تحقيقات استقصائية: بغياب تطبيق القوانين البيئية.. الكتل الخرسانية تمتد الى جبال السليمانية مهددة بيئتها الطبيعية

بغياب تطبيق القوانين البيئية.. الكتل الخرسانية تمتد الى جبال السليمانية مهددة بيئتها الطبيعية

“انهم يحولون المساحات الخضراء إلى مكعبات كونكريتية!” تقول سارة كريم (34 سنة) وهي تشير بحركة يد انفعالية إلى منطقة في مصيف سرجنار (5 كم غرب السليمانية) كانت “حديقة عامة” اعتادت على ارتيادها خلال سنوات طفولتها قبل ان تتحول الى مجمع سكني.

“جلبت طفليَ الصغيرين معي لكي نتنزه هنا، لكن المكان تغير تماما ولم يبق كما كان مليئاً بالأشجار والمساحات الخضراء التي كانت توفر هواءً نقياً للهاربين من حر وزحامات المدينة. الآن بدلا من ذلك لا نجد سوى هذه الأبنية” تتابع سارة وهي تمسك بيدي طفليها لتعيدهما إلى سيارتها التي ركنتها على جانب الطريق.

 اشتهرت منطقة سرجنار، خلال العقود المنصرمة، بكونها ملاذا للعائلات القادمة إليها للتنزه سواءً من مدينة السليمانية أو حتى من باقي المحافظات العراقية، واشتهرت حدائقها المترامية بكونها مسرحا للإحتفالات الشعبية خاصة في عيد نوروز.

تقول سارة وهي تنظر الى طفليها المسترخيين في مقعديهما الخلفيين :”ليست سرجنار وحدها التي فقدت أشجارها الوارفة ومساحاتها الخضراء، بل السليمانية بشكل عام، فلن تجد أينما حولت نظرك سوى العمارات السكنية التي يصل ارتفاع بعضها إلى 30 طابقاً”.

ما يحدث في السليمانية ينطبق على اقليم كردستان بنحو عام، بعد أن شهد توسعاً عمرانياً سريعاً منذ العام 2005، وإنفتاحاً كبيراً باتجاه البناء العمودي، لاسيما بعد تنافس شركات استثمارية أجنبية في هذا القطاع، أغلبها تركية وإيرانية بنت عشرات آلاف من الوحدات السكنية بمواصفات وأسعار مختلفة.

مواصفات متعددة وغياب للمساحات الخضراء

جولة ميدانية سريعة، بين عدد من المجمعات السكنية العمودية في محافظات الاقليم الثلاث، تظهر أنها تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: الأولى منخفضة الكلفة، مخصصة لمحدودي الدخل وبأسعار تتراح بين 45-60 ألف دولار أمريكي، وتفتقر غالبية مشاريعها للمواصفات العالية ومتطلبات المتانة في البناء وحتى معايير السلامة، ما يجعل بعض المختصين يشككون حتى بقدرتها على تحمل الكوارث الطبيعية كالزلازل القوية، الى جانب افتقادها الى المساحات الخضراء.

أما الفئة الثانية فتمتاز بمواصفات متوسطة إلى عالية، وتبدأ أسعارها من 80 ألف دولار صعوداً لتصل إلى 300 ألف دولار أمريكي، جزء منها أيضا يفتقد لمعايير السلامة العالمية وشروطها، بينما القسم الآخر انشأ بمواصفات عالمية رصينة تراعي جميع شروط السلامة والحماية من الكوارث، لكنها ايضا تفتقر الى المساحات الخضراء وأحيانا يتم التجاوز على التصميم الأساسي بإلغاء بعض المساحات التي أعلنت خضراء، بتحويلها الى أبنية خدمية او سكنية، وفقا لمتخصصين.

ومنحت هيئة الاستثمار في اقليم كُردستان الكثير من مشاريع الإسكان تراخيص للبناء استنادا إلى قانون الاستثمار المعمول به في الإقليم، حتى بلغ عدد الوحدات السكنية التي بُنيت وفقاً لذلك أكثر من 220 ألف وحدة سكنية بمختلف الأشكال والمساحات.

في الوقت الذي تمنح فيه دوائر البلدية أيضا تراخيص بناء مشاريع خارج ما يعرف بالاستثمار، وبلغت أعدادها أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، بحسب رئيس اتحاد مستثمري كردستان ياسين محمود رشيد، الذي أكد إلى جانب ذلك، وجود أكثر من 450 بناية تجارية كبيرة ومتوسطة وصغيرة بالإقليم.

تلك الأبنية في غالبها امتدت على مساحات خضراء وأخرى زراعية، واستقطبت مشترين من خارج اقليم كردستان، لذا يشكو الكثير من سكان الاقليم المعروف بجمال طبيعته الجبلية، من تقلص مساحات الغابات والأحراش والمزارع بما حمله ذلك من انعكاسات سلبية مباشرة على البيئة والهواء والصحة العامة.

يقول أنور جبار (45 سنة) وهو موظف حكومي من سكنة السليمانية، أن المدينة ومحيطها كان يتميز ببيئة نظيفة وهواء نقي في السابق لذا كانت مقصدا للسياح الباحثين عن الاستجمام “ولم نكن نسمع كما اليوم، بأمراض ضيق التنفس والتهاب الرئة والربو وغيرها”.

كان أنور عائداً من إحدى الصيدليات، وبين يديه كيس مليء بالأدوية، دفع نحو 100 دولار ثمناً لها، أملا في مساعدته على معالجة التهاب رئوي حاد يعاني منه، بحسب تشخيص الطبيب له.

يُحمّل أنور المجمعات السكنية والمشاريع الصناعية في المدينة مسؤولية التلوث الحاصل في المياه والهواء، مستنكرا ما وصفه بزحف تلك المشاريع، دون مراعاة لواقع المدينة وبيئتها، نحو المساحات الخضراء مما سبب “تزايدا في معدلات التلوث ومعها الأمراض” بحسب قوله.

ونظم ناشطون بيئيون ومدنيون تجمعات واحتجاجات في أيار/مايو 2024 بعد قيام شركة استثمارية بحفر جزء واسع من سفح جبل (كويزه) المطل على مدينة السليمانية تمهيداً لبناء مجمع سكني عمودي جديد على سفح الجبل الذي يعده الكثيرون من أهالي السليمانية رمزا للمدينة وأحد ابرز مظاهر جمالها.

في ذات الفترة ازداد سخط المنظمات البيئية بعد نشوب حريق بين أشجار الصنوبر في أسفل الجبل ذاته تزامناً مع عمليات الحفر على السفح. ورأى ناشطون بيئيون أن الحريق مفتعل يراد منه تجريد المنطقة من غطائها النباتي لتصبح جرداء ما يسهل عليهم استغلالها لبناء المزيد من المجمعات السكنية، بحسب بيانات وتصريحات لناشطين ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي وعلى وسائل اعلام محلية.

حريق جبل كويزه

وذكر مصدر رسمي في حكومة السليمانية المحلية، طالباً عدم الإشارة إلى اسمه، أن تعبيد طريق واحد لأحد المجمعات السكنية بالقرب من جبل كويزه تسبب بقطع نحو ألف شجرة، من بينها أشجار معمرة “هذه الأشجار بمثابة رئة مدينة السليمانية” لكنهم يتجاوزون عليها.

ويضيف المصدر: “بذريعة بناء مجمع آخر على مساحة 23 دونماً في المنطقة ذاتها، تم ازالة مساحات كبيرة من حدائق ومزارع فضلاً عن اقتلاع أشجار من جذورها بعضها تجاوزت أعمارها أربعة عقود وأكثر”.

وقدر المصدر أعداد الوحدات السكنية التي بنيت بالقرب من جبل كويزه بنحو ألف وحدة، موزعة على عمارات عمودية، ماعدا الفلل والمنازل وأعدادها بالمئات بنيت على مساحة كلية قدرها 190 ألف متر مربع.

ويحاول المستثمرون الحصول على رخص لبناء مجمعات سكنية اخرى في المنطقة ذاتها التي تعد معلماً من معالم السليمانية الطبيعية، وقد أدى ذلك الى سجال إعلامي وشعبي بين المعارضين لمثل هذه المشاريع والمؤيدين لها من اصحاب الشركات والمستفيدين منها، ذلك لأن المجمعات السكنية يتم انشاؤها في محيط الجبل الذي يشكل جزءا من ذكرة سكان المدينة.

مدير عام دائرة الدراسات والمعلومات في هيئة استثمار كردستان هلو قزاز، ذكر بأن هنالك 69 مشروعاً سكنياً في السليمانية مجازاً من قبل هيئة الإستثمار، منها 47 مشروعاً قيد الإنشاء على مساحة كلية تبلغ 6515 دونماً، و22 مشروعاً جديداً حصلت على إجازات العمل والبناء في سنة 2023.

ويقول بأن المشاريع الـ47 تتكون من” 56 ألف و350 وحدة سكنية، اكتمل بناء 25414 منها، وهنالك 3936 مازالت قيد الإنشاء”.

ويؤكد قزاز: “لم تُمنح إجازات العمل والبناء لهذه المشاريع إلا بعد تثبيت مساحات خضراء محددة فيها حسب المواصفات المطلوبة”، مشيراً إلى أنه “حسب المعلومات المتوفرة فان أكثر من 13% من مساحة السليمانية هي مساحات خضراء”.

لكن معروف مجيد رئيس منظمة (آينده) لحماية البيئة، يرى ان المساحات الزراعية تتقلص، وان مشاريع بناء المجمعات السكنية والفلل، تحصل بالدرجة الأساس على الأراضي الزراعية، وهذا ما تسبب بقطع واقتلاع آلاف الأشجار وإنخفاض مساحة تلك الأراضية بنحو كبير في محيط المدن وقرى وأرياف الإقليم ومنها السليمانية خلال السنوات المنصرمة.

استنزاف الخزين المائي

الخبير في السياسات المائية رمضان محمد، يؤكد أن مشاريع بناء المجمعات السكنية العمودية الآخذة في التوسع منذ أكثر من عقدين في الإقليم، ينجم عنها أضرار بيئية، بما في ذلك أضرار تُلحق بمصادر المياه نتيجة الاستخدام الجائر لها.

ويوضح محمد ان التوسع العمراني الذي يحصل حاليا “دون تخطيط علمي أو الاعتماد على مخطط هيكلي للمدن والقصبات، يؤثر بنحو كبير على المياه الجوفية وتغذيتها ويؤدي إلى قلة الخزين الجوفي للمنطقة، ما يؤدي إلى الجفاف وانخفاض مناسيب الأنهر الموسمية، بسبب قلة التغذية”.

ويشير إلى أن البناء بنحو عام أصبح “فوضوياً وعشوائيا” على حد تعبيره، مبينا أن البناء الأفقي غير المخطط بدقة أيضا يحمل مخاطر، موضحاً بأن “الأمطار الموسمية تسبب سيولاً وميضية لا تجد طريقها للتربة بسبب الأسفلت والكونكريت، فترتفع سريعا مناسيب المياه لتشكل خطرا داهماً على الأرواح والممتلكات، بينما في السابق قبل هذا البناء السريع، كانت المياه تتسرب إلى داخل التربة دون احداث اضرار”.

ويذكر الخبير سلبيات عديدة رصدها في المجمعات السكنية العمودية:”ليس فيها حدائق أو مرائب للسيارات، يفترض ان يكون لكل شخص على الأقل أربعة أمتار من الحدائق، وتضرب في العدد المتوقع لسكان المجمع، لتشكل بذلك مساحات خضراء، ويصبح الهواء نقياً”.

Image 78

ويستدرك قائلا:”بلا شك، كل المجمعات السكنية يفترض ان تكون لديها حصص من المياه،  لكن المجمعات السكنية العمودية، مساحتها قليلة، لكن كثافتها السكنية عالية، وليست فيها مساحات خضراء بالتالي يتم استخدام المياه الجوفية بشكل جائر”.

ويحذر من أن التوسع في الاعتماد على المياه الجوفية سيؤثر حتما على “الطبقة الأولى الحاملة للمياه، ويؤدي إلى انخفاض منسوب المياه الديناميكي ما يشكل خطراً، حجمه يعتمد على نوع الحوض وطبيعة الكثافة السكانية ونوع الاستخدام”.

ويصف محمد، ما يحدث بأنه “ظاهرة”، وان استمرارها لا يبشر بخير، مؤكدا خطورة “الاعتماد إلى هذا الحد على مياه الآبار التي يفترض الاحتفاظ بها كإحتياط ثابت”.

الى جانب مخاطر التراجع السريع في المياه الجوفية، فان زيادة حفر الآبار لتزويد المجمعات السكنية بالمياه يحمل ضررا آخر كما يقول مختصون يتمثل في “احتمالية حدوث تخلخل مستقبلي للأرض، مما يزيد من فرص حدوث الحركات الأرضية الاهتزازية كالزلازل”.

ويشهد الاقليم منذ سنوات صعوبات في توفير المياه الصالحة للاستخدام للأحياء السكنية في المدن الكبيرة خاصة في اربيل والسليمانية مع التوسع السكني الحاصل فيها، وبسبب التراجع المستمر لمنسوب المياه الجوفية الذي أجبر السلطات المحلية على زيادة اعماق الآبار وزيادة أعدادها.

ودفع انخفاض تجهيز الأحياء السكنية بالمياه الصالحة للشرب في الإقليم عموما، والذي يكاد يكون لساعتين فقط كل ثلاثة أيام أو أكثر في مدينة السليمانية، الى لجوء المواطنين إلى حفر الآبار داخل منازلهم وفي مزارعهم خلال السنوات الماضية، قبل أن تصدر السلطات الحكومية قرارا بمنع الحفر، لكن القرار جاء متأخراً إذ ان الكثير من الآبار كانت قد حفرت بالفعل.

وكشف بحث مشترك لمنظمة (ستوب) للمراقبة، وشبكة (مولك نيوز) الإعلامية الكرديتين في عام 2022 عن ان “هدر المياه في الإقليم يصل إلى 850 ألف متر مكعب من مجموع الإنتاج اليومي البالغ ثلاثة ملايين و126 ألف متر مكعب، وبكلفة تصل إلى 340 مليون دينار (نحو 231 الف دولار أمريكي)”.

ويقول عضو منظمة ستوب، فرمان رشاد إن “عدد الآبار في أربيل وحدها يبلغ 1240 بئراً، فضلاً عن حفر 1200 بئراً لصالح المشاريع السكنية والاستثمارية”. ويضيف:”عمق الآبار عموماً في عام 2000 لم يكن يتجاوز 250 مترا، أما اليوم فإن الوصول إلى المياه يتطلب الحفر بعمق 650 متراً”.

وعن أضرار المجمعات والمشاريع السكنية وأثرها على تراجع كميات المياه، يقول رشاد:”كان للمشاريع المنجزة خلال العقد الماضي الأثر البالغ في تناقص المياه الجوفية بنحو 100% و50% من المياه المنتجة”.

لمنع التجاوزات البيئية ومعالجة جزء من التدهور البيئي الحاصل نتيجة المشاريع الاسكانية التي تتجاوز على المناطق الزراعية والخضراء، تدعو رئيسة قسم علوم البيئة في كلية العلوم البيئية بجامعة السليمانية د. زينو خالد محمد، الى تعيين مراقب بيئي من خريجي كليات العلوم البيئية، في المشاريع التي يتم إنجازها.

وتقول ان المراقب البيئي المتخصص “سيعمل على تقييم المشروع بنحو دوري من خلال تقارير علمية يحدد فيها مدى تأثيرها على المصادر البيئية وإذا كانت تلك المشاريع مطابقة للمواصفات المطلوبة أم لا”.

وتتفق زينو محمد، مع خبراء آخرين تواصل معد التحقيق معهم، على ان المشاريع الصناعية بالدرجة الأساس هي التي تسبب أضراراً كبيرة على البيئة وتلوث عناصرها الرئيسية (التربة والهواء والمياه)، فضلا عن تسببها بفقدان التوازن البيئي، مع عدم تغافل تأثير بقية المشاريع.

وتنتقد الأكاديمية الجامعية عدم امتلاك المجتمع الكردي الحالي الوعي والثقافة البيئية الكافيين فيما يتعلق بضرورة حماية البيئة والحفاظ عليها من الملوثات، وترى أهمية القيام بعمل جاد من أجل نشر هذه الثقافة داخل المجتمع لاسيما مع توسع المشاريع العمرانية والاستثمارية والصناعية.

ويقرّ عضو برلمان إقليم كردستان السابق عن محافظة السليمانية أحمد دابان، وهو أحد سكان المجمعات السكنية العمودية، بالتوسع الكبير وغير المخطط في انشاء الكتل العمودية الخرسانية “وتحديد مواقعها بشكل عشوائي مما يؤثر على بيئة المدينة وجماليتها”.

Image 79

ويشير الى ان هذه الكتل الخرسانية: “تؤدي إلى تلوث بصري، لأنها تبنى بدون معايير دقيقة في أماكن متفرقة وبمساحات متباينة، مما تساهم في تلويث البيئة وتقليص المساحات الخضراء ناهيك عن القضاء على الأشجار، كما هو الحال في المجمعات التي تبنى على سفوح الجبال، حيث يتم قطع الأشجار المعمرة في مئات الدونمات”. ويؤكد دابان، صعوبة حل المشكلة، لأن ملكية تلك المشاريع تعود إلى مسؤولين متنفذين “لا يستطيع أحد محاسبتهم على تجاوزاتهم البيئية وما يلحقوه من ضرر، كما ينص قانون حماية البيئة”.

ويلفت إلى أن تلك المجمعات تستخدم المولدات الخاصة الكبيرة لتأمين الكهرباء للسكان طوال 24 ساعة، الأمر الذي يؤدي الى “تلويث الهواء وإلحاق الضرر بصحة المواطن بشكل أو بآخر”.

ويحذر النائب السابق من استمرار البناء العشوائي في السليمانية والجبال المحيطة بها، لأن ذلك سيُجردها من غطائها النباتي ما يضر بالتربة، مضيفاً بأن “العواصف الترابية لا تتوقف في السليمانية التي ترتفع نحو 3000 متر عن مستوى سطح البحر، كل ذلك بسبب جشع الفاسدين الذين يقضون على الأشجار والمساحات الخضراء”.

وتعدّ المولدات الكهربائية الأهلية والتي يتجاوز عددها الـ6 آلاف مولدة داخل الأحياء السكنية في الإقليم، من أكبر مصادر التلوث هناك، وهي تعمل في الأقل 12 ساعة في اليوم الواحد خاصة خلال فصلي الشتاء والصيف حيث تعجز السلطات تأمين الكهرباء الوطنية لساعات طويلة.

ومع استهلاك المولدة الواحدة منها في كل ساعة تشغيل أكثر من 150 لتراً، تظهر لنا حاجة تلك المولدات إلى ما يزيد عن 11 مليون لتر من الديزل يومياً لتغطية حاجتها، عدا متطلبات المعامل وبعض المنشآت الأخرى، وتنتج هذه الكمية بشكل عام من مصافي غير رسمية تعمل بتقنيات بدائية ولا تطبق المعايير البيئية، فتسبب تلوث مستمرا للهواء والتربة والبيئة وبمستويات مختلفة.

ويؤكد مختصون ان تلك المصافي تتسبب في ارتفاع في أكاسيد الكبريت والنايتروجين والكربون والهايدو كاربونات الناتجة من العمليات المصاحبة لاحتراق الوقود فيها فضلاً عن الحقول النفطية، ملحقة اضرارا بيئية جسيمة ومخاطر صحية للسكان القريبين منها.

ووفقاً للخبير في علوم البيئة التدريسي في جامعة كرميان الدكتور عبدالمطلب رفعت سرحت، توجد في كردستان مئات المصافي النفطية المتوسطة والصغيرة، الى جانب المصافي الكبيرة التي تقدر بأكثر من 200 مصفًى، وأن معظم تلك المصافي تعمل من دون رخص قانونية رسمية، ولا تطبق شروط الصحة والسلامة العامة، لا من حيث الموقع الجغرافي ولا من حيث تقنيات العمل.

ومع انحسار الغطاء النباتي بفعل الزحف الكونكريتي، يسبب تلوث الهواء وفقا للخبير، ارتفاعا في أرقام الإصابات بالأمراض المزمنة الخاصة بالتنفس بالإضافة إلى الأمراض السرطانية التي “بدأت تتضاعف أعداد المسجلة منها عاماً بعد آخر” في كردستان التي يُقدّر عدد سكانها بـ 6 ملايين نسمة.

وتشير إحصائيات وزارة الصحة في الأقليم إلى تسجيل أكثر من 8 آلاف حالة اصابة بالسرطان في عام 2021، وأكثر من 9 آلاف إصابة في عام 2022، بينما اقتربت الإصابات من 10 آلاف إصابة في العام 2023.

وبنحو عام سجلت الوزارة 81 ألفاً و62 إصابة منذ العام 2012 ولغاية العام 2023، ولايختلفُ الحال كثيرا مع أمراض ضيق التنفس أو الأمراض المزمنة عموما بسبب تلوث البيئة، بحسب كوادر في مؤسسات طبية ومنظمات معنيّة بالبيئة.

ويقول الطبيب الاستشاري المختص في أمراض الصدر والرئة والتنفس، التدريسي في جامعة السليمانية د. كامران قرداغي، ان “زيادة الأتربة في الهواء وكذلك انخفاض مستوى المساحات الخضراء يزيد من أمراض التنفس لدى المواطنين ويجعل المرضى في حالة حرجة جدا”، ويوضح أن المرضى الذين يعانون من صعوبة في التنفس “يحتاجون إلى الهواء النقي بنسبة عالية جدا”.

شرع في  إقليم كردستان قانون رقم (8) لسنة 2008 الخاص بحماية البيئة وتحسينها،  ويتضمن العديد من المواد التي يصفها القانونيون بالايجابية لصالح البيئة، لكن هنالك من يصفها بـ”الحبر على الورق” عندما يتعلق الأمر بالمتنفذين وأصحاب السلطة.

ويلزم القانون كل شخص طبيعي أو معنوي، عام أو خاص أو مختلط أو أي جهة تمارس نشاطاً يؤثر على البيئة، أن يقوم بإعداد دراسة لتقييم الأثر البيئي للأنشطة والمشاريع التي يقيمها، ويرفعها الى الوزارة لاتخاذ القرار المناسب بشأنها، على أن تتضمن الدراسة تقدير التأثيرات الايجابية والسلبية للمشروع أو المنشأة أو المصنع على البيئة، بالإضافة إلى الوسائل المقترحة لتلافي ومعالجة مسببات التلوث بما يحقق الامتثال للتعليمات والضوابط البيئية مع تقليص المخلفات وتدويرها أو إعادة استخدامها، وتقدير كلف المنافع والأضرار البيئية التي يحدثها المشروع.

وينصُ القانون كذلك على منع أي نشاط يتسبب بقطع أو اقتلاع أو ازالة الأشجار والشجيرات والنباتات والأعشاب البرية والمائية في الأملاك العامة، وحظر أي عمل أو تصرف أو نشاط يؤدي الى الإضرار أو المساس بالأبعاد الطبيعية أو الجمالية أو التراثية للمحميات الطبيعية أو الحدائق والمتنزهات العامة.

ويُحمل القانون المسؤولية لكل من سبب بفعله الشخصي أو اهماله أو بفعل من هم تحت رعايته أو رقابته أو سيطرته من الأشخاص أو الاتباع أو مخالفته القوانين أو الأنظمة والتعليمات، ضررا بالبيئة، ويلزمه بالتعويض وازالة الضرر واعادة الحال الى ما كانت عليه قبل حدوث الضرر وضمن المدة المحددة، وبالشروط الموضوعة.

ويفرض القانون عقوبات، منها الحبس لمدة لاتقل عن شهر أو بغرامة لاتقل عن (150.000) مائة وخمسون الف دينار( 114 دولار) ولا تزيد على (200) مليون دينار( 252 ألف دولار) أو بكلتا العقوبتين، وتضاعف العقوبة في كل مرة تتكرر فيها ارتكاب المخالفة.

“ما فائدة قانون لحماية البيئة، والبيئة تنتهك بنحو يومي؟ “هذا ما يقوله بشيء من الحدة، المحامي يونس محمد، مؤكداً ضرورة رفع سقف العقوبات المفروضة على المتجاوزين على البيئة “دون استثناءات وتمييز بين شخص أو آخر، جهة او أخرى”.

ويذكر محمد، بأن الحبس البسيط أو الغرامة المالية لا تشكل الردع المطلوب: “وينبغي أن تكون العقوبة حبساً شديداً في الأقل أو حتى سجنا إذا كان الضرر بالغاً”، ثم أشار إلى أن الضرر قد لا يكون مباشرة قائلاً “قد لا تظهر نتائج قطع الأشجار وتقليص الغطاء النباتي في ذات المكان، لكنها تظهر بكل وضوح في المستشفيات!” في إشارة منه إلى ارتفاع معدلات الإصابة بمختلف الأمراض جراء التلوث، وتغير نوعية الهواء.

رئيس هيئة حماية وتحسين البيئة في كردستان عبد الرحمن صديق، قال في تصريح صحفي، ان المساحات الخضراء في الإقليم “ليست عند المستوى العالمي، حيث أن مدن كردستان تتوسع أفقيا وليس عموديا، إذ أن هندستنا وثقافتنا أفقية وليست عمودية وهو ما يزيد من مساحات المواد الخرسانية والطرق المعبدة بالأسفلت”.

ويصف المعركة التي يخوضها الإقليم من أجل بيئته بـ”الصعبة جدًا” وتختلف عن البلدان الأخرى. ويوضح “ليست لدينا مساحة خضراء على المستوى العالمي، لكن لدينا بشكل أساسي 12.4% بالنسبة للغابات، و19.5% بالنسبة للخضار في المدينة”.

وخلال السنوات السابقة، منحت الهيئة حسبما قال، الرخص اللازمة لنحو ثمانية آلاف مشروع، ورفضت 450 مشروعاً بسبب افتقادها إلى الشروط البيئية، كما وقامت الهيئة بإجراء عمليات فحص في السنوات الثلاث الماضية لأكثر من 14 ألف مشروع.

إذن واحدة من الحلول، هي توخي الدقة والحذر في منح الرخص الاستثمارية لبناء المشاريع، وفرض محددات صارمة في تعاملها مع المشاريع، وأن لا تكون مجرد كلمات في أوراق دون التزام، كما يقول الكاتب والناشط البيئي سلام عادل.

وذكر الناشط بأن النمو السكاني يفرض بنحو مؤكد وجود توسع عمراني بالمقابل:”وهذا ينبغي أن ترافقه حملات متواصلة للمحافظة أو توسيع الغطاء النباتي”، لاسيما أن اقليم كردستان يمتاز بمناطق جبلية تتراكم فيها الثلوج وترتفع فيها معدلات تساقط الأمطار، لذا فان الزراعة المستمرة للأشجار ستكون ناجحة ومفيدة لبيئة كردستان ولتطوير واقعها السياحي.

Image 80

كما يعتقد بضرورة، نشر الوعي البيئي لدى المواطنين بنحو عام في كل انحاء الاقليم، لأنهم بطريقة او بأخرى مساهمون في التلوث، سواءً بكميات النفيات المطروحة يومياً، أو بعوادم سيارات البنزين، التي يُقدر عددها وفق أرقام مديرية مرور كردستان في العام 2022 بأكثر من مليوني سيارة.

هذا فضلاً عن تحديد مواسم معينة يسمح فيها للمواطنين بإشعال النيران في مناطق التنزه للشواء وغير ذلك كأن تكون في الشتاء وجزء من الربيع، وذلك بسبب “تكرر حوادث حرق المساحات الخضراء والتي نفقد بسببها سنوياً مساحات شاسعة من الأراضي التي تضم غابات وأشجارا معمرة”.

مصدر أمني في محافظة السليمانية، طلب عدم الإشارة الى اسمه لكونه غير مخول بالتصريح، أكد ما ذهب إليه سلام عادل، بقوله أن نحو خمسىة آلاف دونم من الغابات والمراعي احترقت في السليمانية خلال الأشهر القليلة الماضية وتم اعتقال 10 أشخاص مشتبهين بتسببهم بتلك الحرائق”.

كما أن خبراء عدة تواصل معهم معد التحقيق، اكدوا بأنهم يشعرون بالإحباط الشديد، بسبب انتشار مصافي النفط غير المجازة وغير الملتزمة بأي من المعايير البيئية في العديد من مناطق الاقليم، واجمعوا على ضرورة القيام بتحرك شعبي للضغط على حكومة الاقليم والجهات القضائية من أجل وقفها، فهم يعدونها المصدر الأكبر للتلوث.

ودعوا كذلك إلى محاربة المحسوبية، وعدم التزام أصحاب النفوذ والسلطة المرتبطين بمشاريع تُصدر تلوثا بيئياً أو تحُل محل مناطق خضراء، من خلال تفعيل القوانين وتطبيقها على الجميع، مؤكدين أهمية منع انشاء أية مشاريع لا تضم مساحات خضراء، ووقف اي تجاوز على تلك المساحات المثبتة في المخططات الأساسية للمشاريع.

  • أنجز التحقيق تحت إشراف شبكة “نيريج” وبدعم من منظمة أنترنيوز ضمن مشروع الصحافة البيئية.

المزيد عن تحقيقات استقصائية

تحقيقات استقصائية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":26018}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">