تقارير سردیة: صراع بين أحزاب وقوى سياسية مدعومة بالميليشيات للسيطرة على إدارة مطار النجف الدولي ووارداته

صراع بين أحزاب وقوى سياسية مدعومة بالميليشيات للسيطرة على إدارة مطار النجف الدولي ووارداته

ملف عقود العاملين في مطار النجف الذي افتتح سنة 2008، واحد من بين ملفات فساد كثيرة يتم التداول بشأنها في أروقة الحكومتين المحلية في محافظة النجف والمركزية في بغداد، فضلاً عن صراع سياسي وإداري معلن للسيطرة على إدارته والحصول على وارادته.

لم يكن أمام صادق الركابي(37سنة)من النجف جنوب بغداد، خيارٌ آخر مطلع سنة 2020، فاما يقبل وظيفة إدارية بعقد مؤقت في مطار النجف الدولي، مقابل 10 آلاف دولار يدفعها لسمسار قدم نفسه إليه على أنه منتم للتيار الصدري أو البقاء سنوات أخرى بإنتظار وظيفة تتوافق مع شهادته في إدارة الأعمال حصل عليها من جامعة بغداد سنة 2012.

 يقول بشيء من الحزن، أن والده باع سيارته الشخصية لإكمال المبلغ المطلوب، وكانت الأمال كبيرة في أن يتمكن من إعادته إليه من خلال رواتبه التي سيتقاضاها:”لكن ماحدث أنني أكتشفت في يومي الأول بالمطار، أنني كنت ضحية نصب واحتيال، إذ اتضح أن الوظيفة في قسم التنظيف، والراتب الشهري هو فقط 300 دولار!”.

الركابي كان واحداً من بين 1800 عامل بعقد مؤقت في مطار النجف عاشوا ذات التجربة، وتقاضوا رواتب تراوحت بين 300 إلى 500 دولار شهرياً خلال فترة جائحة كورونا، بدلاً من 1000 و 1500 دولاراً وعدوا بها، إذ اخبرتهم الإدارة أنها ادخرت الفوارق المالية لرواتبهم التي وصلت إلى 9 مليون دولار، ليكتشفوا لاحقاً بأنها سرقت من خزينة المطار.

وتلك لم تكن مشكلتهم الوحيدة، يقول الركابي:”مصيرنا مجهول، فنحن لا نعلم عائدية المطار لمن، لسلطة الطيران المدني، أم للحكومة المحلية في النجف، ونعيش دوامة قلق دائمة من أن يتم تسريحنا فنعود لأحضان البطالة”.

ملف عقود العاملين في مطار النجف الذي افتتح سنة 2008، واحد من بين ملفات فساد كثيرة يتم التداول بشانها في أروقة الحكومتين المحلية في محافظة النجف والمركزية في بغداد، فضلاً عن صراع سياسي وإداري معلن للسيطرة على إدارته والحصول على وارادته.

صراع للسيطرة على المطار

وفيما يبدو أنه جزء من الصراع الإداري والسياسي للسيطرة على المطار، أصدر مجلس محافظة النجف قراره رقم 17، في الجلسة(10/6)في 16نيسان/أبريل2024، بإعفاء علي أحمد حسن، من مهام إدارة مطار النجف، وتعيين حسين عباس مهنه، محله لمدة ستة أشهر.

وتضمن القرار كذلك، ربط المطار إدارياً بمحافظ النجف، وإخضاعه أي المطار، لإشراف ورقابة مجلس المحافظة، وإلزام مدير المطار الجديد بتقديم خطة تطويرية ورؤية مستقبلية للمطار مع موازنة سنوية تعرض على مجلس المحافظة.

وبرر المجلس قراره، أنه من أجل تنظيم عمل المطار والإرتقاء بأداء إدارته، مع التذكير أن مطار النجف هو مشروع استثماري، أبرمت عقده محافظة النجف مع جهة استثمارية سنة 2008، وأن أموال إنشائه صرفت من ميزانية تنمية الأقليم الخاصة بالمحافظة والتي بلغت أكثر من 103 مليار دينار، تعادل الآن( نحو 80 مليون دولار).

جاء ذلك إثر عدم تنفيذ توصيات لجنة الأمر الديواني(23611) في 31/1/2024بتسليم المطار الى مجلس محافظة النجف من قبل سلطة الطيران المدنية. وقرار المجلس نجمت عنه ردود فعل متباينة، بدأت من المطار ذاته، إذ رفض مدير المطار المقال تنفيذ القرار وتسليم مهام عمله للمدير الجديد، لكونه لم يصدر من مرجعه أي سلطة الطيران المدني، وحدث اشتباك بالأيدي بينهما وتدخل فيه أعضاء من مجلس المحافظة.

مجلس المحافظة أمهل في أعقاب ذلك، الحكومة المركزية ومحافظ النجف مدة 24 ساعة لتنفيذ قراره وتسليم المطار للإدارة الجديدة، وتوجه قائد شرطة المحافظة مدعوماً بقوة أمنية كبيرة يوم 17/4/2024 لأستلام المطار من المدير المقال.

عشيرة المدير المقال(علي احمد حسن الساعدي)تدخلت للوقوف معه، وأصدرت بياناً في 17/4/2024، ذكرت فيه أن هنالك إستهدافاً شخصياً ضد مدير المطار، وطالبت المرجعية الدينية للتدخل لحل الموضوع.

وأكدت العشيرة في بيانها أنها ستقف مع القانون في حال وجد فساد مالي أو إداري في المطار.

وأمهلت الحكومة المركزية لغاية الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم التالي لحل الأمر والإبقاء على المدير السابق في منصبه، وحذر البيان من أن أي اعتداء يقع على شخص الساعدي، أي مدير المطار المقال”سيكون اعتداءً على عشيرة السواعد عامة، واستهدافه سيؤثر على مستقبل العلاقة في محافظة النجف”.

بيان عشيرة السواعد

رئاسة مجلس الوزراء أصدرت لحل المشكلة ومنع تفاقمها، أمرها الديواني المرقم 24154في 18نيسان/أبريل2024،  بتأييد قرار مجلس محافظة النجف، بإعفاء المدير السابق، لكنها قررت تكليف د.عباس صبار غالي، مدير عام الشركة العامة  لإدارة المطارات والملاحة الجوية بمهام تسييرأعمال المطار لحين تسمية مدير آخر بدلاً عنه.

وذكر مصدر من داخل مطار النجف، أن سلطة الطيران المدني، عينت حسين عباس مهنه، معاوناً لمدير المطار المكلف، تماشياً مع قرار مجلس المحافظة الذي كان قد كلف الأخير بمهام المدير لستة أشهر”محاولة بذلك امتصاص غضب أعضاء المجلس المعترضين”.

وأن مجلس محافظة النجف كان قد عد تنصيب الساعدي مخالفًا للقانون، لأنه “تم بواسطة سلطة الطيران، وبغياب مجلس المحافظة بعد حله عام 2019 من قبل مجلس النواب”، كاشفًا عن عجز مالي في إيرادات المطار يصل إلى 150 مليون دولار”.

أحزاب متورطة

أنشئ مطار على قاعدة عسكرية بتكلفة بلغت 50 مليون دولار، خصصت من ميزانية تنمية الأقليم الخاصة بمحافظة النجف وافتتح في 20تموز/يوليو2008، وكان حينها نوري المالكي هو رئيساً للوزراء .

ومن وقتها، أصبح مسرحاً للتجاذبات والصراعات السياسية بين الإدارة المحلية للمحافظة والحكومات الاتحادية المتعاقبة، لكونه أحد مصادر الإيرادات المالية المهمة في النجف.

وكانت المحافظة قد منحت حق إدارة المطار وتشغيله  إلى شركة العقيق الكويتية لمدة خمسة أعوام، على أن تستثمر الشركة خلال هذه المدة 50 مليون دولار من أموالها في إكمال متطلبات تشغيل المطار (أجهزة ملاحية ومعدات أرضية وشركة أمنية وسياج أمني ورخص تشغيل) وأن تكون الأرباح مناصفة بينها وبين محافظة النجف.

وفي العام 2011 وقع صراع بين مجلس محافظة النجف وشركة العقيق، المجلس أدعى بأن الشركة لم تنفذ بنود العقد الخاص بها، والشركة ادعت أن المحافظة تقيدها فلا تستطيع تنفيذ خططها التطويرية، وتوقفت الشركة بسبب ذلك عن تشغيل المطار وطالبت باسترداد مستحقاتها البالغة 50 مليون دولار مع فوائد للفترة الزمنية التي استغرقتها في العمل، وفي عام 2012 لجأت الشركة إلى التحكيم الدولي لاسترجاع حقوقها.

وعادت شركة العقيق في كانون الأول/ديسمبر2022، لتقيم دعوى قضائية ضد محافظ النجف الأسبق، ماجد الوائلي متهمة إياه بسرقة أموالها، وعدم انهاء التسويات المالية بين الطرفين.

عضو مجلس محافظة النجف أكرم شربة، يكشف عن أسباب ترك شركة العقيق للمطار، بقوله “حجم الفساد المالي في عملية إدارته يكاد لا يصدق، فشركة العقيق التي من المفترض أن تشغل المطار اصطدمت بحيتان الفساد التابعين للأحزاب التي تمتلك ميليشيات مسلحة، والتي نهبت واردات المطار، وسيطرت على الحسابات”.

في غضون ذلك، كان هنالك صراع نفوذ متفاقم للسيطرة على مطار النجف بين الأحزاب السياسية، وقد إتضح بنحو جلي بعد إصدارالقضاء العراق في عام 2021، حكمًا بالحبس الشديد لمدة 4 أعوام بحق مدير مطار النجف السابق جواد عبد الكاظم الكرعاوي، المعروف بـ”أبو أكثم”، بتهمة تلقيه رشاوى تتعلق بعقود استثمارية خاصة بالمطار، ثم حكم عليه مرة أخرى بالحبس لأربعة أعوام أخرى في خلفية قضية عقد المدرج الجديد في المطار، لتصبح مجموع الأحكام 8 أعوام.

ويعد “أبو أكثم” واحداً من قيادات التيار الصدري، الذي يتزعمه الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وهذا الأخير كان قد أصدر بيانا سنة 2017،  بعد نشر هيئة النزاهة لمعلمات تعلقت بحجم الفساد في إدارته للمطار.

وفي 16تموز/يوليو2023، أصدرت محكمة تحقيق الكرخ الثانية، أمر قبض بحق رئيس مجلس محافظة النجف السابق، فايد الشمري استناداً إلى أحكام المادة (331) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، والتي تتعلق بجرائم الفساد والإضرار بالمال العام.

والشمري، يعد أحد قياديي حزب الدعوة الإسلامية، وهو خارج العراق منذ نحو ثلاث سنوات، وصدرت ضده العديد من الأحطام القضائية غير المنفذة، بقضايا تتعلق بالفساد وهدر للمال العام بلغت تكلفتها أكثر من 600 مليون دولار، أثناء توليه رئاسة مجلس إدارة مطار النجف الدولي.

ومن أبرز ملفات الفساد التي تورط بها الشمري، عقود الإعمار والترميم التي بلغت قيمتها المعلنة 72 مليون دولار، في الوقت الذي تبين أن التكلفة الحقيقة كانت 22 مليون دولار فقط، وعلى عدة سنوات من التأهيل، بحسب مصدر برلماني في لجنة النزاهة النيابية.

المصدر البرلماني يضيف قائلاً: “الكرعاوي واعضاء مجلس المطار السابقين فايد الشمري وحسين الزاملي وكريم خصاف وخالد الجشعمي كانوا يستلمون الآف الدولارات كرواتب شهرية من ادارة المطار، بالاضافة الى قيامهم بتحويل مشاريعه الى حساب شركاتهم الخاصة”.

ملفات فساد مفتوحة

عضو هيئة النزاهة في مجلس النواب هادي السلامي، يقول بأن هنالك نحو 50 ملف فساد متعلق بمطار النجف الدولي موجودة لدى هيئة النزاهة أو ينظرها القضاء، يبلغ مجموع قيمتها 100 مليون دولار.

ويذكر أمثلة على تلك الملفات:”شراء 40 حاوية نفايات لصالة المسافرين بالمطار بمبلغ 38 ألف دولار أمريكي، وخلال زيارة الأربعين في العام 2021 خصصت إدارة المطار مبلغ 390 الف دولار لشراء 3000 وجبة غداء وعشاء لموظفي المطار لمدة 20 يوماً، إذ بلغت تكلفة كل وجبة قرابة 7 دولارات”.

ويضيف:”في عام 2019 قررت إدارة المطار أنشاء حمامات صحية  مقابل صالة الوصول، بمبلغ 105 ألف دولار، وبعد توقف المطار عن العمل وعدم استخدام تلك الصحيات، قررت الإدارة مجدداً إجراء إعادة تأهيل للحمامات بمبلغ 70 ألف دولار”.

كما يؤكد بأن المطار مسيطر عليه من قبل:”عصابات الجريمة المنظمة التابعة للأحزاب السياسية، ويعد بوابة لتهريب المخدرات والدولار في السنوات السابقة، والمحافظة أنفقت على على بنائه 117 مليار دينار عراقي”.

ويضيف بشيء من الحيرة:”أموال المطار التي كانت مودعة لدى المصرف العراقي للتجارة TBl تم سحبها وإيداعها في مصارف أهلية منها مصرف الموصل للإستثمار والتنمية، والمصرف الإسلامي، ولا نعلم ما الغرض من هذه الخطوة؟”.

عضو مجلس محافظة النجف أكرم شربة، يشير إلى ملفات فساد أخرى:”إدارة مطار النجف منحت شركة الاطياب العالمية للتنظيف والخدمات العامة عقد تعفير المطار خلال فترة جائحة كورونا للفترة من 17 أيلول 2020 ولغاية 31 كانون الثاني 2021، بقيمة 6 مليون و500 ألف دولار أمريكي، لمدة 4 أشهر فقط” وذكر بأن العقد الموقع بين الطرفين “تضمن في المادة 20 منه الحفاظ على سرية العقد وعدم تسريب بنوده”.

ويشير المسؤول المحلي إلى أن “إدارة المطار عملت في عام 2019 على إعادة تأهيل حديقة بوابة المطار التي لا تتجاوز مساحتها 1000م بمبلغ 382 ألف دولار”، موضحًا أن “هذه الملفات هي نقطة ببحر من الفساد الحاصل في المطار”.

وفي خضم ذلك يتحدث الناشط المدني في النجف أو زين الحسناوي، بحسرة كبيرة عن سرقة ما يقارب 114 مليار دينار من إيرادات المطار وموازنة محافظة النجف، عبر عقود مشاريع وقعت مع شركات تابعة لأحزاب سياسية، وحملت الكثير من المغالاة في أسعارها، على حد زعمه.

ويقول”كلفة بناء السياج الخارجي لمطار النجف بلغت 30 مليار دينار، فيما بلغت كلفة بناء جامع المطار مبلغ 5 مليار دينار، بالإضافة إلى تخصيص مليار دينار كل 6 أشهر لإعادة تأهيل وادامة الحديقة الخارجية للمطار، كما بلغت كلفة انشاء قاعة المسافرين داخل المطار مع توسعتها في السنوات الماضية، 45 مليار دينار، وكلفة نصب منظومة كاميرات المراقبة في المطار بلغت 16 مليار دينار”.

وسبق أن أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية في كانون الثاني 2023 عن تنفيذ 7 عمليات ضبط لمعاملات صرف خلافا للقانون ومغالاة في أعمال صيانة في مطار النجف، مشيرة إلى أن مجموع المبالغ المصروفة فيها ناهزت مبلغ مليار و250 مليون دينار.

وفي شباط 2023 كشفت الهيئة أيضا هدر قرابة 600 ألف دولار في أحد مشاريع مطار النجف المتعلق بتنفيذ طريق بوابة في نهاية المدرج، وإكمال امتداد السياج الخارجيِّ أمام منطقة الطيران (E)، إضافة إلى صب ساحة الآليَّات في المطار، كما كشفت عن قيام إدارة المطار بتعويض أصحاب الأراضي الزراعية بمبلغ مليار و370 مليون دينار، بشكل مخالف للقانون.

معد التقرير تواصل مع إدارة المطار الجديدة بشأن ملفات الفساد ولاسيما المتعلقة منها برواتب العمال المؤقتين وحصول جهات حزبية على أموال لقاء تعيينهم في المطار، وأكد موظفٌ فيها عدم امتلاك أية معلومات عن الفترة السابقة بحكم أن المدير الجديد عين قبل أيام فقط.

وقال بأن كل ما يعرفه أن هنالك أكثر من مئتي ملف مخالفات وفساد قد احيلت إلى النزاهة في وقت سابق وكلها متعلقة بإدارات سابقة لمطار النجف الدولي.

الإيرادات المفقودة

مع إعادة تشكيل مجالس المحافظات مجدداً أواخر عام 2023، دارت رحى الصراع عند مطار النجف للسيطرة عليه والتحكم في موارده، إذ يقدر نائب محافظ النجف الأسبق والمسؤول عن ملف انشاء مطار النجف، عبد الحسين عبطان، إيرادات المطار منذ افتتاحه عام 2008 ولغاية عام 2022، بأكثر من ملياري دولار أمريكي.

ويعتقد عبطان أن عدم متابعة المؤسسات الرقابية لإيرادات المطار وآليات تشغيله بنحو جدي أدى إلى هدر هدر كبير، مؤكدا أن هيئة النزاهة الاتحادية سجلت مخالفات جمة لكن لم يترتب عليها أي أثر قانوني ما تسبب في تفاقم تلك المخالفات.

لؤي الياسري محافظ النجف السابق، يتفق مع ما ذهب إليه عبطان، قائلًا: “المحافظة وكذلك خزينة الدولة الاتحادية لم يدخلها شيء من عائدات المطار على الرغم من أن الإيراد النسوي للمطار كان يصل إلى 60 مليون دولار”.

وفي ذات السياق يقول مدير مطار النجف الأسبق حكمت أحمد”عندما استلمت إدارة المطار وجدته مديون بمبلغ 67 مليون دولار لمقاولين وشركات استثمارية، وخزينة المطار كانت فارغة تمام لا يوجد فيها دولار واحد”.

ويقر رئيس سلطة الطيران المدني السابق، عماد الأسدي بأن “ثقافة التخبط واللامبالاة تسود مطار النجف، فضلاً عن الشبهات الكبيرة التي تحوم حول إيراداته التي لا نعلم أين ذهبت حتى الآن”.

تضارب صلاحيات

ما يزيد من فوضى المطار، هو تداخل الصلاحيات بين مجلس محافظة النجف والحكومة الاتحادية، وسلطة الطيران المدني ووزارة النقل، إذ تعتقد كل جهة بأنها الأحق في اتخاذ القرارات الخاصة بالمطار.

ففي الوقت الذي تسعى فيه سلطة الطيران المدني لتحكم قبضتها على المطار، تصر الأحزاب المحلية على السيطرة على عائداته المالية، إذ يقول مدير سلطة الطيران السابق عماد الأسدي إن “مطار النجف لا مرجعية له، خصوصا بعد انسحاب الشركة الكويتية من تشغيله”.

لكن المسؤول الحكومي السابق أكد في الوقت ذاته أن المطار استثماري وليس تابعاً لسلطة الطيران المدني كما أنه يوزاي مطار بغداد في عدد الرحلات الجوية، مبيناً “المطارات الاتحادية هي بغداد والبصرة والموصل وذي قار الذي هو قيد الانشاء، لكن مطاري كركوك والنجف استثماريين”.

وعلى خلاف ما يقوله الأسدي، يقر مدير المطار الأسبق حكمت أحمد بان “إدارة المطار فنيا تتبع لسلطة الطيران المدني، وإداريا تتبع الإمانة العامة لمجلسة الوزراء باعتباره مشروعاً استثمارياً”.

بعد انسحاب شركة العقيق الكويتية عام 2011 من عقد تشغيل مطار النجف، شكل مجلس المحافظة عام 2013، مجلساً يتولى إدارته، برئاسة فايد الشمري القيادي في حزب الدعوة الإسلامي، وأربعة أعضاء أخرين من التيار الصدري، والمجلس الأعلى، وحركة الوفاء بزعامة محافظ النجف الأسبق عدنان الزرفي، وتيار الدولة العادلة بزعامة قحطان الجبوري المقرب من زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، حسبما يقول عضو مجلس النواب السباق صادق اللبان.

أمانة مجلس الوزراء، أصدرت سنة 2017 قراراً بحل مجلس إدارة مطار النجف، على أن تتولى سلطة الطيران المدني مهمة إدارة وتشغيل المطار موقتاً باعتباره من المنافذ الحدودية التي تخضع إلى السلطة الاتحادية وليست المحلية، وإحالة كافة الملفات إلى هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، لكن ادارة المطار رفضت تنفيذ القرار.

فجر القرار أزمة كبيرة بين القوى السياسية التي تشكل مجلس إدارة المطار، وبين رئيس الحكومة الأسبق حيدر العبادي، وبعد سلسلة مفاوضات وضمانات بعدم الملاحقة القانونية، والضغط الشعبي الذي تمثل في اقتحام المطار من قبل أهالي النجف ومنع الطائرات من الاقلاع امتثل مجلس الإدارة لقرار العبادي وسلم إدارة المطار في 18 تموز 2018، للمدير الجديد المكلف من قبل مجلس الوزراء علي جواد كاظم الموسوي.

تولى الموسوي إدارة المنصب لمدة ثلاثة أشهر، لحين صدر مجلس الوزراء في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2018 قراراً بانهاء تكليفه والتعاقد مع اللواء المتقاعد شاكر محسن الصبيحاوي، وتكليفه بإدارة المطار لحين اختيار البديل المناسب.

تكليف الصبيحاوي انتهى في عهد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الذي قرر في 27 حزيران 2019، تعيين الكابتن عيسى الشمري، المقرب من التيار الصدري مديراً جديداً للمطار. وفي 17 اذار/مارس 2021، قدم الشمري استقالته لكونه من المشمولين بإجراءات اجتثاث البعث.

 وبينت مصادر سياسية أن التيار الصدري قام بتغيير الشمري خوفا من فقدان المنصب باعتباره من ضمن استحقاقاتهم الانتخابية. في نيسان 2021 كلف رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي الكابتن حكمت أحمد المقرب أيضا من التيار الصدري بمنصب إدارة المطار خلفاً للشمري.

الكابتن أحمد، لم يكن أخر من تولى إدارة المطار وفق الاستحقاقات الحزبية والمحاصصة السياسية التي تفرضها المعادلة الانتخابية، فقد وافق رئيس مجلس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني في 10 نيسان/أبريل 2023، على تكليف علي احمد حسن الساعدي، (المدعوم من قبل منظمة بدر بزعامة هادي العامري)، لإدارة مطار النجف بدلا من حكمت أحمد.

لم تتوقف سلسلة الصراعات على المنصب عند هذا الحد، فما أن انسحب التيار الصدري من العملية السياسية عام 2022، حتى نشب خلاف محتدم داخل قوى الإطار التنسيقي، بين منظمة بدر، وائتلاف دولة قانون، على منصب إدارة المطار.

 فقرر مجلس محافظة النجف، برئاسة، حسن العيساوي التابع لإئتلاف دولة القانون، في 16 نيسان/أبريل 2024، إعفاء علي أحمد حسن الساعدي من مهام مدير المطار، و تكليف حسين عباس مهنه (مرشح ائتلاف دولة القانون) بمهام مدير المطار.

رأي قانوني

وفق خبراء قانونيين فان المادة سابعا/9 من قانون مجالس المحافظات رقم 21 لسنة 2008، تجيز لمجالس المحافظات إقالة الدرجات الخاصة في المحافظة بناءً على طلب خمس الأعضاء، وبقرار يصدر من الاغلبية المطلقة لعدد الأعضاء أو بناءً على اقتراح المحافظ، وهو ما ينطبق على مدير مطار النجف باعتبار منصبه درجة خاصة، وفقا لما يقوله الخبير القانوني علي التميمي.

وتنص المادة السابعة من القانون في فقراتها الأخرى على أن ترشيح الدرجة الخاصة يكون من قبل المحافظ عبر طرح أسماء ثلاثة مرشحين ويوافق المجلس عليهم بالأغلبية المطلقة وتتم احالة الاسماء إلى الوزير المختص لاختيار أحدهم، ويسري الأمر على مدير المطار.

ويضيف التميمي:”مهام سلطة الطيران المدني التي تعمل وفق  القانون ١٤٨ لسنة ١٩٧٤، بموجب اتفاقية شيكاغو ١٩٤٤ الخاصة بالطيران المدني، تعطي الموافقات لعمل المطارات وتجهيزها بالمعدات ولا تعمل الطائرات إلا بموافقتها، كذلك تعطي الموافقات على انشاء المطارات وإدارتها فنيا بموجب مواد القانون 5-6-9-16-17-18.

ويشير الخبير القانوني كذلك إلى أن مجلس الوزراء حول إدارة المطارات في عام 2023 إلى وزارة النقل بدلا من سلطة الطيران المدني. ويوضح:”بذلك نفهم بأن سلطة الطيران مهامها الرقابة والاشراف الفني ومنح موافقات المطار، ولمجلس محافظة النجف حق إقالة وتعيين مدير المطار بناءً على اقتراح المحافظ وموافقة وزير النقل”.

بالمقابل يصر عضو مجلس محافظة النجف اأنور الشبلي، على أن مرجعية المطار عائدة إلى حكومة النجف المحلية ولا يحق لوزارة النقل أو سلطة الطيران المدني التحكم في قراراته الإدارية.

وبينما يحتدم الصراع للظفر بإدارة مطار النجف، يستبد القلق بالعاملين هناك، ولاسيما ذوي العقود المؤقتة  من أن تكون وظائفهم هي الثمن، وتتبخر الوعود التي سمعوها مراراً وتكراراً بتحويل عقودهم إلى درجات وظيفية ثابتة.

تظاهرة للعاملين في مطار النجف

ج، أ(31 سنة)يعمل بصفة عقد في المطار منذ ست سنوات، يقول بأنه شارك في تظاهرات عديدة للمطالبة بتثبيته مع مئات آخرين غيره من موظفي العقود”لم نكن نتبع سلطة الطيران المدني إلا بالأسم فقط، ومع ذلك طبقوا علينا كل القوانين والإجراءات على الرغم من أننا لسنا على الملاك الوظيفي للدولة، ومع ذلك اخترنا الصمت خوفا من فقدان عقودنا التي يمكن انهاؤها بجرة قلم”.

ولايهتم جاسم كثيراً بالجهة التي ستتولى في النهاية السيطرة على المطار وإدارته”كل ما نريده أن نذهب إلى عملنا كل يوم دون أن يراودنا القلق من أن يمنعوننا من الدخول عند الباب”. ويفكر قليلاً قبل ان يتابع:”الأحزاب تسيطر على كل شيء في المطار، ويمكن لها وبكل سهولة أن تبعدنا وتجلب آخرين تابعين لها”.

المزيد عن تقارير سردیة

تقارير سردیة","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":25059}" data-page="1" data-max-pages="1">