) المستثمرة لحقل غرب القرنة/2، حيث وثق خلالها عدداً من المخالفات الإدارية والمالية، تمثلت بوجود أعداد كبيرة من العمال الأجانب، يعملون في اختصاصات يمكن ان تتوفر بالكفاءات المحلية “ما يشكل مخالفة صريحة لعقود جولات التراخيص، إضافة إلى وجود فوارق كبيرة في آلية قبول العمال الأجانب وأجورهم مقارنة بالعمال العراقيين، الأمر الذي يعكس تمييزاً غير مبرر”.

كما أشار إلى غياب أي جهود حقيقية لتأهيل وتطوير الأيدي العاملة المحلية، ما يفيد بتعمد اهمالها وتهميشها، مقابل استقطاب وتدريب العمالة الأجنبية وزجها في سوق العمل العراقية، وهو ما يشكل إخلالاً واضحاً بالتزامات الشركات تجاه دعم وتنمية الكوادر الوطنية.

وحتى بعد مرور ثلاث سنوات من تلك الجولة وتوجيه النائب تلك الملاحظات الى الجهات المسؤولة، مازالت الأمور على حالها، والعامل العراقي ينتظر تطبيق القانون لإنصافه.

وزارة النفط تبرر ووزارة العمل ترد

وزارة النفط لا تنفي المعلومات التي يبرزها نواب بالبرلمان العراقي، بشأن تفضيل العامل الاجنبي على العراقي في شركات النفط الاجنبية، وهي تقدم تفسيرا عن ذلك ينطوي على تبريرات فنية، منها أن العمال الأجانب، وخاصة القادمين من بلدان شرق اسيوية، يمتلكون مهارات فنية متقدمة يصعب توافرها محلياً.

وقال مصدر مسؤول في الوزارة (فضل عدم الكشف عن هويته) إن الشركات النفطية تعتمد على الكوادر الآسيوية بسبب قدرتها على العمل في ظروف مناخية قاسية، ولا سيما في مناطق جنوب العراق التي تشهد درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية.

ويشير المصدر إلى أن هناك خلطاً شائعاً بين نوعين من الشركات المختلفة العاملة في القطاع النفطي، فهناك الشركات الكبرى التي تشرف على تطوير الحقول النفطية مثل (إيني) الإيطالية، و(بي بي) البريطانية، و(شيل) الهولندية، و(موبل) الأميركية، بالإضافة إلى الشركات الروسية والصينية والماليزية والكورية واليابانية “وهذه عادة ما تعتمد على العمالة المحلية بشكل أساسي، أو تستقدم عمالة فنية متخصصة نادرة في السوق المحلي”.

ويضيف:”في المقابل، توجد الشركات الثانوية التي تعمل على تنفيذ مشاريع البنية التحتية بعقود مؤقتة، وهي الشركات التي تقوم غالبا باستقدام العمالة الأجنبية لفترات قصيرة قد تتراوح بين سنة إلى سنتين”.

وهذا التوظيف المؤقت بحسب المصدر، يتم خلطه أحيانا مع الإحصائيات العامة للعمالة الأجنبية في الحقول النفطية “مما يؤدي إلى تضليل الصورة العامة حول حجم العمالة الأجنبية في القطاع، ويعكس حالة من الغموض في الإحصاءات الرسمية”.

المصدر المسؤول يضيف على ذلك أن “التوجه العام لدى تلك الشركات هو تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية عند توفر الكفاءة العراقية، وهو أمر يصب في مصلحة الشركات نفسها، إذ أن استقدام العمالة الأجنبية يترتب عليه أعباء مالية إضافية تشمل تكاليف النقل والإقامة، فضلاً عن الرواتب المرتفعة التي تمنح للعمال الأجانب، وبالتالي يكون من الأفضل للشركات استقطاب العمالة الوطنية إذا كانت تتوفر لديها نفس الكفاءة، مما يساعد في تقليل التكاليف وتعزيز الاستدامة المالية”.

ويشير المصدر، إلى أن الشباب المتظاهرين بين فترة وأخرى لا يكتفون بالمطالبة بفرص العمل وإيجاد وظائف في الشركات النفطية، بل يتطلعون إلى تعيينات دائمة على ملاك وزارة النفط “وهو أمر خارج نطاق صلاحيات الوزارة”.

كما يوضح أن الوزارة لا يمكنها تعيين المزيد من الكوادر الدائمة بسبب “التضخم الوظيفي”، مشيراً إلى أن الوزارة تعرضت في السابق الى “ضغوط سياسية وانتخابية” لتعيين خريجين في تخصصات لا نحتاج إليها، مما أدى إلى وجود فائض كبير في الموظفين، إذ أن أكثر من نصف العاملين في الوزارة يعدون فائضين عن الحاجة.

ذلك لا يلغي، بحسب شباب يطالبون بفرص عمل، وجود ما يصفونه بتقصير من الوزارة وبقية الجهات المسؤولة في “تأهيل الشباب وتطوير امكاناتهم، خاصة من خريجي كليات ومعاهد النفط، وبما يؤهلهم للعمل في مختلف مفاصل انتاج النفط” وفق ما ذكره أحدهم.

كما ان رؤية ومعلومات وزارة النفط، تتقاطع مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، التي كشفت عن وجود تحايل من قبل الشركات النفطية الأجنبية على اللجان الرقابية التابعة لها، إذ تقوم الشركات بإخفاء الأعداد الحقيقية للعمال الأجانب مقارنة بالعمال المحليين، فضلاً عن تقديم معلومات مغلوطة بشان الرواتب والمزايا الممنوحة للعمال الأجانب.

ووفقاً للمستشار الإعلامي لوزار العمل، كاظم العطواني، فأن الشركات الخاصة بدأت بالتسجيل لعمالتها تحت مظلة قانون الضمان الاجتماعي بعد إقراره “إلا أن الشركات الأجنبية ما تزال تمارس التلاعب بالإحصائيات المتعلقة بالعمال الأجانب مقارنة بالعراقيين، وتدعي أرقاماً مغلوطة حول الأجور”.

ويؤكد حصول ذلك، منبها الى ان “تزويد الوزارة بمعلومات غير صحيحة بشأن العمالة، سيعرض الشركات للمساءلة القانونية والغرامات المالية”، لافتاً إلى أن الهدف الرئيسي للوزارة هو رفع نسبة توظيف العمال العراقيين إلى أكثر من 50%.

وتعاني وزارة العمل، التي يفترض بها مراقبة التزام الشركات، ضعفاً مزمناً في أدواتها الرقابية، هذا ما كشف عنه الوزير أحمد الأسدي، ذاته في مقابلة متلفزة بثت في 13 آذار/مارس 2025 بقوله، إن “عدد المفتشين العاملين في عموم العراق يبلغ 50 مفتشاً فقط، بينما هناك أكثر من 180 ألف شركة تعمل في مختلف القطاعات، بما فيها القطاع النفطي”.

وكشف أيضا عن وجود تواطؤ في عمل بعض لجان التفتيش مع الشركات التي تستخدم عمالة أجنبية في العراق، مؤكدا بذلك مواجهة وزارة العمل لتحديات كبيرة في مراقبة العمال الاجانب، ومتابعة أعدادهم واي مخالفات تجري فيها.

وذكر الوزير كذلك أن:” الإحصاءات المتوفرة لدى الوزارة تشير إلى أن 90% من العمالة الأجنبية العاملة في القطاعات المختلفة، غير مسجلة في وزارة العمل، وأن البصرة لوحدها تضم نحو 500 ألف عامل أجنبي، في حين أن الوزارة لا تمتلك سوى ثلاثة مفتشين فقط للمراقبة في تلك المحافظة التي تعد مركزا رئيسيا للقطاع النفطي وهذا يساهم في زيادة التلاعب والإخفاء”.

ولفت الأسدي الى أن الشركات النفطية تعتمد بنحو كبير على العمالة الأجنبية، إذ “تشكل 70-80% من إجمالي العمالة في هذه الشركات”.

وتنص المادة 30 من قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015، على أنه “يحظر على الإدارات وأصحاب العمل تشغيل أي عامل أجنبي بأي صفة ما لم يكن حاصلاً على إجازة العمل التي تصدرها الوزارة مقابل رسم يحدد بتعليمات يصدرها الوزير”.

منافسة غير عادلة

عضو لجنة النفط النيابية عن محافظة البصرة، النائب علاء الحيدري، يقول بأن الشباب العراقيين يعانون من البطالة التي وصلت نسبتها خلال العام 2024 إلى 17.5 في ظل استمرار الشركات عموما بما فيها النفطية في استقدام العمالة الأجنبية، على الرغم وجود كفاءات محلية قادرة على شغل الوظائف”. ويستدرك: “المنافسة غير عادلة”.

ويؤكد بأن بعض شركات القطاع الخاص أصبحت وسيلة “لإذلال الشباب الباحث عن فرصة عمل”، إذ “يجد العمال الأجانب من جنسيات مثل الهندية والباكستانية والصينية فرص عمل بسهولة، بحجة انهم يقبلون بكل الأعمال ويلتزمون بساعات عمل اطول، في الوقت الذي يبقى فيه الخريجون العراقيون جالسين في المنازل، ينتظرون فرصا لا تأتي”.

وفيما يتعلق بالفروقات الكبيرة في الرواتب بين العمال الأجانب والعراقيين في الحقل النفطي تحديداً، يكشف الحيدري عن تفاوت يصفه بغير المعقول: “أصغر عامل فني أجنبي، في بعض الشركات، يتقاضى خمسة آلاف دولار شهريا بينما لا يتعدى راتب العامل العراقي أحيانا الـ 500 ألف دينار، مع أنه يعمل أكثر من 12 ساعة يومياً”.

ومع تزايد النقاش بشأن هذه الفجوات في الرواتب، يكشف مصدر حكومي لجوء بعض الشركات إلى “تحايل ذكي” لتجاوز الأنظمة العراقية.

ويوضح المصدر:”الشركات النفطية تسجل العمال الأجانب في الكثير من الأحيان كـ “مستشارين” أو “خبراء”، وهو ما يعفيهم من التقيد بنسبة العمالة الأجنبية التي يجب أن يتم تشغيلها بموجب القوانين العراقية”.

ويضيف إلى ذلك قيام بعض الشركات النفطية الكبرى “بتوظيف الأجانب عن طريق شركات مقاولة محلية، تظهر وكأنها شركات عراقية مستقلة بينما العمالة الأجنبية هي من تنفذ العمل، وفي حالات أخرى، يتم منح العمال الأجانب تأشيرات زيارة عمل قصيرة يتم تجديدها باستمرار”.

ويرى هشام العبادي، رئيس اتحاد نقابات العمال في محافظة ذي قار وهي من المحافظات النفطية، أن نسبة العمالة الأجنبية في الشركات النفطية ومواقع العمل الخاصة تصل إلى 80% “مما يعكس تغلباً مقلقاً للعمالة الأجنبية على العمالة الوطنية”.

ويقول إن “أغلب الشركات تمنح العمالة الأجنبية النسبة الأكبر في العمل، بينما تكون العمالة المحلية هي الأقلية، ومع غياب الغرامات المالية المؤثرة على الشركات، تظل هذه الشركات في مأمن من أي مساءلة قانونية”.

أما مدير مكتب حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، فيرى أن “هناك تماديا من الشركات النفطية الأجنبية في استقطاب اليد العاملة الأجنبية” في ظل قدرتها على الإفلات من المساءلة.

ويضيف أن العمال الأجانب في القطاع النفطي غالبا ما يكونون في وضع مالي ممتاز مقارنة بالعراقيين، مشيرا إلى أن “حتى المهندس العراقي لا يتقاضى ما يحصل عليه العامل الأجنبي العادي القادم من جنوب شرق آسيا”.

لا يتوقف التميمي عند ذلك، بل يصف رواتب “الخبراء الأجانب” بأنها “ملف كارثي”، إذ “تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، بينما لا يجد العامل العراقي حتى ضمانات محددة للعمل أو حقوق”.

على الرغم من الآثار السلبية الكبيرة لإتساع العمالة الاجنبية في العراق مقارنة بالمحلية، فان الحكومة المحلية في البصرة، حيث تنتشر حقول النفط العملاقة والموانئ العراقية، غير قادرة على التحرك لايجاد معالجات لذلك الخلل، وتمنعها صلاحياتها المحدودة حتى من تفقد الحقول النفطية والاطلاع على واقع عمل الشركات هناك.

يقول عضو مجلس محافظة البصرة، نوفل المنصوري، ان اعضاء المجلس “لا يملكون صلاحيات الدخول إلى المواقع النفطية في المحافظة إلا بعد موافقة رئيس الوزراء أو وزير النفط”، وبالتالي وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها حكومة البصرة في محاولة لتوظيف أبنائها العاطلين “إلا أن التدخلات السياسية والتحديات البيروقراطية تمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق العدالة”.

ويضيف المنصوري أن المعلومات المتوفرة لدى المجلس تشير إلى وجود نحو 90 ألف عامل أجنبي في الشركات النفطية داخل البصرة وحدها.

وفي هذا السياق، يقول علي العبادي، مدير مركز العراق لحقوق الإنسان، بأنه لاتوجد “عدالة اجتماعية في توزيع الفرص بين العراقيين والعمال الأجانب”، وينتقد سياسات التوظيف، مؤكدا وجود اشخاص مطلوبون جنائيا في بلدانهم يعملون في البصرة.

ويضيف :”هذا يفتح الباب لمزيد من الأسئلة حول سياسات توظيف العمالة الأجنبية” التي تحتاج الى مراجعة ومعالجة.

ويدعو العبادي الحكومتين المركزية والمحلية في البصرة، إلى “اتخاذ قرارات حاسمة لإنقاذ الشباب من البطالة والآفات التي تحيط بهم”، وهذا يتطلب “نافذة خاصة بالعمال العراقيين في الشركات الأجنبية”، مطالبا بتنظيم سوق العمل وحماية حقوق العراقيين في هذه الصناعات الاستراتيجية.

وعلى الرغم من تأكيدات وزارة النفط بشأن التزام الشركات الأجنبية بتشغيل العراقيين وفق ما ترسمه القوانين والاتفاقات، تكشف الشهادات الميدانية للعديد من العاملين العراقيين في الشركات النفطية او الباحثين عن فرص عمل فيها، عن واقع مغاير.

ذلك الواقع تجسده قصة أحمد صفاء، أحد العاملين السابقين في مشروع مصفى الشعيبة الجديد (FCC)، الذي تنفذه شركة JGC اليابانية، والذي عمل بصفة فني ميكانيك.

أحمد، البالغ من العمر 37 سنة، حاصل على شهادة دبلوم تقني، بدأ عمله في الموقع مطلع عام 2022، وكان يأمل أن يمثل المشروع نقطة تحول في حياته وحياة غيره من أبناء البصرة، يقول: “في البداية كانت الغالبية العظمى من العاملين عراقيين، وشعرنا أن وعود الحكومة بتمكين الكفاءات المحلية بدأت تتحقق فعلاً”.

لكن ذلك لم يدم طويلاً، وكل شيء تغير، ففي 16 آب/أغسطس 2023 تلقت الشركة كتاباً من وزارة العمل يسمح للشركات الأجنبية باستقدام عمال أجانب بنسبة 50% مقابل 50% من العراقيين، يقول أحمد إن هذا القرار كان نقطة التحول في جنسية العاملين بالمشروع: “بعدها بدأت الشركة بتقليص عدد العراقيين تدريجياً، وبدأ التسريح من العمل ومن دون سابق إنذار ودون حتى مكافآت نهاية خدمة”.

في 8 آذار/مارس 2025، أنهت الشركة اليابانية عقد أحمد، ومعه مجموعة من زملائه العراقيين بنحو مفاجئ، دون إشعار أو مبرر، كما يقول، ليحل محلهم عمال أجانب من جنسيات متعددة، من إيران والهند وباكستان وتركيا.

“حتى بطاقات دخولنا سحبوها منا عند بوابة الدخول، وكأننا لم نكن هنا يوماً”، يقول أحمد بأسى، وهو يحمل هم رعاية طفليه ومستقبلهما بعد انقطاع راتبه “لا شيء يمكننا فعله، هذه الشركات قوية وتعرف كيف تتهرب من التزاماتها بشأن توظيف العراقيين، فيما الحكومة تقف عاجزة ومتفرجة”.

• انجز التحقيق باشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية وبدعم من منظمة CFI.

المزيد عن تحقيقات استقصائية

تحقيقات استقصائية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":29422}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">